• من مؤلفاتكم كتاب "أدب الخلاف". هل نحسن – نحن كمسلمين- أن نختلف، أم أن أدب الخلاف ثقافة ذهنية فقط لا أساس لها على أرض الواقع؟ كيف نحقق كمسلمين هذا الأدب الرفيع، بعيدًا عن اللغة الحنجورية وإشارات التهديد والسباب؟
- الحوار بلا شك هو وسيلة تدل على وعي المجتمع والأفراد الذين يمتازون به، والحوار باب من أبواب بناء الفكر وصناعة المفاهيم، والحوار وسيلة مهمة في ميدان الاختلاف وتباين وجهات النظر نحو موضوع ما، أو نشر فكرة ورأي لمن يحتاجون للإقناع في قضية معينة، والمجتمع المعاصر يُعنى كثير من أفراده بالحوار، ولكن البعض قد يغيب عنه بعض أدبيات الحوار، فقد يحسن التعبير عن الحوار ودوره وآثاره لكن أثناء الممارسة يفقد بعض أدبيات الحوار، ومن فقد أدبيات الحوار فإنه لم يعرف فقه الحوار؛ ففقه الحوار له جانب تنظيري وجانب تطبيقي، والعلاقة بينهما تكاملية لا تقبل الانفكاك؛ لذلك المجتمع بحاجة إلى تعزيز وترسيخ هذا المفهوم، ومن ذلك إنشاء مراكز الدراسات وبرامج التدريب التي تُعنى بذلك، وما مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني إلا من شواهد تعزيز هذا المفهوم في ممارسات النخب وتربية الجيل على هذه الوسيلة بتكاملها. وأتفق معك بعض الاتفاق في الخلل في بعض ممارسات الحوار وبخاصة في بعض وسائل الإعلام لما في بعض الندوات التلفزيونية أو مواقع التواصل الاجتماعي، ومع هذا فكلما نشرنا ثقافة الحوار ووسعنا... ليشمل البيت والمدرسة ومناشطنا الثقافية، فسوف يذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس.
• بوصفكم متابعًا لنشاط المجامع اللغوية العربية. هل استطاعت المجامع اللغوية القيام بدورها المنوط بها في خدمة العربية؟ وما الذي تستطيع أن تنجزه في عصر العولمة والسماوات المفتوحة؟
- إن آمال كثير من المتخصصين والمهتمين باللغة العربية وما يتصل بها من علوم تتطلع إلى تفاعل المجامع اللغوية العربية مع بعضها ومع المجتمع بحيث تكون حاضرة في صيانة اللغة العربية، وتوسيع مشاركتها لتكون ذات سيادة في التواصل بين الناس، وأن تقوم بدورها في المحافظة على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون، ومستحدثات الحضارة ، ووضع معجم تاريخي للغة العربية، وتنظيم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة، وإن كان جملة من المختصين والمهتمين يرون أن ثمة تحديات، ولكن كل التحديات التي تقف في وجه نهوض اللغة العربية هينة – بإذن الله وتوفيقه- إذا وجدت هذه المهمة مساندة جادة من القرار السياسي العربي، والجامعات والمراكز العلمية والإعلامية، كما اعتبر بعضهم أن المبادرات التي ظهرت في دول بالخليج تدعم وتحمي اللغة العربية تبعث أملاً جديدًا في مستقبل اللغة العربية.
وأحسب أن المجامع اللغوية العربية تسعى في الارتقاء بعملها وتحقيق أهدافها، ولكن يبقى تكاتف الجهود بين تلك المجامع ليكمل بعضها بعضًا، كما أن الذراع الإعلامي والتواصل العلمي مع الجامعات والمراكز ذات العلاقة ضروري لتحقق المجامع رسالتها التي حملتها على عاتقها، ونحن في هذا العالم المتجدد بمتغيراته على كافة الأصعدة وفي كثير من المجالات نتيجة الانفتاح بين الثقافات على مستوى المضامين والوسائل نحتاج إلى أن تكون أدوار المجامع ذات امتداد عمودي وأفقي، أفقي في الانتشار وعمودي في العمق والحضور، ولا أظن أن المجامع عاجزة –بإذن الله- عن التأثير في الواقع الجديد في العالم وذلك من خلال بث المناشط العلمية والمؤتمرات المعززة للجانب اللغوي العربي لتقديمها في برامج نوعية تجلي عظمة اللغة العربية وفي بنائها ودلالاتها، والعرب في وسائل التواصل الاجتماعي لهم نسبة كبيرة في المشاركة فيها واستخدامها، وهذا يسهل -بإذن الله- نشر الجهود الناتجة عن المجامع اللغوية العربية.
• تظهر من فترة لأخرى دعوات تنادي بالتحدث بالعامية واستبدالها بالفصحى، باعتبار أن العامية لغة محرفة عن الفصحى. برأيكم ما خطورة تلك الدعوات؟ وما الواجب على المجامع اللغوية تجاهها؟
- قد لا يحتاج القارئ في هذا الموطن التحدث عن جلالة اللغة العربية وقيمتها، وأنها لغة الوحي المنزل من الله رب العالمين، إذ لو كان الحديث حول ذلك فقد يطول المقام ولن نعطي الموضوع حقه. لكن يحسن التأكيد على مسألتين:
الأولى: أن اللغة هي مفتاح العلوم نحو فهمها وإعمالها وتوظيف مضامين النصوص المبنية منها، فالقرآن الكريم بما فيه من معاني وأصول وقيم، لا يمكن أن يُستوعب إلا بمعرفة اللغة ودلالاتها ومعاني مفرداتها وتراكيبها. يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه الله تعالى-: (اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية).
الثاني: أن اللغة العربية ليست منفصلة عن الحضارة الإسلامية الرائدة، فتغريب اللغة العربية" جعلها غريبة" هو تغريب لحضارة الإسلام العريقة.
ولذلك كل سعي إلى تهميشها أو مزاحمتها في التعليم أو التواصل العام وغيره هو مشاركة في طمس الهوية، فهوية المسلمين تقوم على مرتكزات هي العقيدة، والشريعة والأخلاق "القيم والآداب"، واللغة، والحضارة، والتاريخ. وقد جاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: (تعلموا العربية فإنها من دينكم) وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى- : (اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون).
وهذه المرتكزات زمام وخطام معرفتها وتعزيزها هي اللغة العربية، فلابد أن يُفهم هذا الأمر بكل وضوح ومسألة الهوية الإسلامية مدارها على ما ذُكر، وزعزعة الهوية هو فقد للقيمة والتأثير والريادة. ومن أجل هذا فإن الدعوة إلى العامية دعوة للفناء والاضمحلال، والعامية كما هو معلوم غير ثابتة فهي تتغير مع السنين والأجيال، وهذا يعني قطع الأمة بدينها وتاريخها بل وأصولها وهويتها الحقيقية.
وأخيرًا أسأل الله العلي العظيم أن يعز كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وأن يستعملنا في نشر الشرع ونفع الخلق، وأن يبارك في أجيالنا، ويحفظ أوطاننا من كل سوء وفتنة.
مصطفى يوسف: مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية