عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-17-2015 - 09:57 AM ]


يتبع :
في عام 1992 توفى آخرُ ناطق باللغة Ubykhin في تركيا وهو السيد Tefvik Esenc وقبل ذلك بثلاثة أعوام رحلت عن هذه الفانية آخرُ متكلمة باللغة Kamassin وهي Klavdia Potnikova وفي العام 1974 توفى Ned Maddrell آخر متحدث بلغة Manksin في الجزر البريطانية، وكذلك الأسترالي Arthur Bennett الذي كان يَعرف، إلى حدّ ما، اللغة Mbabaram وكذلك الأمر بالنسبة للسيدة ماري من ألاسْكا، (Marie Smith, 1918-2008)، ولغتها Eyakintiaani، والسيدة Elizabeth Gravelle من جنوب غرب كندا ولغتها Ktunaxa التي تحتوي على أصوات حلقية (gutturals). وفي أفغانستان لغة Tirahi يتحدثها مائة شخص فقط وفي وسط سيبيريا لغة باسم Ket وهي في طور الاحتضار وتعتبر قواعدها من أعقد قواعد اللغات التي وثّقها اللغويون وفي أرمينيا Lomavren التي يتكلمها خمسون شخصا فقط ولغة شاميكورو/شاميكولو في منطقة لاغوناس في دولة پيرو يتحدثها ثمانية أشخاص. يذكر أن ظ¢ظ¨ظھ من لغات العالم يتكلم بكل واحدة منها أقلّ من ألف شخص. وللراغب في المزيد حول اللغات المهددة بالانقراض تصفّح أطلس اللغات الذي نشرته منظمة اليونسكو.
يُذكر أن مواطني ألاسكا قد تحدثوا بأكثرَ من عشرين لغة واليومَ يتعلم الأطفال اثنتين فقط. وفي ولاية مونتانا الأمريكية لغة باسم “جروس فينتري” وعدد متحدثيها عشرة من المسنين فقط، ولغة “مينوموتي” في ولاية ويسكونسين يتحدثها خمسة وثلاثون شخصا. وهناك لغة باسم “نوشو”، لغة النساء الوحيدة في العالم، كانت قد ظ±نقرضت مؤخرا في أعقاب وفاة آخر ناطقة مسنّة بها في الصين يانغ هوآنيي، والطريف أن كل ما دُوّن بهذه اللغة كان مصيره الحرق تمشيا مع عقيدة تلك الجماعة. الملاحظ من هذا كله انعدام أي قاسم مشترك بين هؤلاء الأشخاص وما مثّلوا من لغات وثقافات، كل واحد منهم انتمى إلى بقعة جغرافية بعيدة عن موطن الآخر. بالرغم من كل هذا، يمكن القول إن القاسم المشترك الوحيدَ الذي يجمعهم هو اندثارُ لغاتهم ثم ثقافتهم بعد رحيلهم عن هذه الأرض، انفراط الحلقة الأخيرة من السلسلة، ذهب الأصل ولم يخلّف فرعا. نذكر من ناحية أخرى، أن هناك بعض المحاولات أحيانا للحفاظ على لغات معينة مثل “ليفونيان” في لاتع¤يا حيث يقوم الشباب بجهود ملحوظة بهذا المجال وقل الأمر نفسه بالنسبة للوضع اللغوي في كندا.
كيف من الممكن للغة ما أن تموت، فالبشر لا ينقطعون عن الكلام، إلا أن السؤال الجوهري: الكلام بأية لغة؟ من عوامل اندثار اللغات حروب إبادة وكوارث طبيعية كما جرى لشعوب الكاريبي خلال عقد من السنين بعد زمن الرحالة الإيطالي، كريستوفر كولومبس (1451-1506)، إلا أن مثل هذه الحالات تكون نادرة. هكذا في إثر اندحار العرب في الأندلس بعد قرابة ثمانية قرون من الحُكم، انقرضت عربيتُهم هناك؛ وفي جنوب السودان مثلا ظهرت عربية “جوبا” وفي جزيرة مالطا تحوّلت عربيتها إلى لغة أوروبية. وفي عصرنا الحاضر حلّت الإنجليزية محل الإيرلندية في شمال إيرلندا وتهدّد الآن الولشية والجالية في أسكتلندا. عادة ما يكون سبب الموت ناتجا عن عواملَ داخلية أو خارجية، احتلال أو حلول لغة ما تدريجيا مكان لغة أخرى لأسباب اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو نفسية. مثال على ذلك لغة “كشوا” في أمريكا الجنوبية التي يتحدثها نحو ثمانية ملايين نسمة وبالرغم من ذلك فهي مرشّحة للانقراض بعد بضعة عقود، لأن الأطفال يتكلمون الإسبانية عوضا عنها. عندما نتحدث عن موت لغة ما فذلك لا يعني أنها هرمت وذبلت ووهنت وهوت أرضا جرّاء عمرها المديد، إذ أن الموت قد يحلّ بلغة حديثة العهد أيضا كما هي الحال بالنسبة للبشر. إن اندثار اللغات في كل الحالات يحدُث عندما تحتلّ لغة ما ذات هيبة ونفوذ سياسيا وظ±جتماعيا وظ±قتصاديا مكان لغة ثانية. ذلك الموت قد يكون، كما يذكر في مراجعَ معينة، إما انتحاراً وإما قتلاً، ويكون الأول عند تشابه اللغتين والثاني حين ظ±ختلافهما. في الواقع، لا خطَّ واضح المعالم دائما بين نمطي “الموت” هذين وأمامنا على المحكّ ظاهرة اجتماعية في الأساس.
