عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-01-2016 - 08:00 PM ]


رابعًا: مدوّنة المعجم الحديث
بعد أكثر من عشرة قرون من ذلك الزّمان، ها هي العربيّة تخضع لامتحان عسير في احتكاكها بالمستعمر الأوروبيّ ولغاته التي تحمل حضارةً جديدةً تكتسح العالم. ويحلّ ما سُمّي بعصر النّهضة، الذي تواضع أكثر الباحثين على القول إنّه بدأ مع حملة نابوليون بونابرت على مصر. إنّه إعلانٌ فجٌّ، وإنْ كان فيه قدرٌ كبيرٌ من الصحّة. هكذا إذن ،وبلا مُقدّمات؛ يُضغط على المفتاح فيُضاءُ العالَمُ العربي، وينتقل الناس من الظّلمات إلى النّور!
كان على العرب أن يسايروا الحضارة الوافدة، وكان ينبغي أن يتغيّر شيءٌ في عاداتهم وتقاليدهم وعلومهم. ولم يكن ممكنًا أن تبقى العربيّة بمنأًى عن التغيّر، ولا أن يبقى المعجم العربيّ على حاله إلى ما شاء الله. لكنّه لم يكن ممكنًا أيضًا أن يخلع المعجم العربيّ رداءَه ليكتسي رداءً آخرَ.
كانت بوادر التّغيير حييّةً في بادئ الأمر ."ينسخ" محيط المحيط للبستانيّ القاموس المحيط للفيروز آبادي، أو فلْنقُلْ إنّه يُكثر من الاعتماد عليه. و"ينسخ" المنجد للأب لويس معلوف اليسوعي محيط المحيط للبستانيّ. لكنَّ كلَّ واحدٍ منهما كان يعمل على أن يُضفيَ مسحةً من التّجديد على معجمه، وأن يفيد من المعجم الفرنسيّ والإنكليزي في أيّامه. فقد نشرت المطبعةُ الكاثوليكيّة في بيروت -قبل المنجد الذي صدَر في عام 1908- المعاجمَ المزدوجة الفرنسية - العربية( 1857)، والإنكليزية العربية، والفرائد الدرِّرية في اللغتين العربية والفرنسية(1883)، ثمّ في العربية والإنكليزية(1899) ([32]).
غير أنّه لم يكن من المسموح به أن يخترق المعجمُ الحديثُ حدودَ الفصاحة التي أقامها الأقدمون سياجًا يحمي اللّغة من رياح التّغيير؛ فظلّت معاجم العربيّة تستنسخ الماضي، كما ظلّت قواعد النّحو وشواهدُه تستنسخ كتبَ الأقدمين. فهذا الأب لويس معلوف اليسوعي نفسُه، وهو الوثيقُ الصّلة بالمعجم الفرنسيّ؛ يعلِنُ في مقدّمة الطّبعة الأولى لمنجده -وهو معجمٌ مدرسيٌّ ([33]) - تمسّكه بعبارات الأقدمين. فيقول: "وقد تحرَّيْنا ما أمْكننا المحافظة على عبارات الأقدَمين". وليس في هذه المقدّمة إعلانٌ عن جديدٍ يتعلَّق بخطوةٍ على طريق الانعتاق من سيطرة مفهوم الفصاحة وصفاء اللّغة الذي رأيناه عند السّابقين، فإن خَرَجَ على مفهوم الفصاحة وصفاء اللغة؛ كان أكثرَ محافظةً من أولئك السّابقين ."وأغْفَلْنا ذكر ما يمسُّ حُرْمة الآداب من الكلمات البذيئة التي لا يضرُّ جهلُها وقلَّما أفادَ علمُها". كلّ ما في المقدّمة من جديدٍ، هو مرتبطٌ بالشّكل ،حتّى يكون المعجم "قريبَ المأخذ ممتازًا بما عُرفت به المعجمات المدرسيّة في اللّغات الأجنبيّة، من إحكام الوضع ووضوح الدّلالة". و"قد أظهرناه بأدقَّ ما لدينا من الأحرف وأجلاها، ورتَّبْنا صفحاته على ثلاثة أعمدةٍ"، و"قد زيَّنّاه بصور عديدةٍ تمثِّل للعين بعض الأوصاف ،وتقوم مقام الشّروح الطّويلة". أمّا مادّةُ المعجم فلا ذِكْرَ لها في المقدّمة.
يسجّل "التّصدير" الذي كتبه إبراهيم مدكور للطّبعة الأولى من المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة صعوبةَ المسألة؛ إذ حاول البستاني والشرتوني والمعلوف تحديث المعجم -على حدّ قوله- "ولكنّهم لم يستطيعوا التخلّص من قيود الماضي، ولم يجرؤوا على أن يسجّلوا شيئًا من لغة القرن العشرين. وما كان لهم أن يفعلوا والأمر يتطلّب سلطةً أعظم، وحجّةً لغويّةً أقوى" ([34]).
لم يكن ممكنًا -في نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين- أنْ يتخلَّص المعجم العربيّ من القيود التي كبَّلته أكثر من عشرة قرون، فالإرْثُ ثقيلٌ. ولم يكن ممكنًا أنْ يخرج غيرُ المسلمين، وإن أرادوا ذلك، على تقليدٍ لغويٍّ راسخ في العربيّة، وهي لغةُ الإسلام؛ وبينها وبينه وشائجُ لا يمكن لمن كان من خارج هذا الدّين أنْ يفصلها حتّى لا يُتَّهَم بأنه يشوّهه، خصوصًا إن كان من رجال دين آخَر؟ ثمّ إنّه ليس بوسع فرْدٍ، مهْما علا شأنه ،أنْ يقْطع في أمر خطير كهذا، مخافةَ الشّطَط. كان لا بدَّ إذن من أنْ يتصدّى لهذا العمل جماعةٌ كبيرةٌ من العلماء ،تملك من المكانة اللغويّة ما يسمح لها بالاختيار، وأن تكون هذه الجماعةُ بمنأًى عن الاتّهام؛ أو أنْ تكون -على أقلّ تقدير- قادرةً على ردِّ سهام النّقد التي ستُوَجَّه إليها، وعلى الدّفاع عن نفسِها من الاتّهام بتشويه اللّغة وخيانتها ،وبالخروج على الدّين. وربّما يكون هذا ما عناه إبراهيم مدكور حين قال إنّ تحديث المعجم يتطلّب سلطةً أعظمَ، وحجّةً لغويّةً أقوى .
كان مجمع اللّغة العربيّة -الذي ينصّ البند الأوّلُ من بنود تأسيسه على أنَّه يهدف إلى حماية اللّغة العربيّة- وحدَه قادرًا على ركوب الخطر للقيام بهذه المهمّة؛ لاسيّما أنّه يضمّ علماءَ لا يشكّ النّاسُ في علمهم، وأزهريّين لا يراودُ النّاسَ الشّكُّ في إيمانهم ودفاعهم عن الدّين الحنيف. وقد قام بتلك المهمّة؛ فكان المعجم الوسيط.
خطا المعجم الوسيط خطوةً كبرى حين قرّر أنّ "للُّغة ماضيًا وحاًضرًا، فلها قديمُها الموروث، وحاضرُها الحيّ الناطق، ولا بدّ من أن يلاحَظ ذلك في وضع معجم جديدٍ للّغة العربية"، ولا بدّ من أن "تُثبتَ الألفاظ الطّارئة التي دعت إليها ضرورات التطوّر، وفرضها تقدّم الحضارة ورقيُّ العلم"([35]). وكان من آثار هذه السّياسة ،أنْ جعل المعجم الوسيط إلى جانب اللّفظ العربيّ الفصيح خمسة أصنافٍ أخرى هي: المولَّد للّفظ "الذي استعمله الناس قديمًا بعد عصر الرّواية"، والمعرَّب للّفظ "الأجنبيّ الذي غيّره العرب بالنّقص، أو الزّيادة، أو القلب"، والدّخيل للّفظ "الأجنبيّ الذي دخل العربيّة دون تغيير"، والمجمعيّ للّفظ "الذي أقرّه مجمع اللّغة العربيّة"، والمحدَث للّفظ "الذي استعمله المحدَثون في العصر الحديث وشاع في لغة الحياة العامّة"([36]).
لا ريب في أنّ خطوة مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة تفتح الطّريق أمام ربط المعجم بحياة اللّغة؛ حتّى يكون صورةً صادقةً عنها. وهي تضيِّقُ الهوّة السّحيقة التي كانت تفصل المعجم عن حركة المجتمع وقواه الحيّة. وقد حذا المعجم العربيّ الأساسيّ الذي أصدرته المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم حذو المعجم الوسيط؛ فاعتمد الأصنافَ الخمسة التي جاء بها هذا المعجم إلى جانب اللّفظ العربيّ الفصيح. وأصدر بيتُ المشرق المنجدَ في اللّغة العربيّة المعاصرة، الذي يشير في عنوانه إلى نوعٍ من القطيعة مع المعاجم السّابقة؛ فالمنجد في اللّغة والأعلام (للويس معلوف) هو للعربيّة المتوارَثة في المعاجم، وهذا القادم الجديد (نعني: المنجد في اللّغة العربيّة المعاصرة) هو للعربيّة المعاصرة .
غير أنّ الطريق لا تزال طويلةً أمام المعجم العربيّ الحديث؛ ليكون صورةً حقيقيّةً للواقع العربيّ، فيمثّل حركيّة اللّغة وحيويّتها الظّاهرة. وذلك على الرغم من التّقدير لما قدَّمه كلّ واحدٍ من المعاجم المذكورة في رصْدِ التطوّر اللغويّ في العربيّة. فلقد قامت هذه المعاجم -ولا سيّما الوسيط منها- بعمل هائل يؤسِّسُ لمِا بعده. لكنّ الباحث لا يلبث أن يصحو من صدمة الحداثة الظّاهرة في مقدّمات المعاجم الثلاثة، وفي عنوان المعجم الأخير منها. وليس السّبب في هذا ما في المعجم الحديث من عثرات وعيوب في موادّه، ووسمه، وتعريفاته، وأمثلته وشواهده، وتصنيف معانيه ومستوياته اللّغويّة وسِماته العارضة، وغير هذا ممّا يُعتمد في المعاجم؛ فهذه أمورٌ -على أهمّيتها- لا تعنينا في هذه الدراسة. وإنّما يعود ذلك أيضًا إلى مدوّنة المعجم التي يعتمد عليها في تصنيفه.
تفتح معجمًا فرنسيًّا غير متخصّصٍ، هو معجم روبير الصّغير([37])، في المدخل المخصّص للفظ( zénith) "السَّمْت" ولفظ( nadir) "النّظير"، على سبيل المثال؛ فتقرأ فيه أنّ هاتين اللفظتين في علم الفلك لفظتان عربيّتان دخلتا إلى الفرنسية في القرن الرّابع عشر. فإن بحثت عنهما في المعجم العربي قديمِه وحديثه أعياك البحث؛ لأنّهما من المولَّد الذي جاء بعد عصر الرّواية، وليس من هذا المولّد في المعجم العربيّ الحديث إلّا نزرٌ يسيرٌ.
من حقّ الباحث أن يسأل عن المدوّنة التي يعتمد المعجم العربيّ عليها لاستخراج مادّته ووصفها؛ لأنّه لا يكون صورةً للّغة، إلّا حين تكون مدوّنتُه ممثّلةً لها تمثيلًا صحيحًا، أو أقربَ ما تكون إلى التّمثيل الصّحيح. ولهذا يُفترَض أنْ تُجمَعَ مدوَّنَة المعجم اعتمادًا على عددٍ من المعايير، أهمّها:
أن تكون أصيلةً لم تتعرّض لتغيير أو تحريفٍ.
