عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عضو المجمع
Banned
رقم العضوية : 341
تاريخ التسجيل : Dec 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 3,207
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عضو المجمع غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-19-2013 - 08:49 AM ]


4. الصعوبة الرابعة التي تحد من قدرتنا على تنمية اللغة الوطنية ببلدنا هي استنزاف الموارد البشرية المؤهلة ونهبها مثلما تنهب الثروات الطبيعية من دولنا النامية، حيث نلاحظ أن المفكرين والباحثين الأكفاء الذين يتمتعون بقدرات قوية على الابتكار والإبداع يتوجهون إلى الخارج أين يجدون البيئة المحفزة على الإنتاج ويحصلون على التقدير والاحترام الذي يليق بهم. إنه لمن الواضح في وقتنا الحالي أن سياسة غض الطرف عن الموارد البشرية المحلية وقلة الاهتمام بها وسوء توظيفها أو عدم الاعتماد عليها بصفة أساسية وتمكينها من الحصول على المحفزات التي تستحقها،، قد خلق ضعفا عاما في مجال تحمل الأعباء العلمية والإنتاجية، وبالتالي، أصبح التوجه الآن إلى سد العجز عن طريق الاستعانة بالباحثين واللاعبين الماهرين الموجودين بالخارج لأن بيئة العمل المحفزة هناك هي الأساس لنجاح وبروز مواهب تلك الفئات الجزائرية في التعليم أو البحث العلمي أو الرياضة. ونستخلص من هذه الفكرة حقيقة أساسية وهي أن عدم قدرة مؤسساتنا التعليمية على استقطاب وبقاء الكفاءات الوطنية الجيدة في داخل الوطن والاستفادة من طاقات العلماء والباحثين وجني ثمار أعمالهم، هي العملية المخيبة للآمال في بناء مجتمع المعرفة.

5. الصعوبة الخامسة التي تعرقل تنمية اللغة الوطنية هي السعي البطيء لتوطين المعرفة باللغة الوطنية في أرض الجزائر. يبدو أن هناك من نسي أو تناسى أن المحتل الأجنبي قد حاول أن يقضي على الشخصية الجزائرية من خلال إصدار التعليمات وإبلاغ المسؤولين في إدارة الاحتلال "أن أيالة الجزائر لن تصبح حقيقة، أي ممتلكة فرنسية، إلا عندما تصبح لغتنا(أي اللغة الفرنسية) هناك قومية، والعمل الجبار الذي يترتب علينا إنجازه هو السعي وراء نشر اللغة الفرنسية بين الأهالي إلى أن تحل محل اللغة العربية"(1). ومعنى هذا أن تحرير وطننا واستعادة سيادته وكرامته، يرجع في الأساس إلى تمسكنا بلغتنا العربية وبوطنيتنا الجزائرية وإرادتنا القوية لمجابهة المحتلين الأجانب الذين حاولوا مسخ ومحو الشخصية الجزائرية من الوجود. وإذا أردنا اليوم أن نثبت حقنا بهذه الأرض التي تأوينا وتغذينا من ثوراتها الباطنية وخيراتها المتواجدة بكل ولاية من ولاياتها، فعلينا أن نعمل على توطيد لغتنا العربية بهذه الأرض الجزائرية وتوظيفها بكفاءة عالية لتطوير المعرفة في مجتمعنا، والانفتاح على منابع المعرفة العالمية، والاهتمام بالتدريب والتأهيل لأن هذه الخطوات أساسية لتوطيد المعرفة وبناء مجتمع المعرفة. علينا أن ندرك بأن تقوية لغتنا، يعني دخولنا في عملية الابتكار وإعادة إنتاج المعرفة والوسائل القادرة على تحويل المجتمع والاقتصاد والمعرفة، وبذلك يمكننا مواجهة احتياجات الإنسان الجزائري وإشباع حاجاته المتزايدة في عالم تزداد فيه المنافسة للبقاء على قيد الحياة في عالم تتسابق فيه المؤسسات الدولية على اكتساب العقول والاعتماد على ثرواتها البشرية لكسب معارك التنمية اللغوية والاقتصادية والثقافية. ولكي نفهم أبعاد قضية توطيد المعرفة والتكنولوجيا، يتعين علينا أن نتذكر تحطيم ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية وتركيعهما من طرف أعدائهما، ثم ننظر إليهما اليوم لنراهما في مقدمة الدول المتقدمة وذلك بفضل توطيد التكنولوجيا بهذين البلدين ونجاحهما في بناء مجتمع المعرفة الذي لم تتمكن أية قوة أجنبية من تفتيته أو هزيمته.

