وثم فكرة أخرى عند جرايس grice ذكرها ليفنسون قبل أن يستعرض اقتراحات جرايس بقوله: "إن النظرية الأخرى الأكثر أهمية التي ارتبطت بجرايس grice هي نظرية المعنى meaning، فهذه النظرية لا تعامل بشكل عام على أنه ليس هناك أي اتصال بينها وبين نظرية الإضمارImplicature، فهناك في الواقع اتصال من نوع بالغ الأهمية؛فإن نظرية المعنى meaning قد تم تفسيرها على أنها نظرية اتصالcommunication ، ومن ثم فهي تقدم توضيحاً عن كيفية التوصل إلى الاتصال communication في حالة غياب أي معان عرفية (اصطلاحية) للتعبير عن الرسالة المقصودة، والنتيجة أنها تقدم توضيحاً لكيفية الاتصال، بمعناه الدقيق، الذي لا يكون فيه المقصود بالطبع بخلاف ما قيل بالفعل.
ويمكننا - بإعطاء ملفوظ ما - أن نستخلص منه عدداً من الاستدلالات، ولكن ليس من الممكن أن تكون كل هذه الاستدلالات اتصالية طبقاً لمقصود جرايس؛مثال: أن يكون قد نوى أن يتم التعرف عليه كما قصد هو.
هذا النوع من الاستدلالات الذي يطلق عليه الإضمارImplicature هو دائماً من النوع الخاص المقصود، ونظرية الإضمار Implicature ترسم طريقاً واحداً، هو الذي تكون فيه هذه الاستدلالات(من النوع غير الاصطلاحي)، والتي يمكن أن تنتقل أثناء التقابل مع مذهب الرسائل الاتصالية الموجودة في نظرية المعنى لجرايس grice"(36).
أما مبدأ التعاون فيراه ليفنسون النظرية الثانية عند جرايس grice التي عمل فيها على تنمية مفهوم الإضمار Implicature، ويرى أن هذا المبدأ وما يتضمنه من مبادئ فرعية هو في الأساس نظرية عن كيفية استخدام الناس للغة، ثم يحدد مقترح جرايس هذا بأنه ثم افتراضات مبتذلة أو مهجورة هي التي تتحكم في إدارة المحادثة، وقد ظهر ذلك. كما يبدو. من معتقدات وبواعث عقلية رئيسية، ويمكن أن يوصف ذلك كله بأنه إرشادات للاستخدام الفعال والمؤثر للغة في المحادثة، وذلك لغايات تعاونية إضافية.
إن نظرية جرايس grice عن الإضمار في المحادثات كانت مثار نقاش وتعليقات، فهي رؤية تتسم بالخيال والمثالية إلى حد بعيد، إذ تؤسس لمحادثة نموذجية تفترض إيجابية العلاقة بين أطراف المحادثة على الدوام، ويعد هذا هو المأخذ الأول على مبادئ جرايس(37)، ويرى ليفنسون أن هذه المبادئ تحدد ما يجب أن يفعله المشتركون في المحادثة، حتى تسير المحادثة على أسس عقلانية تعاونية فعالة، حيث إنهم يجب أن يتكلموا بصدق وسلامة نية، وبطريقة سديدة وواضحة، وذلك حين يمدون غيرهم بمعلومات كافية، كما يرى"، وقد لفت إلى هذا المأخذ ليفنسون في تعقيبه على مبادئ جرايس بقوله: "بالنسبة لهذه الرؤية لطبيعة الاتصال فهناك اعتراض سريع، هذه الرؤية يمكن أن تصف خيال فيلسوف، ولكن ليس هناك فرد واحد يتكلم بهذه الطريقة تماماً طوال الوقت"(38) ثم يشير ليفنسون إلى اختلاف دقيق في وجهة نظر جرايس ، فإن القضية لا تتحدد في أن يتبع الناس هذه الإرشادات بصورة حرفية، فإنه في معظم الأنواع العادية من المحادثات لا تستمر المحادثة طبقاً لمواصفات المتحدثين، المستمعون يفترضون أشياء تختلف مع ظاهر المحادثات(39).
ومن ناحية أخرى تمثل هذه المبادئ أسساًَ معيارية وأنها غير مجدية في عملية التحليل، بل لا تقدم أي أسس لتحليل الخطاب، فهي في توجهها المعياري هذا تفتقر إلى الأدوات والإجراءات التي يمكن أن تفيد في عملية التحليل، فمن وجهة نظر المحلل كما من وجهة نظر المخاطب، لابد من اعتبار المعاني الضمنية (الإضمارات) Implicature غير محددة بطبيعتها,"بما أنها نابعة من فرضية أن لدى المتكلم النية في أن يدلى بكلام له معنى، وأنه يلتزم باحترام المبدأ التعاوني، وبما أن المحلل لا يتمتع إلا بمعلومات قليلة عن نية المتكلم ومدى صدقها عند تلفظه بمقطع خطابي، فإن أي ادعاءات يقترحها حول المعاني الضمنية (الإضمارات) Implicature التي توصل إلى اكتشافها لن تتعدى أن تكون مجرد تأويلات"(40) ومن ثم يتأكد قيام النظرية على افتراضات من العسير تحقيقها في واقع التواصل البشري في المحادثات بين الناس، وبذلك يظهر عدم جدواها في عملية التحليل"وبهذه الطريقة يكون محلل الخطاب في موقع يبدو في الظاهر أقل تأصلاً علمياً من موضع اللغوي الشكلاني الذي يصف قواعد اللغة ومدى احترام أو عدم احترام مستعمل اللغة لها، إنه بالأحرى في موقع المتلقي الذي يؤول الخطاب تأويلات قد يكون لها معنى أولاً"(41).
ومن ثم تأتي هذه النظرية تعليمية في جوهرها، إذ تحيل إلى أنه"لكي تصبح المحادثة تعاونية ومشروعاً اجتماعياً، فإن الأطفال ينبغي أن يتمسكوا بهذه الأوامر، بوصفها جزءاً من العمليات الاجتماعية واللغوية المكتسبة، وقد ناقش جرايس أيضاً ملاحظة كون مبدأ التعاون سلوكاً منطقياً مقبولاً؛لأنه يخدم منفعة المتكلم في أي الأحوال، إن القدرة على تحقيق هذه الأوامر في غاية الأهمية بالنسبة لجدارة المتكلم المحادثاتية، وإن النتيجة الحتمية لاختراق أي مبدأ من هذه المبادئ أنه يؤدى إلى شذوذ لغوي، أو ملاحق، أو بالمعنى الحرفي جدير بالملاحظة والمتابعة الملاحقة.
بمجرد اكتشاف هذا الانتهاك، فإن بعض هذه الانتهاكات سرى ومن العسير اكتشافه"(42).
وعلى الرغم من أن ليتش Leech قد اعتمد على مبادئ جرايس grice فإنه قد انتقد هذه المبادئ ضمن النقد الموجه إلى نظرية أفعال الكلام، إذ عاب عليها الخلط بين الفعل في الوظيفة النحوية والفعل الإنجازي، ثم إنه ربط لاحقاً في طرحه لمفهوم التأدب politness نوعين من الأفعال الإنجازية التي صنفها سيرل وهي الأفعال التوجيهية والأفعال الإلتزامية بالأهداف التنافسية في مبدأ اللياقةtact maxim مشيراً إلى أنه كلما كانت قوة القول غير مباشرة كلما كانت أكثر تأدباً(43) كما علق ليتش Leech على هذه المبادئ بقوله"ويمكنني القول إن مصطلحات جرايس الفرعية تنتج مستويات أخرى بالتدريج"(44) ولذلك لم يقف ليتش Leech عند حدود المبادئ الأربعة التي وضعها جرايس فوضع مبدأ التأدب، وإن كان لنا أن نؤكد في الوقت نفسه أنه لم يتخل عن مبدأ التعاون عند جرايس وما يشتمل عليه من مبادئ فرعية، وما يمكن أن يتشعب عن هذه المبادئ، وبذلك يأتي مبدأ التأدب المبدأ الثاني في نظرية بلاغة التفاعل بين الأفراد lnterpersonal rhatoric، وقد بنى ليتش مبادئه الفرعية في عدة ثنائيات على النحو التالي:
- مبدأ البراعة، اللباقة maxim of tact:
تقليل التكلفة على الملتقي(الطرف الآخر في المحادثة)، وزيادة الربح.
- مبدأ الكرم، السخاء maxim of
Generosity: ففي المعاملات المالية المتعلقة بالتجارة-مثلاً-ينبني مبدأ مبدأ السخاء في تقليل الربح للمتكلم، وزيادة التكلفة عليه.
- مبدأ الاستحسان، الرضى maxim Approbation:
يتحدد في تقليل الذم للآخر، وزيادة المدح
- مبدأ التواضعmaxim of modesty:
ويتحدد في تقليل المدح للنفس وزيادة البعد عن مدح الذاتdispraise
- مبدأ الاتفاق، الانسجامmaxim of
Agreement: تقليل عدم الاتفاق بين النفس والآخر، وزيادة الاتفاق بينهما.
- مبدأ التعاطفmaxim of sympathy:
تقليل النفور بين النفس والآخر مع زيادة التعاطف بين النفس والآخر.
- مبدأ المفارقةmaxim of Irony(45):
وقد رأي ليتش Leech أن المفارقة بوصفها مبدأ يمكن أن تنسب لمبدأ التأدب، وحدد مبدأ المفارقة بقوله: "إذا كان يتحتم عليك التسبب في إهانة فيجب على الأقل أن تنقل ذلك بطريقة لا تسبب تعارضاً علنياً صريحاً مع مبدأ التأدب، ولكن بطريقة تمكن المستمع من أن يصل إلى نقطة الإهانة من خلال ملاحظتك بطريقة غير مباشرة، وذلك بطريقة الإضمار"(46).
وإن كان ليتش قد علق على مبدأ المفارقة بما يدل على تقديمه لبعض التحفظات عليها بقوله: "التوضيح السابق للمفارقة قد قدم اقتراحا بأن مبدأ المفارقة يأخذ مكانه بجانب مبدأ التعاون ومبدأ التأدب، وذلك في داخل بلاغة العلاقات التواصلية المترابطة Interpersonal rhetoric، وهذا المبدأ على الرغم من تطفله على المبدأين الآخرين، وذلك بالمعنى التالي: حيث إن مبدأ التعاون ومبدأ التأدب يمكن أن يبدوان وظيفيين وذلك من خلال الإشارة المباشرة إلى دورهما في ترويج التواصل المترابط المؤثر، ولكن مبدأ المفارقة (وهو مبدأ الطبقة الثانية)، والذي يمكن المتكلم من أن يكون غير مؤدب بالرغم من أنه يبدو مؤدباً، يحدث ذلك بكسر ظاهري لمبدأ التعاون، إلا أنه يسانده في النهاية"(47).
أما جون سيرل فقد كانت نظرته للمفارقة غير محدودة بحدود مبادئ المحادثات وبلاغة التفاعل بين الأفراد، ولكنه نظر إلى المفارقة من منظور البلاغة العامة، فقد جاء ذلك في حديثه عن الفروق بين المنطوق في الاستعارة ومنطوق المفارقة، وأوضح أنه في منطوق المفارقة يعني المتكلم نقيض ما يعنيه المعنى النحوي للجملة، وعلى المخاطب أن يستخلص الدلالة المخبوءة في المفارقة من خلال ما تعنيه الجملة نحوياً، ليخلص إلى أن ما يعنيه المتكلم عكس ما تعنيه الجملة(48).
وهذا التتبع يحتاج إلى عناصر تداولية تعين المخاطب على عملية استخلاص المعنى المقصود الذي هو معنى المتكلم في مقابل معنى الجملة، وبذلك يتضح الفرق بين رؤية سيرل ورؤية ليتش، إذ انطلق الأول من رؤية التحليل التداولي للخطاب التي تنطوي على أبعاد وصفية، على حين انطلق الآخر من التأسيس التداولي لبلاغة التفاعل البشري الذي ينطوي على أبعاد معيارية واضحة.
وقد كانت اللغة المستخدمة في المحادثات اليومية مثار نقاش عند علماء اللغة الذين اهتموا بعلم لغة النص، فإن بعض اتجاهات البحث اللغوي يرى استبعاد لغة المحادثات اليومية من دائرة الأشكال النصية لارتباطها بالواقع وجريانها على الألسنة، مما أكسبها آلية أفقدتها خصوصية الإيقاع والتأثير والمتعة والغموض، ومن ثم رأى أصحاب هذا الاتجاه أن ينحصر التحليل النصي في الأشكال الفنية أو الأدبية والبلاغية، ولكن هذا الخلاف - فيما يرى سعيد بحيرى - هو أساس الفصل بين التحليل النصي والتحليل الأسلوبي والبلاغي(49) ثم يؤكد على المبرر الذي يجعل لغة المحادثات اليومية مادة للتحليل النصي ويتمثل في"تضمن بعض أشكال اللغة العادية مدلولات ثرية تعجز أشكال أخرى عن تحقيقها"(50) بيد أنه يجعل التعرض لهذه اللغة العادية في المحادثات اليومية مادة مقصورة على البحث اللغوي النصي، بل يجعل معالجة علم لغة النص لهذه الظواهر من الخصوصيات الجوهرية التي تميزه عن الوصف البلاغي والأسلوبي، ويعني بذلك شمولية النظرة، أو اتساع أفق البحث من خلال نماذج نصية ثرية المكونات تتجاوز حدود النماذج البلاغية والأسلوبية؛إذ إن البلاغيين لا يعنيهم إلا تلك الأشكال البلاغية، فهي التي تستحق الدراسة والتوصيف في إطار نظرات معينة(51).
وإذا كان رأى د. سعيد بحيرى قد انبنى على محدودية الرؤية البلاغية والأسلوبية التي حصرها في الانحرافات فإنه في الوقت نفسه يشير إلى أنه ليس ثم إجماع من اللغويين على هذا الرأي القائل باستبعاد اللغة المستخدمة في المحادثات اليومية من الدرس البلاغي، وما ترتب على ذلك من إهمال هذه الأشكال اللغوية بوصفها أشكالاً ذات دلالات محدودة لا تتجاوز مستوى إيصال المعنى الذي يحافظ على التواصل اليومي، ويخلص من ذلك إلى أن تلك الحدود"لا تزال تحتاج إلى دراسة عميقة لا تقوم إلا على أساس الربط بين كل الأشكال النصية، وعدم الاقتصار على بحث المعنى بكل مفاهيمه. في أشكال معينة"(52).
وقد أبانت كلمات "(فان ديكVan dijk) عن هذا التقارب الشديد بين البلاغة والتداولية في حديثه عن وظيفة البنيات البلاغية، إذ أشار إلى أن هذه البنيات"تستهدف نجاعة النص في المقام التواصلي، وبعبارة أخرى فإن المستعمل إنما يلجأ إلى بعض البنيات البلاغية لأغراض إستراتيجية، أي لكي يوفر شروط القبول لكلامه عند المخاطب، ولكي يراه. تبعاً لذلك. وقد أحدث، عند الاقتضاء أثراً (معرفة أو فعلاً)"(53).
وتجدر بنا الإشارة إلى أنه ثم ملاحظات في التفكير البلاغي العربي القديم تتلاقى بشكل ما مع هذه النظريات الحديثة، فقد أولت البلاغة العربية البعد المعياري الذي يهدف إلى غاية الإفهام والإبانة عناية في تناولها لفكرة المقام، ويتوزع هذا البعد المعياري يتوزع بين غايتين تتحدان في: الغاية الابلاغية والإفهام التي يراعى فيها معايير الطبقية المعرفية، وغاية اللياقة ومراعاة المعايير الطبقية الاجتماعية، وليس ثم شك في أن مقولة بشر بن المعتمر في تحديد الطبقة تنصرف إلى الطبقية المعرفية، فهو يهدف إلى غاية الإفهام وتمكين المعنى عند المتلقي، يبدو هذا في مستهل صحيفته إذ يقول: "وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك"(54) ثم يذكر بشر بن المعتمر مفردات الرشاقة والعذوبة والسهولة في وصف اللفظ، ومفردات الظهور والانكشاف والقرب والعرف في وصف المعنى، ثم يجعل مدار ذلك كله على طبقة المتلقي المعرفية التي تتوزع بين أن يكون من العامة أو الخاصة، وجعل ذلك من خصائص أصحاب المنزلة الأولى في البلاغة، يقول"أن يكون لفظك رشيقاً عذباً، وفخماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريباًَ معروفاً، إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت"(55)، ويظل بعد الإفهام هو المسيطر على مفهوم الطبقية عند بشر بن المعتمر، فما إحراز المنفعة عنده سوى تحقيق الفائدة بإبلاغ المتلقي وتمكين المعنى في نفسه، ذلك الذي أشار إليه صراحة في تعرضه لتفهيم العامة.
