شوقي في ميزان العقاد
قد لا يعلم كثير من عشاق الأدب الذين لم يطَّلعوا على كتاب: "شوقي شاعر العصر الحديث" للأديب الشهير البروفسور شوقي ضيف؛ أن للعقاد ـ وزميليه عبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني ـ رأيًا قاسيًا في شاعرية أمير الشعراء شوقي ألمع شعراء جيله باعتبارهم دعاة تجديد، وحملة لواء المدرسة الغربية في الشعر والنقد، وذلك قبل أن ينقلب المازني على شكري وشعره. بينما كان شوقي في نظرهم شاعر يرسف في قيد القديم، ويقف نظمه عند حد المديح والمناسبات ووصف المخترعات ولا ينفذ إلى عمق النفس والحياة الإنسانية، ولم يكن عميد الأدب العربي طه حسين بعيدًا عن رمي السهام التي وخزت شعر شوقي وإن كانت أقل حدة وألمًا .. وانبرى نقاد آخرون للدفاع عن شوقي بحرارة شديدة، وتأججت بذلك الساحة الأدبية بين المحافظين ودعاة والتجديد، وبين من استلُّوا سيوفهم في وجه شوقي والمدافعين عنه.. ورأت الفئة الثانية التي تدعوا إلى تأصيل الأدب مع الإفادة من غيره من الآداب ـ ومن بينهم مصطفى صادق الرافعي ـ أن تقويم العقاد لشاعرية شوقي تجاوزت ميزان الإنصاف، وخرجت عن النقد الموضوعي بمعاييره المتعارف عليها وتحوَّلت إلى نوع من التجنِّي والتجريح الصارخ، وقال بعضهم ما تدفَّق من مداد قلم العقاد كالموج الهادر في تقويم شوقي؛ أملته دوافع ومنطلقات شخصية، وأدخله في مشاعر الغل والحسد، لأنه ليس ثمة مبرر لهذا الهجوم الكاسح الذي جرَّد الشاعر من أي قدرة على النظم الشفيف الرصين.
واستعر أوار المعركة بين الجانبين، معركة اتصفت بالتحزب والتعصب، ولم تعرف التوسط، فقد كانت ـ كما يقول البروفسور شوقي ضيف ـ غلو في المدح وغلو في الذم، وليس ثمة اعتدال في التناول والتقويم والنقد.. وألف العقد والمازني كتابًا في حلقتين أسمياه (الديوان) خصّّصا حلقته الأولي لشوقي وشكري والثانية لشوقي والمنفلوطي.
ومما يدخل في النقد القاسي والمقذع للعقاد ضد شوقي ما أوردة الدكتور ضيف، ونقتبس منه الفقرة التالية: "اعلم أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعدِّدها ويحصي أشكالها وألوانها، وأن ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ما هو، ويكشف عن لبابه وصلة الحياة به..." وقال عن القصيدة التي ألقان أمير الشعراء في مهرجان تكريمه مستهلاَّ فاتحتها بوصف الربيع: "ولندع من الأبيات ما يطابق نداء الباعة في الأسواق بالورد الجميل والفل العجب والتمرحنَّا روايح الجنة، ولننظر ما بقب فيها من دلائل الإحساس بالربيع والامتزاج بالطبيعة....." ويضيف في آخر هذه الفقرة اللاذعة: ".... فلا حسَّ هنا بالطبيعة، ولا ذوق للفن ولا علم بالتاريخ. فإن كان ثمَّ إمارة (كذَّابة) في الدنيا فهي إمارة هذا الذي لا يكفيه أن يُعدَّ شاعرًا حتى يُعدَّ أمير الشعراء..."!!
وإنصافًا لشوقي يقول مؤلف الكتاب الدكتور شوقي ضيف: "... وجد شوقي في سلفه محمود سامي البارودي القدوة المثلى لعمل الشعر الجزل الرصين، وبناء القصائد بناءً محكمًا متماسكًا حتى لكأنَّ القصيدة عمارة باذخة. وأوتي شوقي من حلاوة موسيقاه وعذوبتها مع روعتها وفخامتها ما جعلنا نشبه آياته الكبرى منها بالسمفونيات الخالدة. وموسيقى شوقي في شعره هي لبَّ إبداعه، وبها كان يظفر دائمًا بخصومه، فقد كانوا يحاولون أن يردُّوا الناس عنه، فكانوا يعرضون عنهم وينصرفون عن نقدهم ويتهافتون على شعره كما يتهافت الفراش على النار. ولا تزال أشعار شوقي ترنُّ في آذان العرب، ولا يزالون ينجذبون إليها وكأنها مغناطيس العصر الشعري، فهي مفزع قلوبهم ومهوى أفئدتهم. وبجانب هذه الموسيقى نجد الخيال المتألق الذي يعرف كيف يلتقط الصور البعيدة، وكيف يملأ علينا الدنيا بأشباحه وأوهامه، والموسيقى والخيال الحالم هما أهم المكونات لشعر شوقي وصناعته".
ورغم أن العقاد كان قمة في الأدب؛ إلا أن الشطط كان واضحًا في قلمه الذي استنَّه لهدم شاعرية شوقي، نقدٌ شرس وعنيف، غير أن شوقي لم يلج هذه الساحة ليذُبَّ عن نفسه هذا التيار الكاسح من الهجوم؛ بل استمر في عطائه الشعري الجزل اللطيف مستجيبًا لوجدانياته الجياشة ولجبلِّة الإلهام والشاعرية التي تسرى في داخلها سريان الكهرباء في أنابيبها، وقد نفعه هذا النقد وجعله يتجاوب مع دعوة التجديد والانفعال بهموم الوطن والمواطنين، فأخرج من كنانته شعرًا رصينًا وقصائد خالدة تجري على ألسنة عشاق الشعر العربي، وتدخل ضمن مناهج الأدب في مدارس الدول العربية.
إبراهيم الصافي (الزعيم)