يتبع :2 - ترجمة اللواحق (suffixes) ثم اختصارها ونحت فعلٍ منها وممّا يُركّب معها على وزن فَعْلَلَ: فمنها ترجمة ectomy - إلى "استئصال" واختصارها إلى "صَلْ"، و: algia- إلى "وَجَع" واختصارها إلى "وَجـْ"، stomy- إلى "فَتْح" واختصارها إلى "فَتْـ" و: tomy إلى "قَطْع" واختصارها إلى "قَطْ "، فإذا كان الحديث عن استئصال الكلية nephrectomy -مثلاً- فالمنحوت هو: صَلْكَلَ صلكلةً، وعن وجعها nephralgia فهو: وَجْعَلَ وجعلةً، وعن فتحها nephrostomy فهو: فَتْكَلَ فتكلةً، وعن قطعها nephrotomy فهو: قطكل قطكلة(64)، وهلم جرّا.
3 - النحت من الأسماء والصفات المركّبة: ويكون بترجمة المركَّب اسماً أو صفةً ثم بنحت كلمة من عناصر الترجمة، نحو: sleepwalking السَّرْنمة(65) (أي: السّير أثناء النوم)، و: surf-riding الرّكْمَجة (ركوب الأمواج)، و: linsey-woolsy الكَتْصوف (الكتّان والصوف)، و: leukocyte الكُرَيْضة(66) (الكريّة البيضاء)، و: airborne المُجَوْقل (المنقول جوّاً) و: hydroelectric الكهرمائيّ (كهربيّ مائيّ)، و: seriocomic هَزْجدّي (هزليّ جدّيّ)، و: medieval قروسطي (منسوب إلى القرون الوسطى)، و: transliteration النَقْحرة (نقل حروف اللفظ من لغته إلى حروف لغة أخرى)، و: space-time الزَّمْكان (الزمان والمكان)، و: espace-temps الحَيْزَمَن (الحيّز والزمن)(67)، و: zoophyte الحَيْنَب والحَيْنبات (الحيوان والنبات)(68)، و: oenomel الخَمْسَل (الخمر والعسل)، و: megathere البَهْضَم (بهيمة ضخمة)، و: nasalized consonant أنفميّ (للصوت الذي يتّخذ مجراه من الأنف والفم معاً)(69)، و: triphibian بَرْماجيّ (معدّ للاستعمال في البرّ والماء والجوّ)، و: secco الرَّجْصَفة (الرّسم على الجصّ الجاف)(70). وقد يكون النحت من المعَرَّب لا من المترجم، نحو: electro-magnetic أو: magnetoelectricity كَهْرَطيسيّ (كهربائيّ مغناطيسيّ). وإذا ما ورد من هذه الألفاظ أفعالٌ أو مشتقاتٌ في الأصل المترجم عنه فإننا نجد نظائر له بالنّحت أيضاً، فالفعل "sleepwalk" يسير وهو نائم" يقابله "يُسَرْنم"، واسم الفاعل منه sleepwalker يقابله "المُسَرْنم". ومن الطريف هنا مقابلة المنحوت الأجنبيّ بمنحوت على شاكلته في العربية، نحو: brunch فَطَرْغَد (الفطور والغداء)، و: smog الضَّبْخَن(71) (الضباب والدخان) و: libocedrus لُبْأَرز (لبنان وأَرْز) اسماً لشجرٍ من الصنوبريات(72).
4- النّحت من أسماء المقادير (أي: المقاييس والمكاييل والمساحات والأوزان): ومعظمها دخيل في العربية كالمتر والميل واللِّتر والإردب والهكتار والآر والكيلو والرّطل والقنطار والغرام. فمن المنحوت منها: العَشْرَغ decagram (أي: عشرة غرامات)، و: العَشْرَل decaliter (عشرة لترات)، و: العَشْرَم decameter (عشرة أمتار)، و: العَشْرَر decaare (عشرة آرات). أمّا صيغ أجزائها فهي على الترتيب: العُشْرُغ decigram (عُشْر الغرام)، و: العُشْرُل deciliter (عُشْر اللتر)، و: العُشْرُم decimeter (عُشْر المتر)، و: العُشْرُر deciare (عُشْر الآر)(73).
