ظاهرة الغموض بين عبدالقاهر الجرجاني والسجلماسي
د. محمود درابسه
الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية - جامعة اليرموك
إربـــد – الأردن
ملخص البحث
يتناول هذا البحث ظاهرة الغموض بوصفه جوهر النص الابداعي وأساسه. حيث يتجسد هذا الغموض من خلال أساليب البلاغة التي تجعل من النص الابداعي نصاً إبداعياً يتميز عن غيره من الكلام.
وقد تناول البحث هذه الظاهرة الفنية من خلال ناقدين هما: عبدالقاهر الجرجاني (ت471هـ) وأبو محمد القاسم السجلماسي (ت. القرن الثامن الهجري).
وقد انقسم البحث إلى ما يلي:
أولاً – إضاءة: الغموض مفهوماً ومصطلحاً.
ثانياً – عناصر الغموض:
1. عناصر الغموض عند عبدالقاهر الجرجاني.
2. عناصر الغموض عند السجلماسي.
ثالثاً – الغموض والمتلقي.
أولاً – إضاءة: الغموض مفهوماً ومصطلحاً.
أشارت المعاجم العربية القديمة إلى الغموض من خلال استخداماته اللغوية المختلفة، فالغموض في اللغة مصدر من غمض (بفتح الميم وضمها) وكل ما لم يصل إليك واضحاً فهو غامض، ولذلك فالغامض من الكلام خلاف الواضح، كما يقال للرجل الجيد الرأي: قد اغمض النظر. والمسألة الغامضة: هي المسألة التي فيها دقة ونظر. ومعنى غامض: لطيف(1).
كمــا يحمــل مصطـلح الغموض (Ambiguty) في المعــاجم الإنجليزية المعاصرة معنى اللــغة المجازية (Figurative ********) أو تعدد احتمالات المعنى، تلك اللغة التي تمثل المستوى الفني والجمالي المتصل بالدلالات والرموز المرتبطة بالأعمال الابداعية كالشعر مثلاً(2).
فالغموض الذي يعنيه البحث هنا هو "ليس ذلك الذي يصعب فتح أقفاله وتخطي أسواره ليصل إلينا، بل هو السمة الطبيعية الناجمة عن آلية عمل القصيدة العربية وعناصرها المكونة من جهة، وعن جوهر الشعر الذي هو انبثاق متداخل من تضافر قوات عدة من الشعور والروح والعقل متسترة وراء اللحظة الشعرية"(3).
والغموض المعني هنا هو ما شدك إلى حوار معه، واستفز مشاعرك وعقلك من خلال غموض عباراته وصوره وموسيقاه، إذ يتجسد الغموض في ثراء النص الابداعي، وتعدد دلالاته وقراءاته، مما يخلق نوعاً من اللذة الحسية والذهنية تجاه خبايا النص واللامتوقع أو اللامنتظر في صوره وجمالياته الفنية. وهذه الحال تخلق نوعاً من التواصل والألفة بين النص والقارئ الذي يتلقى النص، ويشعر أنه بحاجة إليه مهما كان غامضاً ليطفئ من خلاله لهيب مشاعره، وطموحه الذهني.
ولذا، فإن الغموض له دلالتان: دلالة جمالية يكون الغموض بموجبها فنا، ودلالة لغوية يكون فيها إبهاماً وتعمية. وبهذا المفهوم يشكل الغموض ظاهرة فنية مرتبطة بالفن الإنساني، وبالفنان المبدع، مما يجعل المتلقي لهذا العمل الفني بحاجة حسية وفكرية ماسة من أجل فك رموز العمل الفني، وتفسير دلالاته، وتحديد قراءاته، لكي يقف المتلقي على طبيعة العمل الفني وجوهره، وهذه الحال تشكل قمة اللذة الحسية والذهنية عند المتلقي، كما أنها تجسد غاية المبدع وهدفه، وهــذا هـو سر النص الابداعي، وجوهر وجوده.
وقد نال مصطلح الغموض من القلق والاضطراب أكثر من أي مصطلح نقدي آخر لارتباطه بجوهر العمل الابداعي من حيث المبدع والنص والمتلقي. ويعود هذا القلق والاضطراب في تحديد مصطلح الغموض إلى تعدد مستوى درجاته، وإلى الاختلاف في تحديد مفهومه، ومعرفة غايته وأهميته، كما تعود اشكالية تحديد مصطلح الغموض إلى مرادفاته اللغوية الكثيرة مثل التعمية والإبهام والاستغلاق والألغاز وغيرها من التسميات التي ربما يضلل بعضها المتلقي في تقدير أهمية المصطلح ومفهومه ووظيفته(4).
