المعجم العربيّ وهويّة الأمّة([1])
حسن حمزة([*])
يفحص هذا البحث المعجم العربيّ منطلقًا من مقولة إنّ المعجم هو المكان الطبيعيّ الذي يعكس نظرة اللّغة إلى العالم، وهو يعكس أيضا تطوّر اللّغة وتطوّر أهلها .ويتوقّف الكاتب عند نزوع صُنّاع المعاجم إلى "السلفية اللغوية" بإقفال باب التجديد، وذلك بدعوى الحفاظ على فصاحة اللغة ونقائها، وهو ما قاد إلى قطيعة بين المعجم واللّغة التي يعاين مفرداتها، ليحوّل نفسه إلى "مدوّنة ليس فيها إلا الأموات". وتخلص الدراسة إلى أنّ اللّغة العربية تخضع لامتحان عسير بعد احتكاكها بالمستعمر الأوروبيّ السابق ولغاته، وهو الأمر الذي يستدعي ثورةً معجميةً جديدة.
أولا: اللّغة والعالم
في الفلسفة القديمة التي لا تزال رائجةً إلى حدٍّ كبيٍر؛ يسبق الفكر اللّغة، وتُعدّ اللّغة أداةً للتّعبير عن فكر سابقٍ لها ،قائم من دونها، وغير محتاج إليها. فالمعاني قائمةٌ في النّفس، كما يقول ابن رشد في شرحه لأرسطو؛ ولذلك فهي واحدةٌ بعينها للجميع، مثَلُها كمثَل أشياء العالم الخارجيّ التي هي موجودةٌ بأعيانها للجميع. ولا خلافَ فيها إلّا في الألفاظ التي هي تعبيرٌ عن هذه المعاني والأشياء، وفي الخطّ الذي هو صورةٌ للّفظ ([2]).
بيد أنَّ اللّسانيات الحديثة قد سعَت إلى إبطالِ هذا القول، وبيَّنتْ أنَّ العلاقة بين اللّغة والفكر ليست علاقةً يمكن فيها لواحدٍ منهما أنْ يستغني عن صاحبه. كما بيَّنت أنَّ كلماتِ اللّغة ليست مطابقِةً لأشياء العالَم الخارجيّ، مثلما كان يتوهّم الأقدمون؛ وإنّما تقسِّم كلُّ لغةٍ العالم بالطريقة التي ترتضيها([3]). فلا تتساوى الكلمات في لغتيْن؛ بل تحمل كلّ واحدةٍ منها في اللّغة ما لا تحمله الكلمة المقابلِة في اللّغة الأخرى. ولهذا فإنّ ترجمة كلمات لغةٍ من اللّغات بكلماتِ لغةٍ أخرى؛ هي أمرٌ مستحيلٌ على المستوى النظريّ، ولا يكون التّكافؤ مُمكنًا إلّا في الخطاب، بين هذا القولِ وذاك، لا بين كلمات هذه اللّغة وكلمات تلك.
إنْ كانت المعاني واحدةً عند الجميع، كما يقول ابن رشدٍ، وكما تزعم النّظرة التّقليدية السّائدة إلى اللّغة؛ فلا تختلف اللّغات إلّا في أنّ كلَّ واحدةٍ منها تستخدم لفظًا مغايرًا للّفظ الذي تستخدمه اللّغة الأخرى للتعبير عن المعنى نفسه. وهو معنًى موجودٌ بالطّبع، وبالتالي فهو مشترَكٌ بين جميع الأمم؛ وذلك على خلاف الألفاظ التي تتواطأ كلّ أمّةٍ عليها، فتختلف باختلافها. فإنْ سلَّمْنا بهذه المقولة؛ صارت اللّغات جداولَ بالتّسميات، يتكوّن كلّ جدول منها من عددٍ من الخانات التي يوضع في كلّ واحدةٍ منها لفظٌ إزاء لفظِ الخانة الذي في اللّغة الأخرى .ذلك أنّ أصوات اللّغات وتصاريفها، ليست واحدةً، ولم يعُدْ بين المعاجم في اللّغات المختلفة فارقٌ حقيقيٌّ؛ لأنَّ المعاني واحدةٌ بعينها لدى جميع الأمم. فإنْ كان ثمّة فارقٌ، فهو يكمن في وجود خانةٍ في جدول هذه اللّغة، توازيها خانةٌ فارغةٌ في تلك، فيؤتَى بلفظٍ جديدٍ لها قد يبتدعُه أهلُ هذه اللّغة، أو يستعيرونه من اللّغة الأخرى. وهذا أمرٌ واضحُ الفساد، وإنْ تمسَّكَ به كثيرون([4]).