والخلاف في الأخذ بالنّحت في العربية المعاصرة مماثل للخلاف في قبول التركيب المزجي، لأنهما متشابهان – كما بيّنا- في كيفية بنائهما. فقد رأى بعض الباحثين أن النّحت يمكنه أن يُسهم في نقل هذا السّيل الذي لا ينقطع من مصطلحات العلوم وألفاظ الحضارة إلى العربية، على أن تُراعى في صوغه شروط، أهمّها: أن يكون المنحوت منسجم الحروف، وعلى وزن من أوزان العربية، وأن يؤدّي حاجات اللغة من إفراد وتثنية ونسب وإعراب(74). وعارض آخرون اللجوء إليه محتجين بأنه – لقلّته في العربية قديماً- سماعيٌّ لا قياسي، وبأنه يستغلق على الفهم لغموض أصله، ورأوا أن الوسائل الأخرى كالاشتقاق والمجاز والترجمة تغني عنه، "فلا حاجة بنا- إذاً- إليه لأن علماء العصر العباسي مع كل احتياجاتهم إلى ألفاظ جديدة لم ينحتوا كلمة علمية واحدة"(75)، ولأن النّحت –عندهم- يشوّه كلم العربية(76).
وما كان لمجمع اللغة العربية في القاهرة – وهو المؤسسة اللغوية العُليا في الوطن العربي- أن يبقى بعيداً عن بحث هذه المسألة؛ فشغل نفسه بها طـوال ثلاثة عقـود اشتدَّ خلالها الخلاف بين الراغبين في استعمال النّحت والرافضين له(77). وكانت البداية بُعيد تأسيس المجمع في الدّورتين الأولى عام 1934 والثانية عام 1935. ثم عُرض على مؤتمر المجمع في دورته الرابعة عشرة عام 1948 تقريرٌ أعدّته لجنة الأصول مصحوباً بمنحوتات وضعتها لجنة الكيمياء والطبيعة، فانتهى المؤتمر إلى الموافقة على جواز النحت عندما تُلجئ إليه الضرورة العلمية. ثم قُدّم إلى مؤتمر المجمع في دورته الثالثة والعشرين عام 1957، بحثٌ ذكر فيه صاحبه(78) أن المصطلح العلمي الأجنبي ينبغي أن يقابله مصطلحٌ من كلمة عربية واحدة، فإذا لم يتيسّر ذلك فإمّا أن يُعرَّب المصطلح وإمّا أن يُعرَّف أو يُوصف بكلمتين أو أكثر، وأحسن من ذلك – عنده- أن يُنحت من تعريف المصطلح أو وصفه أو ترجمته كلمةٌ مفردة مستساغة، وذيّل البحث بمنحوتات في الطبّ تشرح طريقته في النّحت، فأُحيل البحث والمنحوتات إلى لجنتي الأصول والطب. وعاد المجمع إلى النظر في المسألة في دورته الحادية والثلاثين عام 1965، فراجعت لجنة الأصول الملفّ كله، وأوصت في تقريرها بإجازة النّحت وفقاً لضوابط وضعتها له. وهكذا أصدر المجمع قراراً "يجيز أن يُنحت من كلمتين أو أكثر اسمٌ أو فعلٌ عند الحاجة، على أن يُراعى –ما أمكن- استخدام الأصلي من الحروف دون الزّوائد؛ فإن كان المنحوت اسماً اُشترط أن يكون على وزن عربي والوصف منه بإضافة ياء النّسب، وإن كان فعلاً كان على وزن فَعْلَلَ إلا إذا اقتضت غير ذلك الضرورة، وذلك جرياً على ما ورد من الكلمات المنحوتة"(79).