ولذلك، فإن حديث العلماء العرب القدماء عن "الغموض حديث مفرق متناثر في دراسات المفسرين والأصوليين واللغويين والنحاة والبلاغيين. كما كانت عناية القدماء بالتطبيق في دراستهم لهذه الظاهرة، أكثر من عنايتهم بالتنظير، كما هو شأنهم دائماً، ولكن الذي لا شك فيه أن ظاهرة الغموض بما لها من صلة ببنية الكلام قد لفتت أنظار القدماء منذ وقت مبكر، ولم يمنعهم إيمانهم العميق بإعجاز القرآن الكريم وقدسيته، من دراستها من خلال آياته، وقد استخدموا في الدلالة على ذلك مصطلحات كثيرة أشاروا بها إلى غموض المعنى ودرجات هذا الغموض مثل تعدد المعنى، وغير ذلك، سواء في القرآن الكريم أو الشعر، وتعددت هذه المصطلحات واختلفت اختلاف العلماء بين مفسرين ولغويين ونحاة وأصوليين وبلاغيين، وفي أحيان كثيرة كان المصطلح الواحد يتردد بأكثر من مفهوم في كل بيئة من هذه البيئات العلمية، ولكنها كانت تتفق جميعاً على خفاء المعنى أو عدم وضوحه أو تعدده، سواء في المفردات أو التراكيب"(5).
وكذلك فقد تعددت عند العلماء العرب القدماء الأسباب التي عزوا إليها غموض المعنى، فكانت إما تعود الأسباب إلى البنية الصوتية للكلمة والكلام، أو تعقد التركيب النحوي، أو بعد الاستعارة والتشبيه واستغلاقهما، أو مخالفة قواعد عمود الشعر العربي(6).
فقد استخدم سيبويه (ت 180هـ) مصطلح اللبس للدلالة على الغموض الناشئ عن وجود لفظ يحتمل أكثر من معنى أو دلالة أو تركيب يؤدي إلى الغموض. يقول سيبويه: "وينبغي لك أن تسأل عن خبر من هو معروف عنده (يقصد السامع) كما حدثته عن خبر من هو معروف عندك بالمعروف، وهو المبدوء به"(7). ويقصد سيبويه هنا بأن الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة لكي يصح السؤال عنه، وإذا لم يكن كذلك وقع الغموض في الكلام، وترتب عليه عدم فهم السامع.
ولعل الآمدي (ت 370هـ) من أوائل النقاد العرب القدماء الذين استخدموا مصطلح الغموض في كتابه الموازنة بين أبي تمام والبحتري، حيث وصف شعر أبي تمام بالغموض والاستغلاق في المعاني والصور مقابل وصفه لشعر البحتري الذي يتسم بوضوح المعنى وقربه. يقول الآمدي: "فإن كنت…ممن يفضل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق فالبحتري أشعر عندك ضرورة. وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوي على غير ذلك فأبو تمام عندك أشعر لا محالة"(8). ويقول كذلك بهذا الخصوص ناسباً أبا تمام إلى النزعة الفلسفية والتعقيد والغموض: "وذلك كمن فضل البحتري، ونسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلص ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المآتي، وانكشاف المعاني، وهم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة، ومثل من فضل أبا تمام، ونسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد، مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام"(9).
ويكشف هذا الفهم للآمدي عن إدراكه لأهمية الغموض ووظيفته في الشعر، وذلك على الرغم من تفضيله للبحتري مقابل رفضه لشعر أبي تمام. إذ حدد الآمدي أسباب الغموض وعناصره في شعر أبي تمام، وعبر كذلك عن دهشته. إزاء الغموض ومفاجآته في شعر أبي تمام، وبذلك يكون الآمدي أول من وضع مصطلح الغموض الشعري أمام النقاد العرب القدماء.
وقد اتضح معنى الغموض وأهميته عند أبي اسحق الصابي (ت 384هـ)، حيث حدد الفرق بين النثر والشعر، مبيناً أن النثر مجاله الوضوح في المعاني والألفاظ، وأما الشعر فمجاله الغموض، حيث يخلق الغموض في الشعر مفاجآت من خلال تعدد المعاني، والاحتمالات المختلفة في التفسير، وبهذا التعدد تتشكل اللذة الحسية والعقلية عند قارئ الشعر ومتلقيه. يقول أبو اسحق الصابي: "إن طريــق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه، لأن الترسل هــو ما وضــح معناه، وأعطاك سماعه في أول وهلـة ما تضمنته ألفاظه. وأفخر الشعر ما غمض، فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه"(10).
كما كان لعمود الشعر الذي أرسى قواعده المرزوقي (ت 421هـ) في شرحه لديوان الحماسة لأبي تمام دور سلبي على الشعر العربي، ولا سيما في الحركة النقدية حول أبي تمام، الشاعر المبدع. فقد حدد المرزوقي أركان عمود الشعر التي تنفي صفة الغموض، وعمق الاستعارة عن الشعر الجيد وتحبذ وتلزم الشاعر بضرورة اتباع الوضوح، وقرب التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، يقول: "إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف –ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات- والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائها للقافية حتى لا منافرة بينهما- فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر"(11).
