2- عناصر الغموض عند السجلماسي:
لقد ابتعد السجلماسي تماماً عن استخدام كلمة الغموض بصفة مباشرة بوصفها الجوهر الأساسي لبنية النص الابداعي، واكتفى باستخدام مرادفات الغموض المتمثلة في ضروب البلاغة من بيان ومعاني وبديع، فضلاً عن تركيزه على العدول الأسلوبي بوصفه سمة أساسية للانتهاك اللغوي في النص الابداعي. ومن هنا، فقد وضح بشكل مباشر أن الغموض المتمثل في ضروب البلاغة، فضلاً عن الصياغة والبناء والعدول أفضل وأجمل من التصريح، ويعني بذلك الوضوح، لأن الوضوح الذي يصل بالكلام إلى السطحية لا يشكل سمة من سمات العمل الابداعي. يقول السجلماسي: "والمماثلة هي النوع الثالث من جنس التخييل، وحقيقتها التخييل والتمثيل للشيء بشيء له إليه نسبة وفيه منه إشارة وشبهة، والعبارة عنه به، وذلك أن يقصد الدلالة على معنى فيضع ألفاظاً تدل على معنى آخر، ذلك المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الدلالة عليه، فمن قبل ذلك كان له في النفس حلاوة ومزيد إلذاذ، لأنه داخل بوجه ما في نوع الكناية من جنس الإشارة، والكناية أحلى موقعاً من التصريح. ويشبه أن يكون السبب في ذلك هو أن التصريح إنما هو الدلالة على الشيء باسمه الموضوع له بالتواطئ كما قد تقرر في دلالة اللفظ، والدلالة على الشيء بالكناية وطريق المثل إنما هو بطريق الشبه، والشبه –كما قد قيل مراراً- هو أن يكون في الشيء نسبة من شيء أو نسب، وبالجملة هو أن يكون الشيئان في الواحد –بالمشابهة أو المناسبة- الموضوع للصناعة الشعرية فيوضع أحدهما مكان الآخر ويدل عليه، ويكنى به عنه، وفيه –أعني في الواحد بالمشابهة أو بالمناسبة- المكنى به، ما فيه من غرابة النسبة والاشتراك وحسن التلطف لسياقة التشبيه على غير جهة التشبيه، وفي التخييل بذلك كذلك ما فيه من بسط النفس وإطرابها للإلذاذ والاستفزاز الذي في التخييل"(33).
وانطلاقاً من هذا الاقتباس للسجلماسي يلاحظ الدارس أن الكناية تمثل ضروباً مختلفة ومتعددة من البلاغة مثل الإشارة والرمز والتلويح وغيرها، حيث تجسد هذه الضروب البلاغية الصناعة الشعرية، وهذه الإشارة للسجلماسي تعد من أهم الإشارات التي تجسد أهمية الغموض بمرادفاته المختلفة بوصفه أساساً للصناعة الشعرية، وبهذا يكون الغموض قد ارتبط عند السجلماسي بالأسلوب الذي يجسد الصناعة الشعرية. إضافة إلى ذلك، فقد ربط هذه العناصر الأسلوبية بالمتلقي من حيث اللذة والاستفزاز الناتجان عن النص الابداعي بأسلوبه وصياغته وتركيبه.
فمجال الصناعة الشعرية وأساسها عند السجلماسي يتمثل في المجاز والاستعارة والتشبيه والمماثلة أو التمثيل. فالغموض بمرادفاته المختلفة من ضروب الأسلوب يجسد الصناعة الشعرية. يقول: "التخييل: هذا الجنس من علم البيان يشتمل على أربعة أنواع تشترك فيه ويحمل عليها من طريق ما يحمل المتواطئ على ما تحته، وهي: نوع التشبيه، ونوع الاستعارة، ونوع المماثلة –وقوم يدعونه التمثيل- ونوع المجاز، وهذا الجنس هو موضوع الصناعة الشعرية"(34).