فإذا كان المراد في قرار المجمع أنواع النّحت التي أوردناها، فإنّ تتبّع الاستعمال اللغوي يُظهر أن العربية المعاصرة لم تتقبّل سوى أمثلة قليلة منه، نحو: "مجوقل" و "نقحرة" و "كهرمائيّ" و "كهرطيسي"، بالرّغم من موافقة معظم المنحوتات للضوابط المحدّدة في القرار. أمّا إذا كان المراد النّحت من الألفاظ العربية بعيداً عن التأثّر بالترجمة، فإنّنا لا نكاد نجد منه إلا منحوتات معدودات، نحو: "دَرْعميّ" لخرّيج كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، و"فصعميّة" نحتاً من الفصيحة والعامية، و: "مَسْرواية" الذي نحته توفيق الحكيم ليصف به مؤلَّفه "بنك القلق" لأنّه يمزج فيه المسرحية والرواية، و"طحاسنة" وقد ذكره أنور الجندي- في كتابه "اللغة العربية بين حماتها وخصومها" -وصفاً لمريدي طه حسين، و"فقلغيّة" الذي صاغه محمد عبد الجواد -محقّق كتاب "المسلسل في غريب لغة العرب" لأبي الطاهر التميمي - لما يتّصل بفقه اللغة. ولكن هذه المنحوتات – ما عدا أوّلها- غير متداولة، وأغلب الظنّ أن شيوعه يرجع إلى أسباب ثقافية، إذ ظلّ الأزهريون والدّرعميون طوال عقودٍ من السّنين يمثّلون نظامي التعليم القديم والجديد في مصر، فساعدت المقابلة المستمرّة بينهما – وكذلك خفّته وانسجام حروفه- على تداول هذا المنحوت.
ويبدو أن عدم تقبّل النّحت يرجع إلى أمرين؛ أحدهما: أن النّحت يؤدّي –غالباً- إلى غموض الأصول المنحوت منها ممّا يجعل المعنى مستغلقاً، فأنّى للمرء أن يهتدي إلى الأصول والمعاني لأسماء كالرّكمجة والسّرنمة والرّجصفة والصلكلة والعَشْرَغ والعَشْرمَ والعَشْرَل؛ وأفعالٍ مثل: زَغْنَطَ ونَزْكرَ وسَرْنَمَ وصَلْكَلَ؟، والآخر: أن النّحت في بعض المنحوتات يجعلها شبيهة بالمركّب المزجي الذي لم تستسغه العربية أيضاً. ومن الواضح أن العربيّ يفضّل أن يقول: خارق للطبيعة، و: ثنائي اللّون، و: واقع خارج القلب - بالرّغم من طولها- على أن يختزلها بالنّحت إلى: فَوْ طبيعيّ، و: ثنْلوني، و: خاقلبيّ. وهكذا أدرك المتحمّسون للنّحت من المشتغلين بالعلوم والترجمة بعد زهاء قرنٍ من الجدال النّظري وصوغ المنحوتات بطرق شتّى، صحّة الرأي القائل "إن ترجمة الكلمة الأعجمية بكلمتين عربيتين كثيراً ما تكون أصلح وأدلّ على المعنى من نحت كلمة عربية واحدة يمجّها الذوق ويستغلق فيها المعنى"(80). ومن أقوى الأدلّة على ذلك أن المعجم الطبّي الموحّد -وهو معجم عربي ثلاثي اللغات أنجزه باحثون من سبع دول عربية من المشرق والمغرب بتكليف من اتحاد الأطباء العرب- "لم يلجأ إلى النحت أو التركيب إلاّ فيما ندر، كأن تكون الكلمة قد شاع استعمالها أو تكون اللفظة مقبولة مفهومة، أو في النّسبة، مع اتّباع القواعد والضوابط المقرّرة"(81)، ولذا لا نجد فيه المنحوتات: زهرج و: سرنمة و: ثنبطني و: فوبنفسجيّ و: كريضة و: صلكلة، بل يقابلها فيه على الترتيب: نزع الهيدروجين و: سَيْرنوميّ و: ذو بطنين، و: فوق البنفسجيّ، و: كريّة بيضاء، و: استئصال الكلية.
غير أنّ قلّة المنحوت- مِن الأنواع التي ذكرناها –في العربية المعاصرة ليست مؤشّراً على انصرافها عن النّحت انصرافاً تاماً، وبرهان ذلك أنها تقبّلت نوعين آخرين منه هما المنحوت الأعجميّ المُعَرَّب والنّحت الاستهلالي.
فأمّا أوّلهما فهو نقل المنحوت في لغة أجنبية نقلاً حرفياً إلى العربية، ومن أمثلته الشائعة: الأكسيد oxide (من: oxys + acide)، و: الترانزستور transistor (من: resistor + transfer)، و: الإنتربول interpol (من: international + police)(82)، و: التليثون telethon (من: television + marathon)(83)، و: التِّلكس telex (من: teleprinter + exhchange)، و: الإنترفون interphone (من: intercommunication + telephone)، و: الجيوبوليتيكية(84) geopolitical (من: geography + politices), و: الإنترنت (من interconnected + network).