إن العبرة المستفادة من مثل هذه الاندثارات اللغوية المحزنة تتمثل في أن مصير اللغات الصغيرة على وجه هذه الكرة الأرضية في طريقه إلى الزوال في عصر العولمة هذا. لا بد من التنويه بميزة معينة بالنسبة للغة “أوبيخ” في تركيا التي رحلت مع رحيل السيد توفيق إسينش المذكور سابقاً عام ظ،ظ©ظ©ظ¢ وهي كثرة الأصوات الصامتة (consonants) مقارنة بالصائتة (vowels)، يصل عدد الأولى إلى 18 أما الثانية فإلى ثلاثة فقط. وقد وُجدت في إفريقيا لغات ذات عدد أكبر من هذه الأصوات الصائتة. ومما يجدُر ذكرُه أن نحو 80% من لغات هذه القارة هي محكية فقط. وفي بعض الأقطار الإفريقية لغات كثيرة تتصارع، ففي ساحل العاج مثلا سبعون لغة وطنية ونيف تعيش حالةَ صراع كهذه. في المقابل، هناك لغات تضمّ عددا ضئيلا جدا من الأصوات كما هي الحال في بابوا-غينيا الجديدة ذات أكبر عدد من اللغات في العالم، قرابة 820 لغة، حيث نجد فيها لغة فيها خمسُ حركات وستّة أصوات صامتة، ومثل هذه اللغات معرّضة للاندثار.
يتوقّع ظ±نقراضُ قرابة 50% من لغات العالم في غضون هذا القرن، الحادي والعشرين كما أسلفنا، وعليه فباحثو اللغات على اختلاف تخصصاتهم في سباق مع عجلة الزمن المتسارعة لرصد خصائص تلك اللغات وتوثيقها. إن أستراليا مثلا، كانت قد شهدت في فترة زمنية معينة، قبل الاحتلال البريطاني عام ظ،ظ§ظ¨ظ¨، حوالي 250 لغة أصلية واليوم بقيت منها عشرون لغة ومن المحتمل في المستقبل اندثار 90% منها خلال هذا القرن و”الحبل على الجرّار”، إن لم تتم إجراءات عاجلة وفعّالة للحفاظ على بعضها على الأقلّ. لذلك هنالك مثلا “اليوم العالمي للغة الأم” المصادف في الحادي والعشرين من شباط من كل عام حيث تقام فعاليات مختلفة ترمي إلى لفت النظر لأهمية لغة الأم وسُبل الحفاظ عليها وتطويرها، إلا أن ذلك اليوم غير كاف بالمرّة. في هذه القارة بعض اللغات التي لا يتكلمها أكثرُ من مائة شخص. وتحتلّ القارة الأمريكية الشماليةُ المركزَ الثاني من حيثُ عددُ اللغات الأصلية المندثرة أو الآيلة إلى الأفول فالزوال، حيث يقدّر عددها بحوالي 80%. كان لدى الهنود الحمر في أمريكا، على سبيل المثال، أكثر من 175 لغةً بقي منها عشرون فقط. ولم يتبق منها، في الواقع، سوى خمس لغات يصل عدد ناطقيها إلى عشرة آلاف فقط. أما في كندا فالوضع لا يختلف كثيرا، إذ أنه من ضمن ستين لغة أصلية لم يبق إلا خمس لغات ما زالت حية تُرزق. أما في القارة السوداء فيصل عدد اللغات التي ولّت أربعا وخمسين وعدد التي في دائرة خطر الاندثار مائة وستّ عشرة لغة. يلاحظ أن اللغاتِ المهددةَ بالاندثار تعاني من ضعف في النقل منها وإليها خاصة إذ ما أخذنا بالحسبان أن 40% من المؤلَّفات المترجمة في العالم هي من اللغة الإنجليزية الأمريكية. وصف الكثيرون القرن المنصرم بـ “القرن الأمريكي” وكل الدلائل الراهنة تشير إلى استمراره حتى يوم الناس هذا. الجدير بالذكر أن ظاهرة الاندثار اللغوي تحدث عادة لدى شعوب فقيرة وغير متقدمة وهي بأمس حاجة لمواردها الثقافية للبقاء.
