عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
علاء التميمي
عضو نشيط

علاء التميمي غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي قراءات تداولية: البلاغة والتواصل

كُتب : [ 02-28-2016 - 11:55 PM ]


د. عيد بلبع[(*)]
إذا كانت التداولية قد نشأت ضمن مباحث الدرس اللساني الحديث وما يتعلق به من قضايا في فلسفة اللغة، فإن الظاهرة البلاغية إنما هي ظاهرة لغوية، ومن ثم تدخل الظاهرة البلاغية ضمن الرؤية التداولية للظاهرة اللغوية، وإذا كانت الظاهرة البلاغية تختلف عن غيرها من الظواهر اللغوية بتضمنها لإيحاءات ودلالات إضافية، فبقدر هذا الاختلاف يكون تناسب الرؤية التداولية لمقاربتها، أي أن الرؤية التداولية بتجاوزها للمعنى الحرفى الملفوظ وبحثها في المعاني المضمنة تكون هي الأنسب لمقارنة الظاهرة البلاغية في تجاوزها المعنى الحرفي إلى معنى المعنى، ولذلك رأينا الدراسات التداولية تتبنى الظاهرة البلاغية ضمن معالجتها بوصفها استعمالاً خاصاً للغة، والظاهرة البلاغية في بعدها التداولي تتلاقى مع نظريتين تأخذان الموقف في حسابهما هما: النظرية السياقية ونظرية أفعال الكلام، وهاتان النظريتان كان لهما أثرهما الذي لا ينكر في التأسيس للتداولية.
وقد اتخذت العلاقة بين التداولية والبلاغة بعدين أساسيين تتفرع عنهما عدة أبعاد، فمن جهة تعد البلاغة بمفهومها التقليدي-في البلاغة الغربية، اليونانية والرومانية-هي التأسيس الأول للتداولية بوصفها حالة من حالات استعمال اللغة تهدف إلى التأثير في المتلقي، ومن ثم فهي تعكس بعداً تداولياً للكلام، بقول ليتشLeech : "إن المدخل الذي له حضوره للتداولية هو المدخل
البلاغي، ولا يخفي أن مصطلح البلاغي مصطلح تقليدي للغاية، وهو يشير إلى دراسة الاستعمال المؤثر للغة في عملية الاتصال، وقد فهمت البلاغة في وجهة النظر التاريخية التقليدية على أنها: فن استعمال اللغة بمهارة بغرض الإقناع، أو إنتاج التعبيرات الأدبية، أو بغرض الكلام التواصلي بين الناس، وإن الاستعمال المؤثر للغة في معناه العام ينطبق على المحادثات اليومية والاستعمالات الدائرة بين الناس للغة، إن وجهة مصطلح البلاغة في هذا السياق تنصرف إلى التبئير على اتجاهات أهداف مقام الكلام، التي يستعمل فيها الشخص (س) اللغة لكي ينتج تأثيراً دقيقاً في عقل الشخص (ص)"(1).
وربما كانت العلاقة بين البلاغة والتداولية حلقة من حلقات العلاقة الممتدة بين البلاغة وعلم اللغة بشكل عام، فالعلاقة بين البلاغة وعلم اللغة قد اتسمت بالتفاعل المستمر، إذ تعد البلاغة السابق التاريخي لعلم النص إذا أخذنا في حسابنا"توجهها العام وتجديد وظائفها المتعددة، لكننا نؤثر مصطلح علم النص؛ لأن كلمة بلاغة ترتبط حالياً بأشكال أسلوبية خاصة كما كانت ترتبط بوظائف الاتصال العام ووسائل الإقناع"(2).
ويكاد يتفق علماء اللغة على أن بزوغ النظريات النصية كان من بحوث في البلاغة القديمة؛ لأن البحث في ممارسة الخطاب في البلاغة القديمة يضم عدداً من النظريات والقواعد الخاصة بتنظيم نصوص محددة، والمنظومة البلاغية التي حاول هنريش بليت وبناء نظريتها هي ما يطلق عليه علم النص بالمفهوم الحديث، بل إن علم النص. وفق رأى فان ديك. يلتقي مع البلاغة إلى حد يمكن القول معه بأنه أصبح ممثلاً معاصراً لها(3).
ومن جهة أخرى تعد التداولية بمفهومها الحديث وما أفرزته الدراسات والأبحاث من رؤى منظوراً جديداً للظواهر البلاغية يؤسس لتحليل هذه الظواهر وفق منظور تداولي، وبذلك تعود البلاغة في العصر الحديث لتعتمد على المناهج والنظريات اللغوية الحديثة، ومن هنا تأتي صعوبة الفصل بينهما عند محاولة تتبع تطور البحث النصي"فقد أدى التداخل الشديد بين البحوث اللغوية والبلاغية والأسلوبية إلى صعوبة تمييز ما هو نصي مما هو غير نصي، إذ إنها كلها تعني بالمضمون، وإن كانت تتواصل إليه بطرق مختلفة، حتى أدوات هذه المناهج تتداخل بشكل يدعو إلي الدهشة، وصار الربط بين مستويات اللغة من صوتية وصرفية ونحوية ودلالية سمة مشتركة، وإن أضيف إليها المستوى التداولي الذي هو جزء أصيل منها"(4)، ومن ثم تكون محاولة الفصل بين هذه العلوم والمعارف غير مجدية نظراً لتداخلها الشديد في الأهداف والأدوات.
وقد شكلت العلاقة بين البلاغة والتداولية عوامل ربط بين البلاغة وعلم اللغة، فموضوع البلاغة والتداولية هو استعمال اللغة بوصفها وسيلة تواصل بهدف ممارسة فعل على المتلقي، فالنص اللغوي هو نص تداولي، أي نص في موقف، ومن ثم يتفق المنظور البلاغي والتداولي في مراعاة الملابسات الخارجية والعناصر السياقية المختلفة في عملية التحليل؛لأن المتكلم في الأصل قد راعى هذه الظروف والملابسات المقامية التي تحقق لرسالته اللغوية أقصى درجات التواصل. تأثيراً أوإقناعاً. مع المتلقي، فالبلاغة نظام من التعليمات تستخدم في إنتاج النص. في بعدها المعياري. ومن ثم يصبح من المجدي أن ينتفع المحلل بمعرفة الأشكال البلاغية التي يستخدمها المرسل(5).
ولقد عرض رامان سلدن لآراء البلاغيين الأوروبيين في أنواع الأساليب في كتابة نظرية النقد من أفلاطون حتى الآن (The theory of Criticism,from plato to the present).
فذكر أنواع الأساليب الثلاثة: المتدني والمتوسط والرفيع، في عرضه لآراء (سيسرو Cicero) في أنواع الخطابة، مشيراً إلى أن لهذه المهمات الثلاث للخطيب ثلاثة أساليب: الأسلوب الواضح للدليل، والأسلوب المتوسط للمتعة، والأسلوب الرفيع للإقناع. وفي الأسلوب الأخير تكمن القوة الكاملة للخطيب، ثم يبين أصحاب الأسلوبي التعليمي بأنهم"واضحون وموجزون في الأسلوب، يشرحون كل شيء ويؤثرون الوضوح على الغموض، ويستخدمون أسلوباً مهذباً ومركزاً، وخالياً من الزينة والزخرفة"(6).
.....يتبع


رد مع اقتباس