6. الصعوبة السادسة التي تواجهها عملية تنمية اللغة العربية هي ضعف الترجمة وانحصار الرصيد المعرفي في العلوم الدينية والتراث، أي أنها لغة القيام بالواجبات الروحية بينما الواقع المعيشي يفرض على الأفراد أن يعرفوا لغات كسب الخبرة والتمتع بالمعرفة العلمية في جميع المجالات. وعليه، فلكي لا تبقى اللغة العربية بمعزل عن التطور الذي تعرفه العلوم الحديثة، ينبغي القيام بمجهودات جبارة في مجال الترجمة لأن اللغة تنموا بالترجمة وتتطور بالممارسة ولا تنمو في فراغ. إن وصولنا إلى عالم المعرفة يمر عبر الترجمة وبناء الرصيد المعرفي لكي تنهل منه الأجيال الصاعدة. والشيء العجيب والغريب في مجال تنمية اللغة العربية واستعمالاتها بغزارة في ترجمة النصوص من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، هو أن هذه الوظيفة تقوم بها على أحسن وجه الشركات والمؤسسات الرسمية لأسباب أمنية واستخباراتية، بالإضافة إلى استعمالها لأسباب تجارية. إنه لمن الواضح أن محركات البحث الأمريكية، مثل مايكروسوفت وغوغل قد استثمرت أموالا كبيرة واستعانت بالموارد البشرية لإنتاج نظم وبرامج تشغيل ومحركات بحث باللغة العربية، والغرض تجاري بحت، أي تسويق منتجاتها إلى اللغة العربية. كما أن محطات التلفيزيون والإذاعات الأجنبية التي تبث برامجها عبر الأقمار الصناعية، تساهم في تنمية اللغة العربية الفصحى في حين أن إذاعات الدول العربية وفضائياتها تبث برامجها باللهجات العامية!.

7. المعضلة السابعة هي أن هناك خلط بين أهداف التنمية والقوانين المنظمة لها. العجيب في الأمر أن نسبة كبيرة من المسؤولين يحرصون على احترام القوانين والتمسك الحرفي بنصوصها أكثر من ما يحترمون التنمية وبلوغ أهدافها. إنهم ينسون أن القانون ماهو إلا وسيلة للعمل لا غير، وأن المطلوب هو الحرص على تحقيق أهداف التنمية وليس التشبث بالقوانين البالية. مثلا، إذا دخلت إلى المكتب في الثامنة صباحا، وهذا مطلب قانوني، فإنه يحق لك أخذ راتبك بالكامل ما دمت قد احترمت القانون، حتى لو صرفت وقتك في قراءة الصحف الرياضية والفن والتسلية، في حين أن العبرة في العمل هي الإنتاج وتلبية احتياجات الزبائن وتحقيق الأهداف المنشودة. وعليه، فالسؤال المطروح هنا: متى نفهم أن هدف التنمية هو الإنتاج والابتكار والإبداع وليس تقديس القوانين التي يصعب تغييرها أو تعديلها.

