عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-29-2016 - 12:00 AM ]


وقد كانت الأهداف الثلاثة التي حددتها البلاغة الأساس الذي انبني عليه تقسيم الأساليب إلى ثلاثة أنواع حسب القصد الذي يرمى المتكلم تحقيقه في تواصله مع المتلقي: الأول يقصد إلى الإثارة والأوسط يقصد إلى الإمتاع والثالث يقصد إلى الوضوح في نقل الأفكار، فالمرء ذو الفصاحة سيكون قادراً على أن يتكلم في المحكمة أو في مجالس المشاورة، لكي يمدنا بالدليل والمتعة والإقناع، فالحاجة الأولى هي أن تثبت، والثانية أن تمتع بشيء رائع ,والثالثة أن تؤثر ولهذه المهمات الثلاث للخطيب ثلاثة أساليب: الأسلوب الواضح للدليل (المتدني) والأسلوب المتوسط للمتعة والأسلوب العظيم للإقناع، وفي الأسلوب الأخير تكمن قوة الخطيب"(7) وقد أدى هذا البعد التداولي إلى اتساع مجال التطبيق، فهو يشمل"الخطابة في المحاكم، حيث يأخذ الادعاء أو الدفاع في إثبات الحق أو الباطل، كذلك الخطب السياسية التي فيها توزن الميزات والعيوب، والفوائد والخسائر في القرارات والنظم الحاكمة، كذلك الحشود في الأعياد التي يتم فيها توزيع المدح والذم"(8).
وإذا كانت إشارات(بليت)تركز على وجود البعد التداولي في البلاغة القديمة المتعلق بالغاية الإقناعية، فإن الدرس البلاغي الحديث يهتم أيضاً بالجانب الإقناعي الذي لم يكن موقوفاً على الاتجاه البرهاني المتمثل في نظرية الحجاج أو بلاغة الحجاج argumentation إذ يدخل أيضاً في اهتمام تيار البلاغة العامة"فنظرية الحجاج تنميه وتوسعه وتطوره لتدمجه في هموم البحث التداولي الحديث، والبلاغة العامة تسترجعه بعد أن ضاع منها في ظروف تاريخية غير مواتية لتطوير نظرية بلاغية"(9) ومن هنا كان الارتباط الوثيق بين التداولية وبلاغة الحجاج، لاهتمام بلاغة البرهان بالجانب الإقناعي الذي يأخذ المتلقي في حسابه، وبذلك تولى هذه البلاغة البعد التداولي جل اهتمامها، فمن أهم أهدافها"دراسة تقنيات الخطاب التي تسمح بإثارة تأييد الأشخاص للفروض التي تقدم لهم، أو تعزيز هذا التأييد"(10) ومن هنا أيضاً جاء ارتباط الدراسات الحديثة للبلاغة بدراسات الاتصال الجمعي، وذلك لارتباط غرض الاتصال في البلاغة بالإقناع(11) الذي يضع المتلقي في بؤرة الاهتمام البلاغي على المستوى التداولي.
وينطلق (بليت) من المقاصد في البلاغة القديمة ذاكراً أنها مؤهلة لتكوين أسس (نظرية تداولية النص)، فيؤلف بين الأجناس الخطابية والأدبية تداولياً: فيلحق بالجنس القضائي دراما النقد الاجتماعي والهجاء والتقريظ، وبالجنس الاستشاري النص الإشهاري والشعر التعليمي والخرافة والموعظة، وبالجنس الاحتفالي المدح والهجاء وأدب المناسبات، وبذلك يعد عمل (بليت)"خطة شاملة لاستيعاب البلاغة القديمة في إطار سيميائي حديث، فبالإضافة إدراج قوائم مصطلحية واسعة في الخطاطة التركيبة الحديثة حاول توسيع مفهوم المقام في إطار الحديث عن المقاصد وإعطائه قدراً كبيراً من المرونة والإجرائية"(12) فالبعد التداولي واضح هنا في قصد المتكلم إحداث أثر بعينه في المتلقي، وتبلغ أقصى درجات مقصدية المتكلم في إحداث الإقناع الذي يتعلق بتغيير الآراء وحمل المتلقي على الاقتناع فيما عرف بالخطابة القضائية(13).
