وهذا التصـور غـير مقبـول لعـدة أمـور :
1.كيف يتصور أن تمزج الضـاد من صوت ساني من نوع الياء مع تفخيم يصل الإطباق فيه مع الجهر إلى تحويل هذا المخرج إلى مزيج مع صوت حلقي ، إذ أن الأصوات الممزوجة متباعدة : فشتان بين الحلق ومع الإطباق ، واللسان مع السنّان .
2.هناك اختلاف بين البيعة والبيضة في الدلالة ووجود تشبيه ليس كافياً للاستدلال على أصل اللفظة كما في الكلمة الأولى . وبين الضأن والعانة اختلاف في المعنى : فالضأن خلاف الماعز من الغنم ، والعانة : الأتان والقطيع من حمـر الوحـش " " .
3.وإذا كان هناك اختلاف في الدلالة بين الضأن والعانة فالعلاقة الصوتية بعيدة أيضاً بين الضـاد والعين في الكلمتين .
4.وإذا كان المحدثون يعدون تحول الضـاد الموروثة عن اللغة السامية الأولى في اللغة الآرامية إلى قاف مرة وإلى عين أخرى ـ من أصعب التحولات الصوتية تفسيراً " " فكيف يستساغ هذا التركيب الذي ذكره الباحث
ونخلص من هذا إلى أن اللغات السامة لم توجد فيها أصوات مركبة على هذا النحو . وأن الضـاد العربية التي وصفها القدامى من علماء اللغة وأهل الأداء هي التي كانت في اللغة السامية الأم وبقيت العربية وهي الأم لجميع اللغات السامية ، لخصائص تعطيها هذا الحق ـ محتفظة بها ، ونزل القرآن الكريم وهي بهذه الصفة ، ثم انتقلت إلى ما نسمعه إلى الآن في اللهجات الحديثة في العالم العربي ، ولا يصح أن يأخذ باحث لغوي نطق أي قطر عربي للضـاد سواء أكانت تنطق فيه بوجه واحد أم أكثـر .
وعندما نقـول إن اللغة العربية لغة الضـاد فإننا ( نستحضر تاريخاً سحيقاً ضاع من الوثائق ، وبقي في عجينة الألفاظ ، وفي معانيها ، وفي أصواتها يشهد بأن العـربية الفصحى أبعـد مدى وأرسخ قدماً في عـلاقة الإنسان باللسـان مما سجله عـلماؤها ) " "
العـلاقة بيـن الضـاد والظـاء صـوتياً وتاريخـياً ولهجـياً ( 2 )
من الملاحظ في تحديد مكان نطق كل من الضـاد والظاء ومن وصفهما أنهما متجاوران مخرجاً ومتفقان في صفات الجهر والرخوة والإطباق فبينهما علاقة صوتية قوية تبيح الانتقال من أحدهما إلى الأخر ، ومن ثم وقع التبادل بينهما في كلام العرب ولا يزال إلى الآن في هذه المنطقة المعروفة اليوم بالعلم العربي.
يقـول الشاعـر :
إلى الله أشكو من خليل أودّه ثلاث خصال كلها لي غائـض
فقالوا أراد ( غائظ ) فأبدلوا الظاء ضـادا " "
وقد أورد بعض علماء اللغة شواهد وقع فيها هذا التبادل : منها ما روي :
أن رجلاً قال : لعمـر ( رضي الله عنه ) يا أمير المؤمنين أيظحى بضبي ؟ قال : وما عليك لو قلت : أيضحى بظبي ؟ قال : إنها لغة . قال : انقطع العتاب ولا يضحى بشيء من الوحش " "
وورد أن عمـر ( رضي الله عنه ) ومن حضـره عجبوا من قوله ، فقـال : يا أمير المؤمنيـن إنها لغة وكسـر اللام ، فكـان عـجبهم من كـسر لام لغة أشـد من قـلب الضـاد ظـاء والظـاء ضـاداً " " ،
وهذه الرواية يجب أن تكون في الأصل على أحد نطقين لأحد حيين من العرب :
أول هذين النطقين : أيضحى بظبي وثانيهمـا : أيظحى بظبي .
