إطلالةٌ على ظاهرةِ انْقراض اللغات ومنها العربية
د.حسيب شحادة
د.حسيب شحادة
إطلالةٌ على ظاهرةِ انْقراض اللغات ومنها العربية
حسيب شحادة
جامعة هلسنكي
خلاصة:
هذه محاولة لتسليط الضوء على ظاهرة قديمة اسمها انقراض (اندثار، موت) اللغات ونادراً ما يعرف القارىء العربي عنها شيئا ذا بال. يعود اهتمامي بهذه التيمة إلى عقد من الزمان تقريبا، إثر مطالعتي لمقالة قصيرة بالفنلندية. شهدت نهاية القرن الماضي اهتماما عالميا ملحوظا بهذه الظاهرة نتيجة لوتيرة اندثار اللغات المتسارعة، موت لغة كل أسبوعين. هذا يعني أن نصف لغات العالم، ظ£ظ¥ظ*ظ* لغة، ستندثر حتى نهاية القرن الحالي.
طرحت في هذه المقالة مجموعة من الأسئلة والمواضيع ونوقشت في خلال فترات متنوعة بناء على مصادر أجنبية ذكرت في النهاية لمن يودّ الاستزادة والتخصص في هذا المجال. ما تعريف اللغة المنقرضة؟ ما هي العوامل الداخلية والخارجية المؤدية لهذا الانقراض؟ قد يكون لهذا الانقراض نفس نتيجة الانتحار أو القتل وهو بمثابة إفقار حضارة عمرها قرون. من المحزن التنويه أن هذا الانقراض يحدث عادة للدول الفقيرة والنامية والتي تكون في أمسّ الحاجة لمواردها الثقافية وعلى رأسها اللغة من أجل البقاء. أتينا بقائمة مختارة من اللغات المحتضرة. لماذا يتوقف استعمال لغة معينة أو لماذا يهجرها متحدثوها الأصليون ويتحدثون بلغة أخرى، كما هي الحال لدى العرب الفلسطينيين في إسرائيل؟ أين التهديد الشديد بالاندثار؟ما العمل من أجل الحفاظ على هذه اللغات؟ هل إحياء اللغة ممكن؟ ما دور نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية في غضون القرون الماضية؟ أهنالك علاقة بين اندثار لغة ما وبنيتها النحوية _ فاعل ففعل فمفعول به؛ فاعل فمفعول به ففعل؛ فعل فمفعول به ففاعل؛ ومفعول به ففاعل ففعل؟ أو هل ثمة صلة بين التعقيد اللغوي والانقراض؟ ما المقصود من التوازن اللغوي؟ ما مصير اللغة العربية المعيارية، مثلا بعد نضوب النفط العربي؟ما طبيعة العربية الفلسطينية في إسرائيل في نهاية هذا القرن فيما إذا استمرت موجة العبرنة والتعبرن؟
تعريف اللغة المنقرضة:
إن أوضحَ ميزة فارقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة هي اللغة، شجرة نسب الأمم، وقد عُرِّف الإنسانُ في حقبة تاريخية معينة بـ “الإنسان المفكّر، الحيوان الناطق” (ابن رشد، ظ،ظ©ظ©ظ¤، ص. 92). من قبيل المستحيلات تصوّر إمكانية التعبير عن فكر ما بدقّة وشمولية وعمق دون اللجوء إلى الكلمات. تُعتبر اللغةُ أروع أداة ظ±خترعها الإنسان (ما زال هنالك من يذهب إلى أن اللغة من صنع إلاهي، إلهام لا اصطلاح) قبل مليون سنة تقريبا وبدء بالكتابة بها قبل خمسة آلاف عام. يُعرِّف اللغويون عادة "اللغة المنقرضة" بأنها تلك التي يتكلمها أقلُّ من ألف إنسان. تواجه معظمُ لغات العالم في عصر العولمة ضغطا شديدا بسبب هيمنة العولمة واللغات العالمية الأساسية، الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية. 97% من سكان العالم الموزّعين على أكثر من مائتي دولة مستقلة يتكلمون 4% فقط من اللغات و96% منها لا يتكلمها سوى 3% من سكّان المعمور. كل أسبوعين تندثر لغة وذلك إثر فترة من الذبول جرّاء وفاة آخر ناطقيها. في غضون القرون الخمسة الأخيرة اختفى نصف لغات العالم. بموت اللغة يموت نمط معيّن من الثقافة وفهم للعالم كان قد تبلور عبر القرون. هذا الموت قد يحدث تدريجيا، أو من أسفل إلى أعلى أي انحطاط اللغة لدى ناطقيها أو بالعكس من أعلى إلى أسفل أي جرّاء سياسة حكومية وقوانين دولة، وقد يكون الموت راديكاليا أي إثر عملية تطهير عرقي. أكثر حالات الموت اللغوي شيوعا هي عندما يصبح شعب ما ثنائي اللغة ويفضّل استعمال لغة الحاكم متأثرا بثقافته ثم يهمل لغة أمّه. يجمع معظم اللغويين أنه بانقضاء القرن الحادي والعشرين سيندثر قرابة نصف لغات العالم. الإنسان، سيد اللغة، لا يفقد لغته لأن الآخرين ينتزعونها منه بل لأنه ينقطع عن الاهتمام بها، أي عدم استعمالها وتطويرها. في اللغة أكثر مما يستطيع الإنسان استعماله ولذلك لها حياتها وفيها ارتفاع وهبوط دون انقطاع. تعود بدابة الاهتمام البحثي بظاهرة انقراض اللغات إلى تسعينات القرن الماضي. ظاهرة اندثار لغات أقليات تثير قلقا ملحوظا ليس في أوساط اللغويين وعلماء الإنسان فحسب بل ولدى كل من يهتمّ بحقوق الإنسان وبالهوية الثقافية في خضمّ تبلور ثقافة معولمة.