8. المعضلة الثامنة في تنمية اللغة هي بناء العمارات وإهمال التدريب وتنمية المهارات. ولعل الشيء المثير في بلدنا أن مؤسسات التعليم والتكوين تكتفي بتنظيم الدروس النظرية ومنح الشهادات العلمية للتباهي بها. كما أن هذه المؤسسات تحصل على بنايات جديدة والدولة تصرف أموالا باهظة على بناء الهياكل القاعدية، لكن لا تخصص ميزانيات لتدريب وتأهيل العناصر البشرية، سواء خلال عطلة الصيف أو تنظيم الدورات التدريبية المنتظمة. إن ما ينقصنا نحن في بلدنا هو خلق برامج تأهيلية وتدريب الموارد البشرية وتحسين مستوى التدريس وإعطاء فرص للمعلمين لكي يجددوا معلوماتهم لأن تجديد المعلومات والحصول على شهادات تدريب جامعية تعتبر ضرورية للترقية في المهنة. فإذا كانت الدول المتقدمة تفتح جامعاتها بانتظام خلال الصيف لتدريب المعلمين وتحسين مستواهم وتجديد معلوماتهم، فإن الجامعات في بلدنا تغلق أبوابها، وكل الناس يلهثون وراء العطل، بما فيهم العاطلون عن العمل. وعليه فنحن في حاجة ماسة إلى الاهتمام بالتنمية في عطل الصيف، وليس اللهث وراء اللهو والتسابق على حضور حفلات الرقص والغناء في الملاهي الليلية والنهارية.

9. المعاناة التاسعة في مجال بناء مجتمع المعرفة في بلدنا تتمثل في غياب الكتاب الجامعي، فإذا كان الجندي يحتاج إلى بندقية ليحمي الوطن، فالطالب في حاجة ماسة إلى الكتاب الجامعي لاكتساب المعرفة والتحصيل العلمي. وعليه، إن الكتاب المقرر في كل مادة علمية يدرسها الطالب هو الوسيلة الأساسية لكي يكتشف التلميذ أو الطالب من خلاله، البيئة من حوله ويعزز قدراته الإبداعية الذاتية. وبكل بساطة إن الكتاب العلمي يعتبر خير استثمار في الإنسان لأنه هو الذي يساهم في تطوير شخصيته.

10. الصعوبة العاشرة التي تواجه التنمية في مجال اللغة العربية تكمن في عدم تخصيص ميزانيات خاصة بنشر المجلات العلمية في مختلف الجامعات الجزائرية. إنه لمن الواضح أن وجود مجلات متخصصة في الكليات يفسح المجال أمام الباحثين لإظهار قدراتهم الإبداعية، بالإضافة إلى التدرب على إعداد البحوث والاستفادة من خبرة الأساتذة المتخصصين في كل مجال. وإذا توفرت مراكز الأبحاث وتخصصت في الإشراف على إصدار المجلات العلمية ونشر الإنتاج العلمي للباحثين بتلك المجلات فإن ذلك سيكون قفزة علمية لا مثيل لها. إننا نتعجب من الخطب المثيرة حول إعداد قانون الباحث وتخصيص الملايير للبحث العلمي، في حين لا توجد ميكانيزمات او مجلات علمية تصدر بانتظام لنشر إنتاج الباحثين! وباختصار، إن ما أريد أن أقوله في موضوع تنمية البحث العلمي في اللغة العربية أو في مجال التنمية الوطنية بصفة عامة، أن نجاح عمليات التنمية والبناء والتشييد لا تكمن في وجود ثروة طبيعية أو وجود جيوش قوية أو مساحة شاسعة للدولة، وإنما النجاح يكمن في وجود قيادات ذات نوعية وإرادة قوية وعزيمة صلبة لقيادة عمليات التغيير بكفاءة عالية. إن سر نجاح العديد من الدول في التنمية يرجع إلى سيادة لغتها على أرضها، والتحدي الكبير الذي نواجهه في يومنا هذا، هو وجود مسؤولين أو قياديين مقتنعين بان الإنسان هو صانع التنمية وهدفها، وأن التنمية تعني تحسين ماهو موجود، وأن اللغة العربية هي أهم عناصر الهوية، والتفريط في اللغة هو تفريط في هويتنا التاريخية وقيمنا الثقافية والأخلاقية وسيادتنا الوطنية.

---------------------

الحواشي:

(*) محاضرة ألقيت بالمجلس الأعلى للغة العربية ضمن منبر حوار الأفكار في يوم 13/04/2010

(1) ساطع الحصري، "أبحاث مختارة في القومية العربية". القاهرة: دار المعارف، 1964، ص 40-43.


رد مع اقتباس