وقد استخلص رولان بارت أن هذه الأهداف التواصلية في البلاغة القديمة تجعل من البلاغة مؤسسة اجتماعية، فقد كانت عند الإغريق"فن الكلام حسب بعض القواعد، وهي في نفس الوقت علامة سلطة اجتماعية وأداة لهذه السلطة"(14).
وقد ناقش بليت البعد التداولي للبلاغة بالتفاته إلى أن توجه البلاغة نحو الأثر التداولي يظهر في تمييزها بين ثلاثة أنماط أساسية من المقصدية : المقصدية الفكرية وتشتمل على الغرض التعليمي الذي يهتم بإخبار المتلقي بواقع ما دون استدعاء العواطف، والغرض الحجاجي الذي يتمثل في جعل موضوع الخطاب ممكناً بالرجوع إلى العقل، والمقصدية العاطفية المعتدلة، وتنتج انفعالاً خفيفاً مثل التعاطف، ثم مقصدية التهييج، وتكمن في البحث عن الانفعالات العنيفة (الحقد، الألم ، الخوف)، وتختلف عن الانفعال الخفيف أو التعاطف القار في في النفس في أنها تهييج وقتي يتمثل في انفجار عاطفة ما، وفي هذه المقصدية تبلغ السيكولوجية المقصدية ذروتها(15).
ووفق مقولات بليت وليتش فإن البلاغة ليست بمعزل عن البعد التداولي، بل إنها تحمل في طياتها بذور فكرة التداولية، تلك التي من شأنها أن تزدهر وتثرى بالمنظور البلاغي الحديث فيما يطلق عليه بليت: "البلاغة العلمية الحديثة"التي لا تقتصر على نسق المقاصد بطبيعتها المعيارية، بل تنصرف إلى التحليل الوصفي بالتلقي التأويلي للنصوص وتحليلها من زاوية البعد النفسي والنقد الأيديولوجي، فيما يمثل المرحلة الأولى من التحليل، ثم ربط الآثار النصية المستخرجة ببعض الخصوصيات البنائية للنص، وفي المرحلة الثالثة يكون الاهتمام بتاريخية النص المعالج وما تتضمنه من الوضعية الاجتماعية للكاتب، ويضاف إلى هذا الظروف التاريخية للتلقي، ثم يخلص بليت من هذا التمييز بين البلاغتين القديمة والحديثة إلى أن: "البلاغة المعيارية يمكن أن تصبح بلاغة وصفية، بل أيضاً بلاغة تاريخية وتأويلية، تعكس بصورة نقدية وضعية تلقي الشارح للنص، إنها مؤهلة. في هذه الحالة. لتكوين أسس نظرية تداولية للنص"(16).
ارتبطت فكرة التداولية بالتطور الذي طرأ على الدرس اللغوي وظهور المناهج والنظريات اللغوية الحديثة، وإذا كان لهذه المناهج والنظريات جذورها في الدرس البلاغي القديم فإنها قد انعطفت بأثرها الذي لا ينكر على الدرس الأدبي والبلاغي، وإذا كان هذا التطور قد رافق من الدراسات الأدبية سعياً "إلى مراجعة جميع الأدبيات البلاغية"(17) فإن الالتفات إلى البعد التداولي في البلاغة العربية لم يكن وليد النظريات والمناهج الغربية الحديثة، فليست هذه الفكرة "ثمرة من ثمار الدراسات اللغوية الحديثة"(18) فيما يذهب د. تمام حسان، وقد لفت د. محمد العمري إلى مواضع التلاقي بين مقولات التداولية وبعض المقولات في التراث البلاغي العربي، فقد علق على قول بليت": إن التداولية تقوم على مفهوم مقام الخطاب"بقوله: نحيل فيما يخص الحديث عن المقام في البلاغة العربية على البيان والتبيين للجاحظ، وبخاصة صحيفة بشر بن المعتمر، كما نحيل على مفهوم المعاني والبيان عند السكاكي في مفتاح العلوم"(19)، وإذا كان للنظريات الحديثة فضل يذكر في هذا المقام فهو فضل اللفت إلى فكرة خصبة من الأفكار التي ذاعت في التراث العربي-البلاغي والنحوي والأصولي والنقدي-بيد أنها لم تستثمر في الدرس البلاغي في الحقب التالية الاستثمار الذي يثبتها نظرية لها أصولها وقواعدها، بالإضافة إلى ما كان يمكن أن يكون لها من إسهام في تحليل النصوص وتأويلها.