وقد ركز السجلماسي على موضوع الإشارة بوصفه صورة حقيقية للغموض، الذي هو نقيض الوضوح، فيقول: "والإشارة عند الجمهور مثال أول لقولهم: أشار يشير كأنه الإيماء إلى الشيء والإلماع نحوه. وهو منقول بلوازمه وعوارضه المتقــدمة، أو المتأخــرة، أو المساوقة ، من غــير أن يصرح لذلك المعنى بلفظ أو قول يخص ذاته وحقيقته في موضوع اللسان"(35).
كما حدد السجلماسي ضروب الإشارة التي تشكل جزءاً من موضوع الكناية بالتعريض والتلويح والإبهام والتنويه والتفخيم والرمز والإيماء والتعمية واللحن والتورية(36).
وقد ربط صاحب المنزع البديع هذه الأنماط الأسلوبية المتجسدة في الإشارة وضروبها بالتجاوز، وهو الخروج على المألوف، وذلك من خلال تجسيد هذه الأنماط الأسلوبية في النص الابداعي، حيث يتجاوز النص من خلالها الوصف اللغوي، والحقيقة اللغوية إلى المستوى الفني الذي هو أساس الصناعة الشعرية وجوهرها. وقد عد بذلك السجلماسي "التتبيع" نمطاً من أنماط الإشارة، حيث ينطلق مفهوم التتبيع إلى ما يمكن تسميته بالمعنى الثاني أو المستوى الفني للعمل الابدعي. يقول: "والتتبيع هو المدعو الإرداف، والمدعو عند قوم التجاوز. وقول جوهره وحقيقته هو اقتضاب في الدلالة على الشيء بلازم من لوازمه في الوجود، وتابع من توابعه في الصنعة. وقال قوم: هو أن يريد الدلالة على ذات المعنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى لكن بلفظ هو تابع وردف. وقال قوم: هو أن يريد ذكر الشيء فيتجاوزه ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة. ومن صوره قوله:
نؤؤم الضحى لم تنطبق عن تفضل ويضحي فتيت المسك فوق فراشها
فإنما أراد أن يصفها بالترف والنعمة وقلة الامتهان في الخدمة، وأنها شريفة مكيفة المؤونة، فجاء بما يتبع ذلك وعبر عن الشيء بلازمه"(37).
وقد حدد السجلماسي مفهوم التجاوز من خلال استخدامه لكلمة العدول وهي تقابل مصطلح الانحراف الأسلوبي في النقد المعاصر، والذي يقابله بالإنجليـزية كلمـة ( Deviation). يقول: "العدول: والموطئ من أولية مثالية الاسم والحمل والمطاوعة بين. أعدله فعدل كالذي تقدم في صدر هذا الجنس. فالعدول مثال أول مصدر عدل عدولاً، وجهة تلاقي النقل فيه أيضاً النسبة، فلنقل في الفاعل وهو: افتنان إرادة وصف المتكلم شيئين إلى القصد الأول أو الثاني. والعدول اسم محمول يشابه به شيء شيئاً في جوهره المشترك لهما، فلذلك هو جنس متوسط تحته نوعان: أحدهما: التتمة، والثاني: التوجيه. وذلك لأنه إما أن يكون الأول تأكيداً أو تلاقياً أو غير ذلك من أغراض القول"(38).
فالعدول أو التجاوز أو الاتساع هي تسميات تؤكد اهتمام السجلماسي وإدراكه للمستوى الفني المتمثل بأنماط الغموض ومرادفاته التي تشكل جوهر الصناعة الشعرية. فالعدول أو الاتساع هو الغموض الفني أصلاً، لأنه يتجاوز من خلاله المبدع المعاني الأول إلى المعاني الثواني وهي التي تشكل بنية النص، وتمنحه خصوصيته الفنية. فالاتساع هو الذي يضع القارئ في دائرة التأويل وتعدد الاحتمالات، وبهذه الاحتمالات يتشكل النص الابداعي، حيث إن جوهر الصناعة الشعرية ينطلق من تعدد الاحتمالات، والتأويل، وبهذا يتكون الغموض الفني الذي يعطي النص الحيوية، ويخلق فيه اللذة التي تدهش القارئ وتسره. يقول السجلماسي: "والاتساع هو اسم مثال أول منقول إلى هذه الصناعة، ومقول بجهة تخصيص عموم الاسم على إمكان الاحتمالات الكثيرة في اللفظ بحيث يذهب وهم كل سامع سامع إلى احتمال احتمال من تلك الاحتمالات، ومعنى من تلك المعاني. وقول جوهره في صنعة البديع والبيان هو صلاحية اللفظ الواحد بالعدد للاحتمالات المتعددة من غير ترجيح. وقيل: هو أن يقول المتكلم قولاً يتسع فيه التأويل"(39).
كما عد السجلماسي الغلو والمبالغة أسلوباً بلاغياً يعطي النص الابداعي خصوصيته وجماله وحيويته، فضلاً عن أن السجلماسي قد ربط الغلو بالخروج عن الحقيقة اللغوية والوصف المباشر إلى المبالغة، وهذا ما يخلق نوعاً من الكذب الفني كما أسماه السجلماسي، ويعني هذا الغموض الفني الناشئ عن أساليب البلاغة. ولعل هذا الربط بين المبالغة أو الغلو والكذب يعد من أهم النتائج التي توصل إليها السجلماسي في إدراك أهمية الغموض بوصفه أساس الصناعة الشعرية وجوهرها. فالكذب هنا هو المستوى الفني في النص الناشئ عن أساليب البلاغة. يقول: "والغلو: وهو المدعو الافراط عند قوم في صناعة الاشتقاق، هو من قولهم: غلا في الأمر يغلو غلواً، وهو يرادف الإفراط، ثم نقل من ذلك الحد إلى علم البيان على ذلك الاستعمال والوضع، فيوضع فيه على الافراط في الاخبار عن الشيء والوصف له، ومجاوزة الحقيقة إلى المحال المحض، والكذب المخترع لغرض المبالغة، وبالجملة هو أن يكون المحمول ليس في طبيعته أن يصدق على الموضوع وليس في طبيعة الموضوع ولا في وقت ولا على جهة أن يصدق عليه المحمول، لكن إذا حمل عليه وأنزل خبراً عنه، ووضع وصفاً له لقصد المبالغة. واختيار هذا النوع من طرق البلاغة وأساليب البديع هو أمر بالإضافة والحكم غير المطلق من قبل أن لأهل هذه الصناعة فيه رأيين: فقوم –وهم الأكثرون- يرون أن الشريطة فيه وملاك أمره هو أن يتجاوز فيه حال نوعي الوجود العقلي والحسي إلى المحال والكذب والاختراع. وقوم يرون التوسط فيه آثر وأحمد وأفضل في الصناعة إحجاماً ورهبة للاختراع والكذب. ونقول: إن من أحب الوقوف على الأرجح من الرأيين، وعلى الأدخل في الأمر الصناعي، فليس به غنى عن الفحص عن موضوع الصناعة الشعرية فنقول: إن موضوع الصناعة الشعرية هو التخييل والاستفزاز والقول المخيل المستفز من قبل أن القضية الشعرية إنما تؤخذ من حيث التخييل والاستفزاز فقط. دون نظر إلى صدقها وعدم صدقها. وقوم يرون أن القضية الشعرية إنما تؤخذ من حيث الامتناع، فالموضوع للصناعة الشعرية عندهم الممتنعات"(40).
فالأشياء الممتنعة هي التي لا تعطي نفسها لقارئ إلا بعد مماطلة وروية وتفكر، وهذا هو ديدن العمل الابداعي. فالأساليب البلاغية هي التي تخرج اللغة فيها من وصف الحقيقة المباشرة إلى المستوى الفني الذي يضفي على النص سمة الجمال والحيوية التي تستفز القارئ إليه، وتجعله يفكر ويطيل النظر في الاحتمالات المتعددة والتساؤلات التي يتركها النص في فكره. ولهذا فقط ربط السجلماسي أساليب البلاغة ومن ضمنها المجاز بالصناعة الشعرية، وجعلها أساس هذه الصناعة وجوهرها. كما ربط هذه الأساليب بالمتلقي بوصفه المحاور للنص الابداعي. يقول السجلماسي: "واسم المجاز مأخوذ في هذا الموضوع من علم البيان بخصوص، ففيه استعمال عرفي بحسب الصناعة، وقول جوهره هو القول المستفز للنفس المتيقن كذبه، المركب من مقدمات مخترعة كاذبة"(41).