أنْ تكون ممثّلة تمثيلًا حقيقيًّا للّغةِ التي يُراد وصفُها. نريد بالطّبع تمثيلًا نسبيًّا، لأنّ جمعَ نصوص اللّغة كلِّها من المحال.
أنْ تكون غنيّةً واسعةً؛ ولهذا صار من الصّعب في أيّامنا أنْ يُكتفَى بالنّصوص الورقيّة، وصار لا بدَّ من الاعتماد على ما هو مخزَّن في الحواسيب([38]).
غير أنّ المعجم العربيّ الحديث لا يكاد يعتمد على مدوّنةٍ حقيقيّةٍ تمثّل الواقع اللغويّ الذي يتصدّى لوصفه .وغالبًا ما يُبنى المعجم على المعاجم التي سبقته، فينسخ مداخلَها؛ ثمّ يقوم ببعض التّعديل فيها -حذفًا، أو زيادةً- حتّى تستقيم له مداخله من دون العودة إلى استقراء نصوصٍ يمكن أنْ يعتبرها شاهدًا على اللّغة التي يريد جمع مفرداتها. ويتجلّى غياب المدوّنة، أو غياب مدوّنةٍ حقيقيّةٍ في مظهرَين اثنين:
أوّل مظهر منهما غيابٌ لافتٌ للنّظر لعددٍ كبير جدًّا من المفردات من دون سبب ظاهر؛ فليست هذه المفردات ممّا خرج من التّداول فمات، أو صار من النّادر فلم يجد المعجميّ فائدةً في ذكرِه. إذ أكثر المفردات الغائبة حديثةُ العهد، أو ألفاظٌ قديمةٌ حُمِّلَتْ معنًى حديثًا لم يكن لها من قبل. ويمكن أنْ نمثِّل لهذا النّوع من المفردات بفأرة الحاسب مثلًا؛ وهي بلا شكٍّ أكثر تواترًا في أيّامنا من الفأرة، أي الحيوان الذي هو من رُتبة القوارض، ومن "الفارة، بتخفيف الهمزة: أداةٌ للنجّار يُقشَرُ بها الخشب (محدثة)"([39]). ومثال هذا أيضًا الهاتف المحمول، أو الجوّال، أو النقّال، أو المنقول، أو المتجوّل، أو اللّاسلكيّ، أو الخلويّ، أو غير هذا. وقد بحثنا عنها كلّها في المعاجم فما وجدنا لها أثرًا. ومثلُ هذا أيضًا الشّاحن والفاكس، أو النّاسوخ، والطّابعة، وفلم الكرتون، وغير هذا كثير.
كيف تغيب هذه المفردات عن معجم حديث إن كان يعتمد على مدوّنةٍ حقيقيّةٍ، ولا يكتفي بنسخ مداخل المعاجم السّابقة، وإضافة بعض المداخل التي تخطر بالبال، وحذف بعضها الآخر؟
لا ريبَ في أنَّ لـ المعجم الوسيط عُذرًا في ترْك هذا اللّفظ، وفي ترك كثير غيرِه ممّا شاع في السّنوات الأخيرة؛ فقد صدرت طبعتُه الأخيرة منذ أكثرَ من رُبع قرن من الزّمان. ولكنّ العذرَ أقلُّ في المعجم العربيّ الأساسيّ، وفي المنجد في اللّغة العربيّة المعاصرة، وقد أبصرا النّور بعده بسنوات .
يغيبُ عن المعاجم الثلاثة كثيرٌ من المفردات الحديثة الشّائعة التي لا يستغني مستخدم المعجم العامّ عنها. ويغيب عنها أيضًا كثيرٌ من مصطلحات العلوم والفنون التي دخلت العربيّة حديثًا؛ فهذه سِمةٌ مهمّة من سمات عصرنا ،إذ يُبتدعُ في كلّ يوم عشراتٌ، بل مئاتٌ من المصطلحات العلميّة والفنّية الحديثة، ثمّ لا يلبثُ عددٌ من هذه المصطلحات أنْ يشيع استعمالُه بين عامّة أهل اللّغة، فيتحوّل إلى لفظٍ لغويٍّ عامٍّ لكثرة تداوله .وأكثرُ ما نراه من تحديث في مفردات المعجم العامّ؛ إنّما هو من هذا القبيل.