وقد كان مدخل جون سيرل لمعالجة بعض الظواهر البلاغية هو نظرية أفعال الكلام، وذكر من هذه الظواهر: الاستعارة والأفعال الكلامية غير المباشر والمفارقة، وقد أفرد الاستعارة ببحث مستقل نعرض له في موضعه، أما الأفعال الكلامية غير المباشرة فهي التي يقصد المتكلم فيها إلى شيء فوق ما يعينه المعنى الحرفي للجملة ومن ثم فإن المنطوق يشتمل على المعنى الحرفى ومقصد المتكلم، وذلك بخلاف المفارقة التي يعني فيها المتكلم عكس ما يعينه المعنى الحرفي(20).
وقد ربط هنريش بليت التداولية بالظواهر البلاغية إذ ذهب إلى انتماء بعض الصور إلى التداولية: "الاستفهام باعتباره شبه سؤال، والحيرة باعتبارها شبه شك، والاعتراف وشبه الاعتراف، والامتياز وشبه الامتياز، والرخصة وشبه الرخصة"(21) ثم بين أن "وضع هذه الصور في نسق يفترض تصنيف جميع أفعال الكلام الممكنة، وعلى هذه القاعدة يمكن إقامة نحو ثان للتواصل يولد جميع الصور التداولية"(22).
ولكن المعالجة الأكثر التصاقاً بالرؤية التداولية للظواهر البلاغية عند(بليت)قد ظهرت في مناقشته لفكرة الانزياح (الانحراف) الأسلوبي، إذ حدد هذا الانزياح في المجاز والكناية، وقد انطلق في توضيح البعد التداولي لها بوصفها صوراً سيميو - دلالية، تتلاقى مع الفكرة السابقة عن إقامة نحو ثان للتواصل يولد جميع الصور التداولية، مع فارق يرجع، إلى: "افتراض نموذج للواقع باعتباره (خلفية) وتتميز الصور الدلالية بطابع مرجعيتها الزائفة، وتلك هي خصوصية انزياحها عن المعيار الأولى، إن هذا المعيار قد أخذ شكلاً نسقياً في إطار (نحو مرجعي ثان)، وهذه الفئات تتوجه نحو المجازات التقليدية (استعارة، كناية، مجاز مرسل. . الخ) التي يمكن، بذلك، أن تكون موضوع معالجة مزدوجة"(23).
فالانزياح من وجهة نظر تداولية يتعلق أساساً بموقعة في مختلف المقامات التواصلية، وقد وضع هنريش بليت جدولاً لهذه المقامات قسمها فيه إلى المستويات التالية:
- مقام التواصل اليومي، وهو مقام غير بلاغي، غير شعري، ورمز له: ت ي وظيفته الإخبار
- مقام بلاغي: ت ب وظيفته: الإقناع
- مقام شعري: ت ش وظيفته: مقصود لذاته
- مقام ناقص: ت ن وظيفة غير تامة
وهكذا يتميز المقامان البلاغي والشعري عن المقام الذي يمثل تواصلاً ناقصاً وعن الذي يرجع إلى المقام اليومي، وذلك راجع إلى اختلاف المقاصد الكامنة وراء مقامات التواصل، على أن مثل هذه الغاية غائبة في مقام التواصل الناقص، أو أن تحقيقها قد عيق بوجه من الوجوه، وهذا ناتج بدوره عن الطابع الخاص للتواصل الناقص الذي هو مبدئياً شكل من أشكال الإنجاز(الناقص)لجميع المقامات التواصلية الأخرى. . . أما مقام التواصل اليومي فهو مقام تواصلي حدد أساساً بطريقة سالبة مقارناً مع مقام التواصل البلاغي ومقام التواصل الشعري"(24).