ولا يفصل الجاحظ بين الحال وغاية الإفهام والإبانة في غير موضع، مشيراً إلى أن اللفظ وحده لا يمكن أن يؤدي هذا الإفهام الذي يعد مدار الأمر والغاية التي إليها يجرى القائل والسامع، يقول"فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع"(56)، كما أشار أيضاً إلى أن "الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي"(57)
وبذلك نقف على أن التبليغ والإفهام وتمكين المعنى في نفس المتلقي من الغايات الجوهرية للقول البليغ، ولعل تعريف أبى هلال العسكري للبلاغة بأنها: "كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع، فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن(58) يرمي إلى هذه الغاية ويؤسس لها، فقد انطلقت مقولات أبى هلال بعد ذلك من هذا البعد، فعلى الرغم من إشارته إلى الطبقية في حديثه عن مراعاة المقام فإنه يصرح بهذا البعد الافهامي المتعلق بالمعرفة وقد ذهب ابن وهب هذا المذهب في إقرار غاية الإفهام، وما ينبغي أن يراعى في سبيل تحقيقها، "فإنما مثل من كلم إنساناً بما لا يفهمه، وبما يحتاج إلى تفسير له كمثل من كلم عربياً بالفارسية؛لأن الكلام إنما وضع ليعرف به السامع مراد القائل، فإذا كلمه بما لا يعرفه فسواء عليه أكان ذلك بالعربية أو بغيرها"(59).
وقد ذكر ابن جني هذا الأساس المعياري فيما يتعلق بالإيجاز والإطناب مشيراً إلى بعد الإفهام المتعلق بالرسالة اللغوية نفسها، أو ما يتعلق بالمتلقي من حيث الإبلاغ أو الإفهام، "قيل لأبي عمرو بن العلاء: أكانت العرب تطيل؟فقال: نعم لتبلغ، قيل: أفكانت توجز؟قال: نعم، ليحفظ عنها"(60).
أما غاية اللياقة ومراعاة المعايير الطبقية الاجتماعية فقد كانت أساساً معيارياً لا ينكر في التأسيس للخطاب بين الملوك والرعية، ويأتي حديث أبى هلال العسكري عن الأمر والنهي منطلقاً من مفهوم الطبقية الاجتماعية والإدارية التي ربطت بين المقام واللياقة(61).
ولا يخفى ارتباط عنصر اللياقة هنا بالإيجاز والإطناب، ويذهب أبو هلال إلى ألوان أخرى من الظواهر البلاغية فيربطها بمبدأ اللياقة الطبقية أيضاً، إذ يجعل للتصريح موضع وللكناية موضع(62) ويأتي المقام بعداً معيارياً جوهريا فيما يتعلق بالإيجاز والإطناب ومراعاة الطبقة الاجتماعية والسياسية، وقد عرض أبو هلال عدة أنواع من المقامات منها مقام الشكر(63) ومنها مقام الاستعطاف وشكاية الحال والحق أن غاية مراعاة اللياقة الاجتماعية المنصرفة إلى البعد الطبقي لم تكن وحدها المأخوذة في حساب المنظرين وواضعي المعايير، كما أن الحدود بين الغاية الإبلاغية والإفهام التي يراعي فيها معايير الطبقية المعرفية، وغاية اللياقة ومراعاة المعايير الطبقية الاجتماعية ليست قاطعة، ولعلنا بهذا لا نكون قد تعسفنا في التماس نقاط اتفاق بين التفكير البلاغي العربي والرؤى الحديثة، فليس ثم شك في أن رؤية التفكير البلاغي العربي تتلاقى مع بعض مبادئ التعاون التي قالت بها الرؤية التداولية فالمناسبة والاقتصاد ومراعاة حال المخاطب ومقام التخاطب تتلاقى مع كثير من مبادئ جرايس وليتش، وإن كانت الرؤية العربية تحتاج إلى تنظيم تنظيري ينتفع بمقولات النظريات الغربية الحديثة.