المظهر الثاني من مظاهرِ غياب المدوّنة، هو غيابُ الشّواهد التي قد تكون خيرَ ما يكشفُ وجهَ المعجم في تعبيره عن الأمّة؛ فليست الوظيفةُ اللّغويّة إلا وجهًا من وجوه استخدام الشّواهد. وقد درس الحبيب النّصراوي وظائف الشّاهد فجعلها أربعًا: لغويّةً، وبلاغيّةً، وثقافيّةً، وأيديولوجيةً([40]).
ليس المعجم كتابًا يجمع بين دفّتيه ألفاظ اللّغة فحسب، وإنّما هو أيضًا كتابٌ يكشف عن ثقافة العصر وذوقه ،كما يكشف عن مواقف صاحبه، ونوازعه ورغباته. ويبدو هذا جليًّا في ما يختاره صاحب المعجم من شواهدَ، وأمثال، وعبارات؛ فقد يميل إلى هذا الشّاعر دون ذاك، وقد يتبنّى موقفًا مذهبيًّا من هذه المسألة، أو من تلك ،فيتجلّى موقفه في ما يأخذ، وفي ما يترُك .
كانت المعاجمُ العربيّة القديمة، وما زالت، كنزًا يزخرُ بمعطيات كثيرةٍ في شتّى مناحي الحياة القديمة. وكان ممكنًا أنْ يستخرِج الباحثُ من خلالها أنماط العلاقات الاجتماعيّة السّائدة، وخيارات صاحب المعجم في الدّين واللّغة والأدب، فضلًا عمّا كان يتداولُه الناسُ في حقول المعرفة، ومجالات العلوم والفنون في عصر الرّواية. تقرأ لسان العرب لابن منظور، فترى فيه هذا الفيض الغامر لحياة العرب في الجاهليّة، وفي صدر الإسلام، شعرًا وخُطبًا وحكايات وأمثالًا، وآيات وأحاديثَ.
وفي الوسيط، عددٌ كبيرٌ من الشّواهد القرآنيّة والأحاديث النبويّة، يحتجُّ بها المعجم في معنى هذا اللّفظ أو ذاك. ولا شكّ في أنَّ هذا الاستشهاد يحيل إلى الاستخدام العربيّ الصّافي للّفظ؛ غير أنّ الوسيط يترك الشّواهد الأخرى ،فلا شواهدَ من أقوال المنشئين العرب لا في العصر القديم، ولا في العصر الحديث، ولا شواهدَ من الشعر العربيّ القديم إلّا في مواضعَ قليلةٍ ([41]). ليس في الوسيط -إذن- شاهدٌ على لفظٍ حديث، ولا على معنًى حادث؛ فليس للمولَّد والمحدَث ما يُستشهَدُ به عليهما. وليس للدّخيل والمجمعي بالطّبع شواهدُ على استعمالهما. فكثيرٌ من هذا الدّخيل والمجمعيّ ألفاظٌ أجنبيّةٌ، أخذتها العربُ لحاجتها إليها في مجالات العلوم والفنون.
ويمضي المعجم العربيّ الأساسيّ على خطى المعجم الوسيط في اعتماده على آيات قرآنيّةٍ، وأحاديثَ نبويّةٍ؛ مبتعدًا عن الشّعر، وعن كتابات المبدِعين في القديم والحديث، ومضيفًا إلى الآيات والأحاديث أمثلةً مصنوعةً، كما هي الحال في مادّة (ث. ق. ل)، فقد جاء فيها:
ثَقَلٌ ج أثقال 1- المتَاع ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلِى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالغِيهِ إلِاَّ بشِقِّ الأَنفُسِ إنِّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
(النّحل: 7).