بيد أن كثيراً من التداخلات تحدث بين هذه المقامات والوظائف المرتبطة بها، فلا نستطيع أن ننكر بشكل مطلق الأبعاد البلاغية، بوظيفتيها الإقناعية والجمالية. في مقام التواصل اليومي، فالمحادثات اليومية تنطوي على هذه الأبعاد الإقناعية والشعرية بنسب متفاوتة وبصورة جزئية، ولعل معالجات نظرية أفعال الكلام وما أسفرت عنه من مناقشات على يد أوستن وسيرل ثم جرايس قد أولت المحادثات اهتماماً كبيراً، وقد التفت هنريش بليت نفسه إلى التداخل بين الوظائف: "فإذا مال التواصل البلاغي نحو التواصل الشعري فإن الصورة البلاغية تتحول إلى صورة شعرية، وهذا يتضمن تغييراً في الوظائف، ففي حين يرتبط التواصل البلاغي(مثل التواصل اليومي)بوظيفة مقصدية ملموسة، لا بوظيفة لسانية، فإن الغرض من التواصل الشعري حسب ياكوبسون. ليس إلا غرضاً في ذاته (الغائية الذاتية)، أي أن الدليل اللساني الثاني يحيل إلى نفسه، ومن هذه الزاوية فإن التواصل الشعري لا يرتبط بعناصر خارج اللغة، بل يكون له نظامه التواصلي الخاص.
مع ذلك فإن هذه المعالجة لا تعني أن هنا رجوعاً إلى تصور عتيق وعازل للأدب، بل إنها أكثر تعقيداً في الواقع، فالوظيفة الشعرية لا تلغي الوظائف الأخرى، بل تكتفي بالهيمنة عليها، فالواقع أن النص الشعري يحتوي عناصر شعرية وعناصر إخبارية، وإذا وقعت إنزلاقات في تراتبية الوظائف النصية، تبعاً لتغيير في نمط التلقي، فقد ينتج عن ذلك شعرنة نص أو ضياع شاعريته، وينبغي ترتيب الصور اللسانية حسب الهيمنة الوظيفية، وبذلك ستنتمي حيناً إلى تصور أسلوبي شعري، وحيناً إلى تصور بلاغي، وحيناً إلى تصور يومي. "(25).
ويذهب ياكوبسون إلى إقرار هذا التداخل في الوظائف التواصلية مشيراً إلى أن الإخبار قد يشتمل على الوظيفة التعبيرية الانفعالية من سخرية أو غيظ، ومن ثم فلا يحق لنا أن نختزل مفهوم الإخبار إلى المظهر المعرفي للغة(26) يتضح ذلك بصورة أكبر في تحديده للشعرية بأنها: "ذلك الفرع من اللسانيات الذي يعالج الوظيفة الشعرية في علاقتها مع الوظائف الأخرى للغة، وتهتم الشعرية. بالمعنى الواسع للكلمة. بالوظيفة الشعرية لا في الشعر فحسب، حيث تهيمن هذه الوظيفة على الوظائف الأخرى للغة، وإنما تهتم بها أيضاً خارج الشعر حيث تعطي الأولوية لهذه الوظيفة أو تلك على حساب الوظيفة الشعرية"(27).
ومهما يكن من أمر إعلاء ياكوبسون من شأن الوظيفة الشعرية فإن الحقيقة التي يتفق فيها مع ليتش وغيره هي التداخل بين الوظائف في المستويات الثلاثة التي حددها ليتش وبليت المتعلقة بمقام التواصل اليومي والمقام البلاغي والمقام الشعري، ومن ثم يخلص ليتش إلى إقرار البعد البلاغي. بمعناه الواسع الذي يضم التعبير الأدبي ولا يقتصر على الغاية الاقناعية بحسب تصنيف بليت-في المحادثات اليومية، إذ يستعمل"مصطلح البلاغة أيضاً بوصفه اسماً إحصائياً للمبادئ المحادثاتية التي ترتبط بوظائفها، فالبلاغة تتكون من مجموعة من المبادئ المستقرة، وهذه المبادئ بدورها تتكون من عدى مبادئ maxims طبقاً لمصطلح جرايس"(28) وبذلك تدخل المحادثات ضمن الظواهر البلاغية بما تتضمنه من ملامح شعرية وإقناعية، وسنعرض فيما يلي للرؤية التداولية لبعض الظواهر البلاغية التي ترتبط بهذه الرؤية، وسنبدأ بالرؤية البلاغية التي تطرحها التداولية عن التواصل اليومي في المحادثات فيما أطلق عليه ليتش Interpersonal rhetoric بلاغة التواصل بين الأفراد، وما يتعلق بها من المبادئ المحادثاتية التي اقترحها جرايس وليتش.
