بورك فيك أخي الحبيب الدكتور ضياء ونفع بك:
قلت: إن ورود الحرف (على) تاليًا للفعل (ينبغي) ليس خارجًا مخرج التعدي، وإنما خرج مخرج الاعتراض (جملة اعتراضية)....
نعم أخي المبارك قد يُفهم بعضُ ما نقلتُ لك على هذا الفهم...لكن هذا ما لا أسلمه مطلقًا ولن تسلمه لو تعمقنا في معنى الفعل (ينبغي) فإنه يستعمل في عبارات الفقهاء والمتقدمين بصفة مطردة متضمنًا معنى (ينبني) والفعل (ينبني ) لا خلاف في تعديه بـ(على)..لكن غرضي مما نقلتهُ على عجل أن أنوه إلى أن استعمال (ينبغي على) ليس مجانبًا للفصاحة وإن لم يستخدمه الأسلوب القرآني فلم يقل أحد إن استعمالا ما غير فصيح لأنه لم يرد في القرآن وأنتم على علم بذلك أخي الحبيب...غاية الأمر أن نحكم على الاستعمال الذي جاءت فيه (ينبغي) متعدية بـ(على) بأنه فصيح، وعلى الاستعمال القرآني بأنه الأفصح...لا أن نحكم بالخطأ واللحن والشذوذ.
ف(ينبغي) يتعدى ب(على) في مواضع، وب(اللام) في مواضع، ويلزم في مواضع كالتي يقع بعدها (أن والفعل) في تأويل مصدر...ولا يترتب على استعمالها متعدية بعلى ركاكة أو ما شابهه. ولذلك استعمله متأخرو المصنفين بغير نكير،.. على أنني لم أعدم نقولات أخرى وردت فيها ينبغي متعدية بعلى وإليك بعضها.
قال الصبان: (( وبه يعلم أن دعوى البعض أن الأمر الثاني مبني على تسليم أنه جمع سروالة غير مسموعة وأن تبجحه هنا بما لا ينبغي على من لولاه ما راح ولا جاء لم يتم)).
وقال القرطبي: ((قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَالنَّصُّ فوق العنق وَهَكَذَا يَنْبَغِي عَلَى أَئِمَّةِ الْحَاجِّ فَمَنْ دُونَهُمْ )).
وقال القشيري: ((وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغى على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمّر)).
وقال ابن القيم: ((هَذَا لَوْ قَامَ بِمَا يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ لِسَيِّدِهِ مِنْ حُقُوقِهِ)).
وقال ابن حجر الهيتمي: ((قَوْلُهُ حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ) يَنْبَغِي عَلَى مَالِ الزَّوْجِ لِمَا يَغْلِبُ فِيهِنَّ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا عِلْمِ رِضَاهُ)).
وقال بدر الدين العيني: ((وهكذا ينبغي على العاقل أن يتعظ بغيره، كما قيل: السعيد من وعظ بغيره)).
وقال ابن رشد: ((ووجه القول الثاني: أن التحلل إحسان للمحلل عظيم، وفضل يسديه إليه جسيم، ينبغي عليه المكافأة من الله عزَّ وجلّ)).
وقال القاضي أبو يعلى ابن الفراء: ((فقال في رواية صالح: "ينبغي على الرجل إذا حملَ نفسَه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن")).
وقال الكمال ابن الهمام: ((فَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ الْمِلْكِ هُوَ الْغَصْبُ عِنْدَنَا لَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى الْمُصَنِّفِ بَيَانُ عَدَمِ مُنَاسَبَةِ تَعْلِيلِهِ لِمَا قُلْنَا لِيَتَزَيَّفَ بِهِ دَلِيلُهُ)).
وقد آثرت أن أورد لك مصنفين من قرون مختلفة حتى تعلم أن هذا الاستعمال كان شائعًا بغير نكير هذا إضافة إلى وروده على لسان كثير من مشايخنا في القرن الحالي والقرن الماضي ممن عرفوا بالتضلع في علوم العربية وبلاغتها وفصيحها.. ولو أردت أن أسرد لك مئات النقول من هذا لفعلت..لكنه مما يضيق به المقام .
أضف إلى ذلك أن اللغويين عندما تكلموا في الفعل(ينبغي) قالوا: ((ينبغي له، يعني: يصلح له، ويحسن به، ويستحب له))....فقد ضمنوه معاني أفعال مختلفة بعضها يتعدى باللام وبعضها يتعدى بالباء..فلا أرى ثمَّ مانعًا من عدِّ التعدي ب(على) فصيحًا سائغًا إذا ضمناه معنى (يجب) (أو (ينبني) فكلاهما يتعديان بـ(على)..وباب التضمين وإن كان غير مقيس إلا أنه يحل لنا كثيرًا من إشكالات العامي الذي يُبحث له عن تخريج فصيح، فإن الدفع أسهل من الرفع كما يقول الأصوليون.
فالخلاصة: إن القول بتخطئة هذا الاستعمال ضرب من المجازفة لاسيما إذا أمكن تخريجه على وجوه كثيرة يصح عليها.
وعمومًا جزاك الله خيرًا أخي أن فتحت لنا باب الاستفادة والإثراء بهذا الموضوع المفيد...نفع الله بك وسدد خطاك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.