قال رمضان عبد التواب (المتوفى: 1422هـ) في كتابه ( بحوث ومقالات في اللغة ) :
( نحن نعرف أن العربية الفصحى، تفتح حرف المضارعة في الثلاثي، في نحو: يكتب، ويفتح ويضرب، ويقول، ويبيع، ويروي، وغير ذلك، على حين نرى كثيرا من اللهجات الحية المعاصرة في البلاد العربية المختلفة تكسر حرف المضارعة في هذه الأمثلة وأشباهها. وهذا عينه هو ما رواه لنا أكثر القدماء1 عن قبيلة "بهراء"، وتعرف هذه الظاهرة عند هؤلاء القدماء باسم: "تلتلة بهراء".
وعزاها صاحب لسان العرب إلى كثير من القبائل العربية، فقال: "وتِعلم، بالكسر: لغة قيس، وتميم، وأسد، وربيعة، وعامة العرب. وأما أهل الحجاز، وقوم من أعجاز هوزان، وأزد السراة، وبعض هذيل، فيقولون: تَعلم، والقرآن عليها. وزعم الأخفش أن كل ما ورد علينا من الأعراب، لم يقل إلا تِعلم بالكسر"2. ويقول الفراء إن النون في نستعين "مفتوحة في لغة قريش. وأسد وغيرهم يكسرها"3.
وقد جاءت هذه الظاهرة، في رجز لحكيم بن معية الربعي، وهو:
لو قلت ما في قومها لم تِيثم ... يفضلها في حسب وميسم4
_أي: "لم تأثم"، التي صارت بعد كسر حرف المضارعة: "تِئثم"، وخففت الهمزة فصارت: "تِيثم" كما في البيت.
وقد روى ابن جني بيتا عن أعرابي من بني عقيل، كسرت فيه الهمزة في الفعل: "أخاف"، فقال: وأنشدني عقيلي فصيح لنفسه:
فقومي هم تميم يا مماري ... وجوثة ما إِخاف لهم كثارا
فكسر الهمزة من: "إخاف" .
كما روى ابن الأنباري بيتا للمرار الفقعسي، كسر فيه التاء من: "تعلم" في قوله:
قد تِعلم الخيل أياما تطاعنها ... من أي شنشنة أنت ابن منظور
وقال بعده: "قال أبو بكر: قال أبي: أنشدنيه أبو جعفر: قد تِعلم، بكسر التاء، وقال: هي لغة بني أسد، يقولون: تِعلم، وإِعلم، ونِعلم، ومثله كثير" .
وقد قرئ بهذه اللغة، في بعض القراءات الشاذة، فقد رُوي عن يحيى بن وثاب، والأعمش، وطلحة بن مصرف، وحمزة بن حبيب الزيات، أنهم قرءوا قوله تعالى: "ولا تِركنوا للذين ظلموا فتِمسكم النار" [هود: 113] بكسر التاء في الفعلين. وقال ابن جني في التعليق على هذه القراءة: "هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو عَلِمْت تِعْلَم، وأنا إِعْلَم، وهي تِعْلَم، ونحن نِرْكَب. وتقل في الياء، نحو: يِعْلَم، ويِرْكَب، استثقالا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تِنطلق، ويوم تِسود وجوه وتِبيض وجوه".
وهذه الظاهرة -ظاهرة كسر حرف المضارعة- سامية قديمة، توجد في العبرية1، والسريانية ، والحبشية3. والفتح في أحرف المضارعة، حادث في رأيي، في العربية القديمة، بدليل عدم وجوده في اللغات السامية الأخرى، وبدليل ما بقي من الكسر في كثير من اللهجات العربية القديمة.
وهناك دليل ثالث على أصالة الكسر في حروف المضارعة، في اللغات السامية، وهو استمراره حتى الآن في اللهجات العربية الحديثة كلها؛ إذ نقول مثلا: "مين يِقرا ومين يِسمع؟ "، بكسر حرف المضارعة، في لغة التخاطب اليومية، ولم يبق فتح حرف المضارعة في اللهجات الحديثة -فيما أعلم- إلا في لهجة نجد، إذا كانت فاء المضارع ساكنة، مثل: يَرْمي، ويَلْعب، ويَرْكض. ولا يكسر حرف المضارعة في هذه اللهجة، إلا إذا كان ما بعده متحركا، مثل: يِسُوق، ويِنُوم "مضارع: نام"، ويسابق، ويلاكم، ويهاوش، وغير ذلك.
وقد بقيت بعض آثار هذا القديم، في العربية الفصحى نفسها، في بعض الأمثلة؛ إذ يكسر في الفصحى حرف المضارعة، في: "إِخال" بمعنى: "أظن" في كثير من النصوص التي وصلت إلينا. ومن شواهده قول أبي ذؤيب:
فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإِخالُ أني لاحق مستتبع .
_________
1 مجالس ثعلب 1/ 81 وعنه في الخصائص 2/ 11 وسر صناعة الإعراب 1/ 235 ودرة الغواص 114 والخزانة 4/ 596.
2 لسان العرب "وقي" 20/ 283.
3 الصاحبي لابن فارس "نشره الشويمي" 48 وفيه: "في لغة قيس" وهو تحريف، والصواب ما في نشرة السيد صقر 28 والمزهر 1/ 255 عن ابن فارس. وقد وقع "رابين" Ancient p. 6.1 في وهم آخر، حين عطف "أسدا" على "قريش" في هذا النص!
4 خزانة الأدب 2/ 311 وتهذيب الألفاظ 207.