1- بلاغة التفاعل بين الأفرادInterpersonal rhetoric :
استعمل جيفري ليتش Leech مصطلح البلاغة بوصفه اسماً جامعاً لمجموعة من المبادئ المحادثاتية التي ترتبط بوظائفها، ثم يصنف البلاغة في بلاغتين: بلاغة تتعلق بالتفاعل والترابط في العلاقات التواصلية بين الناس وأطلق عليها: بلاغة التفاعل بين الأفراد Interpersonal rhetoric، وبلاغة تتعلق بالمقومات الداخلية فى النص وأطلق عليها:" البلاغة النصية:****ual Rhetoric"
وجعل البلاغة المتعلقة بالتفاعل والترابط بين الناس أساساً لبلاغة المحادثة وما يتعلق بها من مبادئ: مبدأ التعاون، ومبدأ التأدب، ومبدأ اللياقة، وما يترتب على هذه المبادئ العامة من مبادئ جزئية أخرى(29) وكلا البلاغتين تتكون من مجموعة من المبادئ التي تتكون بدورها من مجموعة من المبادئmaxims طبقاً لمصطلحات جرايس grice"(30)، فقد استعمل جرايس 1975م مصطلح الإضمار implicature للحديث عما يمكن"أن يضمنه أو يوحى به أو يعنيه متكلم ما فوق ما يصرح به ظاهر كلامه"(31) ويشير ليفنسون Levinson إلى أنه بخلاف الكثير من موضوعات التداولية"فإن الإضمار (المعنى المضمن) Implicature ليس لديه تاريخ ممتد، فإن مفتاح هذه الأفكار قد اقترح من وليم جيمس willim james في محاضرات ألقيت في هارفارد 1967م، ثم نشرها جرايس grice جزئياً ما بين 1975، 1978، وقد تضمنت عروضاً وأفكاراً كانت مختصرة نسبياً، وكانت فقط تنبه عن كيفية تقدم العمل المستقبلي(32).
ولعل المفهوم الأكثر أهمية للتأويل التداولي وفي تحليل الخطاب عند جرايس grice هو مفهوم الإضمار في المحادثات المستمد من المبدأ العام حول طبيعة المحادثة، بالإضافة إلى القواعد التي اقترح جرايس grice أن يلتزم بها المتحدثون، ويسمى هذا المبدأ بالمبدأ التعاوني "cooperative principle"الذي يعرفه جرايس (1975م ص54) بأنه:
"اجعل مساهمتك كما هي مطلوبة، في الوقت الذي تتحدث فيه، وفي الغرض المتفق عليه، أو اتجاه التبادل المحادثاتي الذي تشترك فيه"(33) وتتمثل القواعد المتواضع عليها والتي يستند إليها هذا المبدأ فيما يلي:
- مبدأ الكم Maxims of quantity:أن تجعل مساهمتك إخبارية بالقدر المطلوب. (حسب ما تمليه الحاجة فى تلك المحادثة القائمة )ولاتقدم معلومات أكثر مما يلزم.
- مبدأ الكيف Maxims of quality: أن تجعل مساهمتك صائبة، وتحديداً لا تقل ما تعتقد أنه هراء.
- مبدأ العلاقة maxim of relation: أن تتحدث عما هو مناسب للموضوع.
- مبدأ الأسلوب maxims of manner:
تجنب الغموض والإبهام واللبس، وحاول الإيجاز، وكن مرتباً منظماً(34).
وإن كان جرايس grice نفسه يقترح أن هذه القائمة ليست شاملة، فهو يلاحظ أنه يجب عادة مراعاة قاعدة الأدب، مثلاً: كن متأدباً، ولا يرى أيضاً أن هذه الضوابط تحظى بنفس الدرجة من الأهمية، (فعلى سبيل المثال نجد أن ضابط الكيفية لا ينطبق بوضوح على المحادثة التي يغلب عليها الطابع التبادلي)، ولعلنا نلاحظ أن ضابط التناسب يشمل في الظاهر كل التوصيات الأخرى.
ولكن جرايس grice بوصفه للضوابط التي تتحكم في استعمالات المتكلمين للغة أثناء المحادثة قد أتاح الإمكان لوصف أنواع الدلالات التي يمكن لمتكلم أن يوحى بها في حالة عدم التزامه بأحد هذه الضوابط، فذلك يؤدي إلى إيحاء المتكلم بالإضافة إلى المعنى المباشر لمقولته بمعنى مضمن هو معنى الإضمار في المحادثة"(35).


رد مع اقتباس