ومن خلال هذا التصور عند المرزوقي، فقد لجأ إلى تفضيل النثر على الشعر، وقد عد سبب كثرة الشعراء إلى أن الشاعر يستطيع أن يؤدي شعره بكل ما فيه من غموض وخفاء وغرابة دون اهتمام بالوضوح في المعاني والألفاظ، وهذا يعد أمراً يحتاج إلى معاناة وجهد، ولذا فإن المترسلين يعانون في سبيل الوضوح في المعاني والألفاظ أكثر من الشعراء، وبهذا يكون الغموض سمة للضعف في الشعر. يقول: "وكان الشاعر يعمل قصيدته بيتاً بيتاً، وكل بيت يتقاضاه بالاتحاد، وجب أن يكون الفضل في أكثر الأحوال في المعنى، وأن يبلغ الشاعر في تلطيفه. والأخذ من حواشيه، حتى يتسع اللفظ له، فيؤديه على غموضه وخفائه"(12).
ولعل تسمية الغموض بهذا الاسم قد ترك أثراً سلبياً عند النقاد والبلاغيين العرب القدماء، مما جعلهم يستبدلونه بمرادفات أخرى لها نفس المضمون والمعنى، حيث أصبح الغموض ومرادفاته يجسد علامة للجودة وأساساً للشعرية الحقة. ولهذا فقد استخدم عبدالقاهر الجرجاني (ت 471هـ) مصطلح الغموض من خلال الإشارة إليه مباشرة أو من خلال تسميات تدل عليه مثل التوسع(13)، والغرابة(14)، ومعنى المعنى، حيث بين عبدالقاهر الجرجاني أن الغموض يكمن في المعنى الثاني أو المستوى الفني المتمثل في العمل الأدبي سواء أكان نثراً أو شعراً. يقول: "الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج على الحقيقة فقلت خرج زيد. وبالانطلاق عن عمرو فقلت: عمرو منطلق: وعلى هذا القياس. وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل"(15).
وفي ضوء ما سبق، فقد استقر مصطلح الغموض بتسمياته المختلفة عند عبدالقاهر الجرجاني، وأصبح يجسد المستوى الفني للعمل الابداعي، بوصفه جوهر الشعر وأساسه.
كما ارتبط الغموض عند السلجماسي (ت القرن 8هـ) بتسميات مختلفة تجسد الجوانب الأسلوبية التي يستند النص الابداعي إليها، وتجعل من النص الابداعي نصاً إبداعيا، مثل: الكناية والإشارة والغرابة وغيرها(16)، وعلاقة ذلك بالمتلقي، من حيث خلق اللذة والدهشة عنده على المستويين الحسي والعقلي.
وأما حضور مصطلح الغموض في النقد المعاصر، فيرجع الفضل فيه إلى الناقد والشاعر الإنجليزي وليام امبسون (William Empson – 1906) في كتابه المعروف سبعة أنماط من الغموض (Seven Types of Ambiguity) الذي نشره عام 1930م، حيث عرّف الغموض بقوله: كل ما يســمح لعدد من ردود الفعــل الاختيارية إزاء قطعة لغوية واحدة"(17). وبناء على ذلك، فقد حدد أنماط الغموض في سبعة أنواع هي(18):
1. النوع الأول من الغموض يحدث عندما يتجسد في النص عدداً من التفاصيل التي تتحدث عن دلالات متعددة في الوقت نفسه، ويتمثل ذلك في الاستعارة البعيدة أو الإيقاع أو الوزن.
2. النوع الثاني يتمثل في وجود تركيب نحوي في النص يسمح بتعدد التأويلات.
3. النوع الثالث، يحدث في النص عندما يتوفر فيه عدد من المفردات أو التراكيب ذات الدلالات المشتركة.
4. النوع الرابع يتمثل في عدد من التراكيب ذات المعاني المتبادلة التي تجسد نوعاً من التعقيد في تفكير المؤلف.
5. النوع الخامس، يحدث عندما تظهر في لغة المؤلف جمل وعبارات متداخلة، تظهر عدم قدرة المؤلف على تحديد مراده.
6. النوع السادس، يحدث عندما تظهر في لغة المؤلف عدة تراكيب ذات معاني متناقضة.
7. النوع السابع، يتمثل في نوع من التعارض أو التناقض التام الذي يقع أحياناً في لغة المؤلف مما يعكس نوعاً من التشتيت الذهني.
ولعل هذا التحديد الواضح لمصطلح الغموض وأنماطه عند امبسون قد سبقته بعض الاهتمامات عند الأوروبيين من خلال دراستهم للنصوص الأدبية، ومثال ذلك جهود الشاعر الإيطالي دانتي (Dante) الذي كان أول من نظر في تعدد مستويات المعنى في النص الأدبي، كما فتحت دراسة الناقد الإنجليزي جريرسون (Grierson) عن الشاعر جون دون (Jhon Donne) الباب في هذا المجال من أجل الكشف عن مظاهر الغموض في شعر بعض الشعراء وتعدد مستويات المعنى فيه(19).
يتبع :