عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د عبد الرحمن بو درع
نائب رئيس المجمع

أ.د عبد الرحمن بو درع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 140
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 806
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي من شروط قول الشعر تميُّزُ الشّاعِرِ ببعضِ العباراتِ الشّعريّة. حلقة6

كُتب : [ 03-02-2013 - 01:18 AM ]


6- مِنْ مَزايا الشّعر الجيّد تَميُّزُ الشّاعِرِ ببعضِ العباراتِ الشّعريّة أو النّماذجِ الخاصّةِ التي تقترِنُ باسمه، فإن اسْتعمَلَها أحدٌ بَعدَه فَعلى سَبيل النّقلِ والتأثّر أو الاستفادَة، وتتميّزُ هذه النّماذجُ المتفرِّدَةُ بدقّةِ النّظرِ وغُموضِ المسلَك، في توخّي الصّورِ والمعاني، وهذا هو الذي عبّر عنه شيخُ البلاغة عبدُ القاهر بقولِه: «واعلمْ أنّ الاحتذاءَ عندَ الشعراءِ وأهلِ العلمِ بالشعرِ وتقديرِه وتمييزِه أن يبتدىءَ الشاعرُ في معنى له وغَرضٍ أسلوباً، والأسلوبُ الضَّربُ من النّظمِ والطّريقةُ فيه، فيعمدُ شاعرٌ آخر إلى ذلكَ الأسلوبِ، فيجيءُ به في شعره»، وما من شاعرٍ مـُجيدٍ إلاّ وله نموذجٌ يُعْرَفُ بِه ويُحتَذى، وهو ما يُعْرَف في لغة العلم بالأسلوب أو النّمط أو الأنموذَج الخاصّParadigme أو النّسّق أو الطّريقَة أو الضّرْبِ أو المَذْهَبِ أو النّحْوِ أو المَنْحى... ونستطيعُ أن نُحْصيَ مئاتِ النَّماذِج لأجاوِدِ الشّعراءِ لأنّها معانٍ مبتَكَرةٌ وأوضاعٌ غيرُ مَسْبوقَة، ولو تأمّلْنا لَوَجَدْنا القرآنَ الكريمَ سبّاقاً إلى الأوضاعِ الجديدةِ والنّماذِجِ الأسلوبيّة المُتَفَرِّدَة التي يجمَعُها قولُك "النَّظْم القُرْآنيّ"، ولوَجَدْنا الحديثَ النّبويّ الشّريفَ مُحْتَذِياً كتابَ الله، من خِلالِ ما يُعْرَفُ في البَلاغَةِ النّبويّةِ بِجَوامِعِ الكَلِم، كَقولِه صلّى الله عليه وسلَّمَ: "الآنَ حَمِيَ الوَطيس" ... ولَوَجَدْنا لكلّ عصرٍ مِئات النّماذِج المُنْتَقاةِ. ويضرِبُ كاتبُ السّطورِ على ذلِك مثالاً من القرآنِ الكَريم، مِن قولِه تَعالى: « وَلَمّا سُقِطَ في أيْديهِمْ...» الآيَة [الأعراف:149]، (الفعلُ: سُقطَ فِي يَدِهِ، يُضرَب لمن نَدِم)، قال أبو القاسِمِ الزّجّاجيُّ: « سُقِطَ في أيديهمْ نَظمٌ لم يُسمعْ قبلَ القرآن، ولا عَرَفتْه العربُ، ولم يوجَدْ ذلكَ في أشعارهِم، والذي يدلُّ على ذلكَ أنّ شعراءَ الإسلامِ لَمّا سَمعوا هذا النظمَ واستعمَلوه في كلامهِم خَفيَ عليهم وجهُ الاستعمالِ لأنّ عادَتَهم لم تَجْرِ بـه.»

ويَزيدُ صاحبُنا مثالاً آخَرَ من القرآنِ الكَريم لم يحضرْه إلاّ وهو يَستمعُ إلى القرآنِ الكريم يُتْلى فجَذَبَ انتباهَه قولُه تعالى: «ولا يَحيقُ المَكْرُ السّيّءُ إلاّ بأهلِه» [فاطر43]، والمعنى: لا يَنزِلُ المكرُ ولا يُجاوِزُ ولا يُحيطُ إلا بأهلِه. ومثْلُ هذه الآيَةِ آياتٌ كثيرةٌ تَجري مجرى الأمْثال، وهذا هُوَ النّوعُ البَديعيّ المُسمّى بإرسالِ الْمَثَل، مِن ذلِك قولُه تَعالى: «ليسَ لها مِن دونِ الله كاشفةٌ»، «لن تنالوا البر حتّى تُنفِقوا مما تُحبّون»، «الآنَ حَصْحَصَ الحقُّ»، «وضربَ لنا مَثلاً ونَسِيَ خَلْقَه»، «ذلكَ بما قَدّمَتْ يَداكَ»، «قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تَستفتيانِ»، «ألَيسَ الصّبحُ بقَريبٍ»، «وحِيلَ بَينهُم وبينَ ما يَشتهونَ»، «لكلِّ نبأ مُستقرٌّ»، «ولا يحيقُ المكرُ السّيءُ إلا بأهلِه»، «قُل كلٌّ يعملُ على شاكلتِه»، «وعَسى أن تَكْرهوا شَيئاً وهو خيرٌ لكُمْ»، «كلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت رَهينةٌ»، «ما على الرسول إلا البلاغُ»، «ما عَلى المحسنين مِن سَبيلٍ»، «هلْ جزاءُ الإحسانِ إلاّ الإحسانُ»، «كَم مِن فئةٍ قليلةٍ غَلَبتْ فئةً كثيرةً بإذنِ الله»، «الآنَ وقدْ عَصَيْتَ قَبلُ»، «تحسبُهُم جميعاً وقلوبُهم شَتّى»، «ولا يُنبئكَ مثلُ خَبير»، «كلُّ حزبٍ بما لَديهمْ فَرحونَ»، «ولو عَلم الله فيهِمْ خَيراً لأسمعَهُمْ»، «وقليلٌ من عِبادِيَ الشَّكورُ»، «لا يُكلِّفُ الله نفساً إلاّ وُسْعَها»، «لا يَستَوي الخبيثُ والطّيّبُ»، «ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحر»، «ضَعُفَ الطالبُ والمطلوبُ»، «لمثلِ هذا فليعْمَلِ العاملونَ »، «وقليلٌ ما هُم» «فاعتَبِروا يا أولي الأبصار».

فما أجملَ هذه الآياتِ وما أبدَعَها وما أخصّها بالقرآنِ الكريمِ ذي النّظمِ البديعِ والأسلوبِ الفريدِ المتميّز.
وهكذا فإذا قلنا إنّ الشّعرَ متفرِّدٌ بنظمِه وأساليبِه وعباراتِه ونَماذِجِه الفذّة؛ فإنّ القرآنَ الكَريم من بابِ أوْلى وأحْرى أنْ نَتحَدّثَ فيه عن الْتباسِ المَعاني فيما بَيْنَها في العبارَةِ الواحدةِ، وتماسُكِها واتّساقِها وكأنّها صُبّتْ في ذلِك القالَبِ اللّغويّ إصبابَةً واحدةً وسُبِكتْ سَبْكاً واحداً، ولم يعُدْ للفظِ الواحدِ وجودٌ إلاّ بِسابِقِه وتاليه، ولوأبدلْتَ لفظاً مكانَ لفظٍ لارتَبكَ التّعبيرُ واضطَرَبَ ولَخَرَج من بابِ البلاغَة إلى باِبِ الكلامِ المألوف، فَلمّا أخْرِجَت عباراتُ القرآنِ العظيمِ ذلكَ الإخْراجَ الكَريمَ تميّزَ بِناؤه اللّغويُّ والبلاغيُّ وتفرّدَت عباراتُه البَديعةُ، وأصبحتْ أمثالاً تُضْرَبُ و نَماذِجَ تُحْتَذى، مِمّا لَم يُسْمَعْ مثْلُها في بِلادِ القولِ.
ففي القرآنِ الكَريمِ وحَديثِ النبيّ صلّى الله عليه وسَلَّمَ، من العِباراتِ النَّوابِغِ، والكَلِمِ الجَوامعِ، والنِّعَمِ السَّوابِغِ، ما أنْعَمَ بِه الله على هذه الأمّة، فاقتفَتْ آثارَ العباراتِ البليغَةِ، ونَسجَتْ على مِنْوالِها ما بِه يَسْمو كَلامُها، وهذا مَبحثٌ طويلٌ وبابٌ واسعٌ لِمَنْ أرادَ أن يَلِجَه.



التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع ; 03-27-2013 الساعة 11:19 AM
رد مع اقتباس