وأمّا النّحت الاستهلالي(85)، فهو مصطلح نقترحه لما يُسمّى في لغات الغرب Acronym(86)، وقد شاع فيها منذ منتصف القرن العشرين، ثم ازداد استعماله في العقود الأخيرة ازدياداً كبيراً. والمراد به نحت لفظٍ مصوغ من مجموع الحروف التي يُستهل بها عدد من الألفاظ –لا يقل عن ثلاثة- ليحلّ محلّها في الاستعمال. وينبغي قبل الكلام عليه في العربية أن نتنبّه إلى ضرورة التمييز بينه وبين ثلاث ظواهر لغوية شبيهة به، وهي:
أ- المختصرات (Abbriviations): وهي الحروف التي يستعملها المؤلّفون والمترجمون والمفهرسون، اختصاراً للألفاظ التي يكثر ورودها في ما يصنّفون على النحو الذي نجده في المعجمات والموسوعات والفهارس تجنّباً لتكرارها. ولا يخفى أن العربية عرفت ذلك قديماً كاستعمال اللغويين من مؤلّفي المعاجم الحروف: د، ة، ع، ج، م، جج اختصاراً للكلمات: بلد و: قرية و: موضع و: جمع و: معروف، و: جمع الجمع، واستعمال علماء الحديث النبوي الحروف: صح، ح، ض لبيان درجة الحديـث: أهو صحيح أم حسن أم ضعيـف(87). وليس ثمة حدّ أو شرط لاستعمال المختصرات في عصرنا هذا، إذ يكفي تواضع أهل الاختصاص عليها إذا كانت خاصةً بعلم من العلوم أو بفنٍّ من الفنون، أو تقبّل أصحاب اللّغة لها إذا كانت عامةً كي تستقرّ وتشيع، ولا تختلف العربية المعاصرة من حيث شيوع هذه الظاهرة فيها عن لغات الغرب، والمختصرات فيها ثلاثة أضرب؛ أوّلها: عربيّ خالص يماثل ما رأيناه عند القدامى، ومنه استعمال المعلّمين اليوم الحروف: ض، ل، ج، ج ج، م لتقدير درجات الطلبة في الامتحانات، فهي تعني: ضعيف ومقبول وجيّد وجيّد جداً وممتاز. وثانيها: عربيّ مأخوذ من ألفاظ معرَّبة، كاستعمال ألفاظ الأوزان والمقاييس والمكاييل فإنها في العربية –كما في غيرها- لا تكاد تُكتب إلا مختصرة، نحو: غ (غرام) و: كغ (كيلوغرام) و: م(مِتْر) و: كم (كيلومتر) و: ل(لِتْر) وهلمّ جرّا. وثالثها: معرَّب وإن كانت أصوله المختصر منها غير معرَّبة، نحو: مبيد الحشرات: دِدِتِ (DDT)، والمادة المتفجّرة: تي إن تي (TNT)، والموجة الإذاعية إف إم (FM)، وهيئة الإذاعة البريطانية: بي بي سي (BBC)، ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية: سي آي إيه (CIA)، ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي: إف بي آي (FBI)، والقرص المضغوط أو المدمج: سي دي (CD).
ب- الرّموز (Symbols): وهي ما اصطلح عليه المؤلّفون في علم من العلوم أو فنٍّ من الفنون للدلالة على معنى أو مفهوم أو شيء. وقد تكون الرموز إشارات وعلامات أو أشكالاً ورسوماً، كاستعمال الإشارات الخاصّة بالضّرب والجمع والطّرح والقسمة، واستعمال الإشارة < بين عددين للدلالة على أن أوّلهما أكبر من الآخر؛ أو الإشارة > للدلالة على العكس، واستعمال رسم النّجم *(asterisk) في اللغات الأجنبية لدلالات شتّى يحدّدها المؤلّفون. وما يهمّنا هنا أنّ الرموز قد تكون حروفاً – وهذا شائع في علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء – كاستعمال حرف السّين في العربية، وحرف x في الإنجليزية للدلالة على المجهول(88).