أمّا إنْ كان الأمر على خلاف هذا، كما تقول اللّسانيّات الحديثة؛ فإنّ لكلّ لغةٍ طريقًا في النّظر إلى العالم، تختلف قليلًا أو كثيرًا عن الطريق التي تسلكها اللّغات الأخرى. فلا تختلف الألفاظ بين اللّغات فحسب؛ وإنّما تختلف المعاني أيضًا. ويختلف تناولُ الألفاظ لهذه المعاني في آن واحد؛ فلا يكون المعنى الذي تدلّ عليه لفظةٌ ما في لغةٍ ما مطابقًا -بالضّرورة- تمامَ المطابقة للمعنى الذي تدلّ عليه اللّفظة المقابلةُ في لغةٍ أخرى، وإن كانت بين المعنييْن وجوهُ شبهٍ قد تكون كبيرةً جدًّا .
تَرسم مفردات اللّغة الصّورة التي تقسِّم بها اللّغةُ العالَمَ، وبها تنظرُ إليه. وفي هذه الحالة يُفترَض أن يكون المعجم مكانًا طبيعيًّا تنعكس فيه نظرة اللّغة، أي نظرةُ أهلها، إلى هذا العالَم. ويُفترض أن يكون المعجم أيضًا مكانًا يعكس تطوّر اللّغة وأهلها معًا .
وانطلاقًا من هذا التصوّر لعلاقة اللّغة بالعالَم، ولدور المعجم في رسم ملامح صورته؛ اخترنا النّظر في المعجم العربيّ، لمعرفة مدى مواءمته لحركة المجتمع العربيّ وهويّته وعمليّة الإحياء اللّغويّ فيه.
ثانيًا: المدوّنة الحيّة
وُلد المعجم العربيّ ليسدّ حاجات في المجتمع العربيّ الإسلاميّ النّاهض في القرون الأولى للهجرة. فوُضعت معاجم المعاني، أو معاجم الموضوعات المخصّصة لمجالات الحياة المختلفة؛ مثل الزّرع والنّخل والإبل والبئر والحشرات وغيرها([5]). ثمّ ظهر كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي (المتوفّي في عام 170 أو 175 للهجرة)؛ فكان كتابًا مؤسِّسًا للعمل المعجميّ العربيّ، وتتويجًا لمرحلةٍ نضجت فيها علوم الشّريعة وعلوم اللّسان. وظهرت الكتب المؤسِّسة في هذه العلوم، مثل النّحو واللّغة والفقه والتّفسير([6]). وكان طبيعيًّا أن يضمّ هذا المعجم بين دفّتيه ما وصلت إليه لغة العرب من تطوّر في النّصف الثّاني من القرن الثّاني للهجرة. وآيةُ هذا التطوّر ما جدَّ من مفاهيمَ، وما استقرّ من مصطلحات في هذه العلوم. ولا ريب في أنّ ظهور هذه المصطلحات خيرُ تعبير عن التطوّر الذي عرفه المجتمع العربيّ الإسلاميّ في القرن الأوّل ومنتصف القرن الثّاني للهجرة. وهذا التطوّر الذي عرفه المجتمع على شتّى المستويات؛ أمرٌ وقع الحرص عليه والتمسّك به من جانب القائلين إنّ اللّغة مواضعةٌ واصطلاحٌ. فهم يقولون: إنّ "أبا الأسود الدؤليّ أوّلُ من وضع العربيّة"، وإنّ "الخليل أوّلُ من تكلّم في العروض"، مع ما يستدعيه هذا التطوّر من ابتداع مصطلحات جديدةٍ لم تكن معروفةً؛ مثل مصطلحات النّحو والإعراب والرّفع والنّصب والجرّ والهمز، والطّويل والكامل والمديد من أسماء بحور الشّعر، وغير هذا. يقول ابن درَيدٍ: "وقد وُلدت أسماء في الإسلام لم تكن العرب قبله عارفةً بها، إلّا أنّها غيرُ خارجةٍ عن معاني كلامها ،واستفادة معرفتها؛ إذ كانت على أوضاعها، والمعاني التي تعقِلُها نحو: الكافر، والفاسق، والمنافق (...) إلى كثير من ذلك يطول تعداده"([7]). ولأنّ في هذا الأمر ما فيه من نقضٍ لمقولة التّوقيف؛ فإنّ ابن فارس يقول في الردّ عليهم([8]): إنّه لا يُنكر ما يقولون عن أبي الأسود وعن الخليل، وكيف له أن ينكر ما يقولون؟ لكنّه يضيف إنَّ هذين العِلْمَين، علم العربيّة وعلم العروض: "قد كانا قديمًا، وأتتْ عليهما الأيّام وقلّا في أيدي الناس، ثمّ جدَّدهما هذان الإمامان"([9]).
يقدّم معجم العين للخليل صورةً حيّةً عن اللّغة التي كانت متداوَلةً في أيّامه؛ لأنّ المدوّنة التي يعتمد عليها هي مدوّنةٌ حيّةٌ. فمصادر الخليل في معجمه هي القرآنُ والحديث وأشعار العرب وأمثالهم وأقوالهم في عصره، وفي العصور السّابقة. وما يصحّ عن الخليل بن أحمد في معجمه يصدق على تلميذه سيبويه في الكتاب. فمثل التّلميذ كمثل الشّيخ؛ لا يعود إلى سابقِيه في التّقعيد، وفي استخراج الأصول فحسب، بل يعود إلى معاصرِيه أيضًا .ولهذا تقرأ في كتابه عبارات تدلّ على هذا السّماع الحيّ من أفواه العرب في زمانه، مثل قوله: "فهذا سمعناه من العرب"، و"سألنا العُلْويين والتميميّين"، و"سمعنا العرب تقول"، و"سمعنا العرب يقولون"، و"كلّ هذا على ما سمعنا العرب تتكلّم به رفعًا ونصبًا"([10]). إنّ السّماع عند الخليل كما هو عند تلميذه؛ هو سماعٌ حيٌّ، يأخذ فيه صانع المعجم عن العرب الذين يعيشون في زمانه. فيسمح له هذا السّماع الحيّ بنقل الواقع اللّغويّ في الزّمان الذي يعيش فيه، وبمواكبة ما فيه من تحوّلات. وقد نقل إبراهيم ابن مراد عن كتاب العين عددًا مهمًّا من الأمثلة التي يمكن من خلالها استنتاجُ أنَّ الخليل لم يكن يعتمد على القديم وحدَه، بل كان أيضًا ينقل عن معاصريه ،وينقل لغات الأمصار وما استحدثه أهل هذا البلد أو ذاك من مفردات لم تكن معروفةً قبلَهم. ولهذا ترى الخليل يذكر أحيانًا في معجمه لغات الأمصار؛ مثل العراق والشّام واليمن ومصر، ومفردات تخصّ مُدنًا أو جهات بأعيانها؛ مثل "أهل البصرة"، و"أهل السّواد"، و"أهل حمص"، و"أهل الجوف" من بلاد اليمن .ويَسمح له هذا الاعتداد بلغات أهل الأمصار بأن يسجّل جديدًا لم يعرفه العرب القُدامى ،وإنّما جاء لمواكبة تغيير في عاداتهم، أو شيءٍ ابتدعوه في زمانهم، أو عادةٍ مستحدثةٍ فيهم. فالخليل يذكر -على سبيل المثال لا الحصر- "نَوى العَقوق"؛ "وهو نوًى هشٌّ ليّنٌ رخو المضغة... من كلام أهل البصرة، ولا تعرفه الأعراب في بواديها". كما أنّه يذكر ما استحدثه أهل البصرة في القتال؛ فمن ذلك "الحرّاقات"، وهي "سفنٌ فيها مرامي نيران يُرمى بها العدوّ في البحر بالبصرة، وهي أيضًا بلغتهم مواضع القلّائين والفحّامين"، و"البيّاب"، وهو عند أهل البصرة "السّاقي الذي يطوف عليهم بالماء في أسواقهم". كما أنّه يذكر ما استحدثه أهل الشّام في طعامهم؛ فمن ذلك "الخَذيعة"، وهي "طعامٌ يُتّخذ من اللّحم بالشام"، وما استحدثه أهل مصر في ميدان العمل، فمن ذلك "الوهين"، وهو "رجلٌ يكون مع الأجير في العمل يحثّه على العمل"، وما استحدثته العامّة، فيقول عن المحراب: "والمحراب عند العامّة اليوم: مقام الإمام في المسجد". بل إنّ الكشف الذي قام به عبد العزيز إبراهيم في "معجم الشّعراء في كتاب العين"، يدلّ على أنّ نسبة الشّعر الإسلاميّ -ولا سيّما الأمويَّ منه- لا تقلّ عن نسبة الشّعر الجاهليّ فيه، بل قد تزيد عليها ([11]). وإنّ في الرّجوع إلى هذه الأشعار في العصْرين الإسلاميّ والأمويّ، وفي العودة إلى لغات أهل الأمصار وما استحدثه أهلُ هذا المصِرِ أو ذاك؛ دلالةٌ بالغةُ الوضوح على أنّ مدوّنة الخليل لم تكن تقتصر على ما هو قديمٌ في اللّغة، وعلى أنّها كانت تنقل ما كان سائدًا في ثقافة عصره من قديم ومن جديدٍ.