غني عن البيان أن هذه الأرقام هي، في واقع الأمر، تخمينية، إذ أننا ما زلنا بعيدين جدا عن مرحلة معرفة حقيقية ودقيقة للغات العالم. في جمهورية پاپوا غينيا الجديدة مثلا، الواقعة شمالي أستراليا والتي استقلت عام 1975 وفيها حوالي أربعة ملايين من السكان، يوجد قرابة 800 لغة لا يعرف العالِم اللغوي المعاصر عنها بصورة تفصيلية أكثر من اثنتي عشرة لغة. أضف إلى ذلك أنه من العُسر بمكان تخمين مدى قابلية لغة معينة على الحياة. ففي العام 1905 كان عدد الناطقين بلغة “البريتون” في الشمال الغربي من فرنسا حوالي مليون وربع المليون والآن، بعد قرن من الزمان، ظ±نخفض العدد إلى ربع مليون نتيجة إحجام الأجيال الجديدة عن ممارسة هذه اللغة. من ناحية أخرى، نرى أن الوضع اللغوي في آيسلندا مثلاً أكثر أماناً وغير مرشّح للتغيير الجذري وذلك لأن اللغة تنتقل عبر الأجيال رغم التأثير الأمريكي وهي على ألسنة الجميع حية عفوية وقل الأمر ذاته بالنسبة للغة الفنلندية التي يتكلمها قرابة الستة ملايين إنسان.
من الملاحظ أن القسم الأكبر من لغات العالم المعروفة تنهج في بنيتها النحوية هذا النمط: الفاعل فالفعل فالمفعول به مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية الحديثة المكتوبة والمنطوقة: الطالب قرأ كتابا. في بعض اللغات الأخرى كاليابانية نظام الجملة العادي هو: الفاعل فالمفعول فالفعل. وفي نسبة ضئيلة من لغات العالم تصل إلى قرابة 10% نجد أن تركيب الجملة العادي هو: الفعل فالمفعول فالفاعل كما هي الحال في بعض اللهجات العربية الحديثة في بعض الأحيان مثل اللهجة الفلسطينية: أكل الأكل موسى. وقد ظ±عتقد في البحث اللغوي المقارن أنه من غير الجائز وجود لغات يكون فيها تركيب الجملة: مفعول به ففاعل ففعل كما هي الحال في لغة الهنود الهكسكَرْبَنا في أدغال الأمازون والقبائل المحيطة بهم فقط. هناك من اللغويين المعاصرين من يعتقد أن موجة ظ±لانقراض اللغوي آنف الذكر ستجتاح مجموعة اللغات الأكثر تعقيدا لدى الجنس البشري. أضف إلى ذلك أن هذه اللغات ذات السمات الخاصّة والمعقّدة شبيهة باللغة المهنية الدارجة في هندسة الحاسوب وعلم الوراثة. في المقابل يمكن القول إن اللغات العالمية كالإنجليزية التي تتحدثها أعداد كبيرة من الناس المنتمين لثقافات مختلفة تتّسم بالبساطة واليُسر في نحوها وصرفها.