أما النطق الثالث الوارد في كلام الرجل فهو مجموع من النطقين السابقين وهو معروف لدى علماء اللغة بتداخل اللغات فقد أخذ من التي تؤثر الظاء على الضـاد في أيظحى ، وأخذ من التي تؤثر الضـاد على الظاء في بضبي ، فجمع بين لغتين في كلامه . والعرب ( تختلف أحوالها في تلقي الواحد منهم لغة غيرة : فمنهم من يخف ويسرع قبول ما يسمعه ومنهم من يستعصم ويقيم على لغته البته، ومنهم من إذا طال تكرر لغة غيره عليه لصقت به ووجدت في كلامه) " "
ومن ثم عجب عـمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن معه من نطق هذا الرجل لأنهم ممن يقيمـون على لغتهم لا يفارقونهـا .
ويذكر الدكتور إبراهيم أنيس ( أن النطق القديم للضـاد كان إحدى خصائص لهجة قريش ) " " وقبل أن نحكم بصحة هذا الكلام أو عدم صحته يجب أن نستعرض نصوصاً من مظانها المختلفة لنصل من خلالها إلى الرأي الذي نراه :
1. الأرض والأرظ
وردت الكلمة بوجهين عن العرب هما الضـاد ، والظاء مع اتفاق المعنى : يقول ابن السيد البطليوس : ( والأرظ والأرض قوائم الدابة والأشهر فيها الضاد )"" " وجاء في اللسان : ( والأرض سفلة البعير والدابة وما ولي الأرض منه يقال بعير شديد الأرض ، إذا كان شديد القوائم . والأرض أسفل قوائم الدابة . وأنشد لحميد يصف فرساً :
ولم يقلب أرضهـا البيطـار
وقـال سويـد بن كراع :
فركبناها على مجهولهـا بصلاب الأرض فيهن شجع
وقـال خفـاف :
إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصـدق " "
والبيـت الأول لحميد بن ـثور الهلالي من بني عـامر بن صعصعة " " وهم يعـودون إلى قيـس " " .
وسويـد بن كراع ـ قائل البيت الثاني ـ من عكل " " ، وبنو عكل بن عوف بن عـبد مناه بن أد بن طابخـة بن إلياس بن مضـر " "
وخفاف قائل البيت الأخير ـ هو خفاف ابن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي " " المعـروف بخفاف بن ندبة ، وبنو سليم يعـودون إلى قيس " " وكل من طابخة وقيس ينتهي إلى مضـر " " .
وكانت مضر مقيمة وحدها في تهامة بعد خروج ربيعة منها حتى دب بينها التفرق ، ووقع بين قبائلها البغضاء بسبب تباين هذه القبائل وكثرة عددها وفصائلها وضيق البلاد بها ، ومن هنا رأينا قبيلة مهتمة وأخرى منجدة ، فظعنت قيس من تهامة طالعين إلى بلاد نجد إلا قبائل منهم انحازت إلى أطراف الغور من تهامة " " . وطابخة نزحـت من تهامة إلى ظواهـر نجـد والحجـاز " "
أما عكـل الذين منهم سويد بن كراع فقـد نزحوا من الحجاز بعد ذلك إلى بـلاد نجـد وصحاريهـا " "
وعلى هذا فالنطق بالضـاد هنا ليس خاصاً بقريش وإن كانت تعود إلى مضر" "
2. الحضـض والحظـظ والحضـظ .
قال ابن السيد : ( والحظظ والحضض : الكحل الذي يقال له الخولان يقال بضم الظاء والضـاد وفتحهما ) ، قال الراجـز :
أرقش ظمآن إذا عض لفظ أمر من مرّ ومقر وحظظ " "
وحظظ بظاءين في اللسـان أيضـاً " "
وجاء في الصحاح بضـاد وظاء قال الجوهـري : وأنشـد شمـر :
أرقش ظمآن إذا عصر لفظ أمر من صبر ومقر وحضظ
ويعقـب الخليل على البيت بقوله : ينشد هذا البيت بظاءين من كانت لغته فيه بالظاء . والذي لغته بالضـاد يجعل الأول على لغته ضـاداً ويجعل الآخر ظاء لإقامة الروي " " .
وقال أبو عمر الزاهد : الحضذ بالضـاد والذال .