وربط السجلماسي أسلوب الالتفات بالغرابة والغموض، لأنه فيه يتحول من معنى لآخر في النص الابداعي، مما يجعل المتلقي إزاء دائرة واسعة من التأويل، وتعدد الاحتمالات، وهذا الأسلوب يضفي نوعاً من اللذة على نفسية المتلقي، وذلك من خلال انتهاك النسق اللغوي المألوف في الوصف المثالي. فانتقال الكلام الابداعي من صيغة إلى صيغة، ومن خطاب إلى غيبة، ومن غيبة إلى خطاب يجسد لوناً من ألوان الغموض الفني الذي يميز النص الابداعي. يقول: "الالتفات: وهو عند قوم خطاب التلون. والموطئ ها هنا أيضاً كالموطئ في جنسه. والفاعل هو: ما تقرر عند تقسيم جنسه، وهو تردد المتكلم في الوجوه… وفائدة هذا الأسلوب من النظم والفن من البلاغة استقرار السامع والأخذ بوجهه، وحمل النفس بتنويع الأسلوب وطراءة الافتنان على الإصغاء للقول والارتباط بمفهومه"(42).
كما ربط السجلماسي أسلوب التشكيك بالغموض الناتج عن الخفاء والشك والالتباس والاختلاط الذي يوقع المتلقي ويدهشه. يقول: "والتشكيك هو إقامة الذهن بين طرفي شك وجزئي نقيض وهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وأحد الوجوه التي احتيل بها لإدخال الكلام في القلوب وتمكين الاستفزاز من النفوس وفائدته الدلالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما ولا يميز أحدهما من الآخر، فلذلك كان له في النفس حلاوة وحسن موقع. بخلاف نوع الغلو والسبب في ذلك أن المتكلم موهم أن ذهنه قد قام متحيراً بين طرفي الشك وجزئي النقيض لشدة الالتباس والاختلاط بينهما، وعدم التمييز بين الأمرين لخفائه على النفس على القصد الأول في طرفي النقيض ودأبهما. فلذلك فالقول المشكك هو في النهاية من المبالغة. والغاية في التلطف للتشبيه. وتقريب الشيئين أحدهما من الآخر لتمكين عدم الفرق والفصل بينهما"(43).
ويمكن القول أخيراً أن السجلماسي لم يستخدم كلمة الغموض مباشرة، وربما يعود السبب في ذلك لدلالتها السلبية ظاهرياً، ولذلك فقد استخدم مرادفات الغموض المتمثلة في أساليب البيان والمعاني والبديع، مركزاً على أسلوب الكناية والإشارة والرمز والتعريض والتلويح والتورية والتتبيع والتشكيك والغلو، فضلاً عن أسلوب العدول أو التجاوز أو الاتساع. فهذه الأساليب تجسد عند السجلماسي جوهر الصناعة الشعرية وأساسها، وهذا ما تميز به السجلماسي في موضوع الغموض.
فقد ربط السجلماسي أساليب البلاغة بالكذب والمبالغة لما لهذا الأسلوب من قدرة على إضفاء الخصوصية الفنية والجمالية على النص الابداعي، مما يستفز المتلقي ويجعله قريباً ومحاوراً للنص من خلال التأويل وتعدد الاحتمالات. فهذا التأويل وتعدد الاحتمالات ناشئ عن المستوى الفني المتمثل في الأساليب البلاغية.
كما أن استخدام كلمة أسلوب، واطلاقها على الأنماط البلاغة يعد ميزة في بحث موضوع الغموض عند السجلماسي. وبهذا، فإن السجلماسي يكون قد أدرك جوهر الغموض وأهميته من خلال اعتباره أنه الأساس للصناعة الشعرية، ولبنية النص الابداعي.
يتبع :