ظاهرة اندثار لغة بشرية ما، لا تعني زوالَ مفردات رائعة وصيغ متباينة وتراكيب وأنماط نحوية خاصّة فحسب، بل وتراث ثقافي معين وفلسفة حياة. ضياع لغة ما يعني ضياع نافذة معينة على العقل البشري وزوال التعدد اللغوي يؤول إلى زوال التعدد العقلي إذ أن الثقافة تتأثّر باللغة وتؤثر في التفكير. نعم اندثار لغة ما يعني اندثار فكر وانتماء قومي وروحي وتضعضع هوية راسخة لدى الفرد والجماعة على حدّ سواء وفقدان الشعور بالقيمة الذاتية. إذ أن وراء قبيلة صغيرة مثلا هنالك تاريخ طويل من التراث يمتدّ لآلاف السنين من التكيف للمنطقة التي كانت تعيش فيها بخصوص الثروتين الحيوانية والنباتية وكذلك الظواهر الطبيعية. في أستراليا مثلا توجد قبيلة باسم Dyirbal تمكّن أبناؤها في الستينات من القرن العشرين التعرّف على أسماء ما يربو عن 600 صنف من النباتات، في حين أن هذه المعرفة قد تبخّرت لدى الجيل الجديد في أواخر القرن المذكور. إذا قارنّا الوضع في أيامنا هذه لدى أبناء المدن خاصة في الدول العربية فقد لا يعرف العربي العادي أسماءً بعدد أصابع اليدين من النباتات البرية الموجودة في بلاده. والأمر نفسه ينسحب بالنسبة للمواطنين في جزيرة تاهيتي حيث نسوا الكثير الكثير من أسماء الأسماك التي عرفها أجدادُهم.
السؤال الذي يطرح نفسه هو علاقة الثقافة باللغة، هل اندثار اللغة يؤدي في خاتمة المطاف إلى اندثار ثقافتها؟ أهناك ثقافة بدون لغة؟ أليست “الوردة” هي نفسها في أية لغة كانت كما قال وليم شكسبير (1564-1616)؟ الجواب الذي يمكن إعطاؤه ليس يسيرا، اللغة، أية لغة آدمية، تسعى لتبويب الأشياء وترتيبها وتعريفها، وفي كل ثقافة نظام للتصنيف والتبويب للواقع والحياة تعكسها اللغة. في العديد من اللغات البولينيزية في المحيط الهادىء، على سبيل المثال، تصنّف الأشياء بناء على أصحابها أو مالكيها إلى مجموعات متغيرة وغير متغيرة، أي بين الثابت والمتغير. في ولاية هاواي في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، الأرض والوالدان وأعضاء الجسم غير متغيرة في حين أن الأزواج والزوجات والأولاد قابلون للتبديل لتوفّر إمكانية الاختيار. هذا التقسيم الثنائي بين الثابت والمتغيّر يتخلّل كافة الأنماط والمستويات وصورة العالم في الثقافة في هاواي. في الوقت الراهن حيث لا يعرف الجيل الجديد لغته حقَّ المعرفة نرى أن الناس قد نسوا أية أمور تندرج تحت “المتغير” وأيّها تحت “الثابت”. ما يبقى، في الواقع، ما هو إلا ظلال باهتة لتلك اللغة والثقافة في غابر الأيام. في اللغة العربية، كما هو معروف، ينقسم العالم إلى قسمين من حيث التذكير والتأنيثُ (وهناك التخنيث، إن جاز التعبير هنا بمعنى مذكر ومؤنث) ومن حيثُ العاقلُ وغير العاقل في حين أن هذه اللغة تقسّم العدد إلى ثلاثة أقسام، مفرد ومثنى وجمع (وفي الجمع جموع وأقسام).
في البداية، كانت هناك لغات لا حصرَ لها وهيمنة اللغة الواحدة تاريخيا هي ظاهرة حديثة العهد. هناك من يرى أنّ ظ±ندثار اللغات ليس أمرا مُقلقا إذ أن انتشار اللغة الإنكليزية مثلا على حساب لغات أخرى أمر مرغوب فيه إذ أنه يتمخّض عنه استمرار العالم. وكلما تزايد عدد اللغات المحكية كلما صعُب على الإنسان فهمُ أخيه الإنسان وغدا العالَمُ أقلَّ تناسقا وتناغما. على ضوء قصة العهد القديم كان العالم قبل برج بابل واحدا ذا لغة واحدة وبعد ذلك حاول بنو آدم بناء مدينة وبرج رأسه إلى السماء وأغضبوا الخالق بذلك وعليه عاقبهم الربّ قائلا “هلمّ نهبِط ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضُهم لغةَ بعض (سفر التكوين 7:11). بعبارة ثانية، لغات العالم هي نتيجة عقاب الله هذا. ويرى علم اللغة الحديث في النظرية القائلة بأن العالم القديم كان أحاديَّ اللغة بمثابة أسطورة ثقافية، إذ كان المجتمع البشري متعددَ الألسن منذ البدء. في مقدور العقل البشري وبيُسر السيطرة على أربع لغات أو خمس إذا تعلّمها منذ نعومة أظفار الطفل حيث يكون النظام اللغوي في المخ الأقوى في السنوات القليلة الأولى من حياته.
يتبع :


رد مع اقتباس