2- الشّيء النّفيس الخطير "إنّي تاركٌ فيكم الثّقَلَين: كتاب الله وعترتي" ([42])، الثَّقَلان: الجنُّ والإنس .﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيّهُا الثَّقَلانِ﴾ (الرّحمن: 31).
ثقِلٌ ج أثقال: 1- الوزن ماديًّا ومعنويًا "ألقت الحكومة السّعودية بكلّ ثقلها وراء المشروع"، رفْعُ / حمْلُ الأثقال: نوعٌ من الألعاب الرياضيّة ،2- الحمل الثّقيل "مهمّة الدّفاع عن الوطن تتطلّب منّا القيام بما يتناسَبُ وثقِلها"،
3- ما يشُقُّ على النفْس من دَيْن أو ذَنْب أو نحوهما ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهِمِ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (العنكبوت: 13).
أمّا المنجد في اللغة العربية المعاصرة، فيستغني عن الشّواهد قديمِها وحديثهِا. وهو في هذا يتابع ما في طبعات المنجد السّابقة التي تجري على ما كان قد سنَّه الفيروز آبادي في القاموس المحيط من حذف الشواهد -إلّا ما ندر- رغبةً في الاختصار، وضبْطًا للصّياغة المعجميّة. ويكتفي المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة في مقابل هذا الغياب، بتقديم أمثلةٍ مصنوعةٍ على غرار أمثلة المعجم العربيّ الأساسيّ؛ تُفصَّل على قدر ما يحتاج المعجمي إليه .بيد أنّ الأمثلة المصنوعة لا تقوم مقام الشّواهد؛ فليست المُستأجَرةُ كالثّكلَى، ولا يقوم ما يصنعه الفرد الواحد في التّمثيل لمعنًى مقام ما تبدعه الأمّة في تواصلها الحيّ في مقامات الخطاب، وليس ما يصنعه المعجميّ في التمثيل من الخطاب في شيءٍ. إنّه جسدٌ بلا روح.
لا تنطلق المعاجم العربيّة من مدوَّنةٍ، "ولا تدَّعي ذلك، وإنّما تكتفي بادِّعاء تصوير الواقع اللغويّ الحيّ"([43])؛ بل إنّها في أحيان أخرى لا تزعم أنّها تقوم بتصوير هذا الواقع. ولنا في مقدّمة المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة دليلٌ على ما نقول؛ فهذا المعجم لا يقول إنّه يعتمد على مدوّنةٍ غنيّةٍ متنوّعةٍ من نصوص العربية المعاصرة في بناء مداخله، بل على المعجمين الثنائيّين اللّذين أصدرتهما دار المشرق: المنجد الإنكليزي العربيّ، والمنجد الفرنسيّ العربيّ. فمداخل المعجم العربيّ إذن في قسم صالح منها؛ إنّما هي الألفاظ العربيّة المعتَمَدة في ترجمة المداخل الإنكليزية والفرنسيّة في المعجمين الثّنائيّين، وليست ألفاظًا مستخرجةً من كلام العرب في مخاطباتها عن طريق استنطاق المدوَّنة، لأنّ في هذين المعجمين، كما تقول مقدّمة المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة: "جردًا للمفردات والعبارات التي يحتاج إليها المثقّف الغربيّ ([44]) للتّعبير عن أفكاره ومشاعره"، "ولا نظنّ (والكلام دائمًا لمقدّمة المنجد) أنّ الأفكار والمشاعر هذه تختلف كثيرًا عن أفكار المثقّف العربيّ ومشاعره، في عصر يسير فيه العالم كلّه نحو التوحّد"([45]).
لم يصنع المعجم العربيّ بعدُ مدوّنته التي يجمع فيها كلام العرب، أو ما يمثّل كلام العرب تمثيلًا جزئيًّا. وما دام الأمر على هذه الصّورة، فلن يكون المعجم العربيّ الحديث صورةً حقيقيّةً عن هذه اللّغة، وعن هويّة أصحابها.


رد مع اقتباس