يُقدَّر عدد اللغات في العالم بقرابة سبعة آلاف وهي موزّعة بالنِّسَب التالية: في آسيا 32%، في إفريقيا 30%، في المحيط الهاديء 19%، في الأمريكيتين %15 وفي أوروبا 4%. تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيثُ عددُ الناطقين بها، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. قد يدهش القارىء العربي لغياب اللغة العربية عن هذه اللائحة إذا علمنا بأن عدد العرب يصل اليوم إلى حوالي 400 مليون، وعليه فالعربية يجب أن تتبوّأ المرتبة الثانية قبل الإنجليزية بواقع 322 مليون متحدّث وقبل الإسبانية بواقع 266 مليون ناطق بها. لا غرابةَ في الأمر إذا ما فكّر المرء قليلا بشأن المقصود من لفظة “العربية”، أهي العربية الحديثة الأدبية المعيارية (Modern Standard Arabic, MSA) أم الكم الهائل من اللهجات العربية المحلية الحديثة التي هي، في الواقع، لغةُ الأم بالنسبة للعرب. العربية الأدبية المعاصرة، كما هو معروف للجميع، ليست لغةَ أمّ طبيعية بالمفهوم العادي بالنسبة لأي إنسان عربي، والإنسان العربي هو السوري والفلسطيني والمصري واليمني والعُماني والسوداني إلخ. لا بدَّ من التنويه بأنّه لا ذِكرَ للفظة “عربي" في جوازات السفر أو الهويّات الشخصية العربية، اللهم، على الأقل، باستثناء هويّات أبناء الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، قراية المليون ونصف الملبون نسمة حتى السنوات الأخيرة الماضية. ثمّة ألفاظ فضفاضة لا طائلَ تحتها مثل "اللغة هي ديوان العرب" في حين أن العرب مفرَّقون حتى في اللغة وما قد يوحّدُ بعضَهم لغويا هو ما يسمّى بلغة بين بين، اللغة الوسطى، اللغة المشتركة، لغة المثقفين ولا توجد إحصائيات دقيقة يعوّل عليها بالنسبة لعدد أو نسبة المسيطرين على هذا النمط اللغوي العربي، الذي هو بدوره، لا يمكن تسميتُه بلغة أمّ عادية.
قبل أكثر من عقد من السنين نشرت منظمة اليونسكو، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO = The United Nations Educational, Scientific and Cultural Organisation) بحثا ذا تسعين صفحة بعنوان ”أطلس لغات العالم الموجودة في خطر الاندثار” وتأتي في المقدمة لغات في القارتين، أمريكا وأستراليا.
مما يجدُر ذكرُه أن لنسبة ضئيلة جدا من اللغات، أقل من 7%، أي حوالي خمسمائة لغة، تمثيلا معينا على الشبكة العنكبوتية. تتصدر الإنكليزية اللائحةَ بنسبة عالية جدا 68.4% فاليابانية فالألمانية فالصينية فالفرنسية فالإسبانية فالروسية فالبرتغالية فالإيطالية فالكورية الجنوبية. أما العربية فمرتبُتها أقلُّ من صفر فاصلة بعض الكسور وهذا بالرغم من أن نسبة عدد العرب تصل إلى حوالي 4.5% من سكان العالم.
هنالك أزمة ثقافية عالمية شبه خفية تتمثّل في أن نصف لغات العالم ستنقرض قبل انسلاخ هذا القرن. زد إلى ذلك أن 40% منها في وضع تهديد حقيقي للاندثار، لأن عددََ الأولاد المتحدّثين بتلك اللغات في تناقص شديد ومستمر، مثال على ذلك، خمسون لغة في كاليفورنيا وبعض اللغات في إندونيسيا. يشار إلى أن المصطلح الأجنبي الذي يصف احتضار اللغة هو moribund المأخوذ من اللغة اللاتينية moribundus من الفعل mori
أي “يموت”.
نعم، تطوّر اللغات المستمرّ هو أمر حتمي وطبيعي وغالباً ما نجهل كنهَه اجتماعيا ونفسيا، بل وبعضها ينقرض أحيانا، فهي، بمعنى ما، تشبّه بالكائنات الحية كحيوانات وطيور قد انقرضت كالديناصورات والضفادع أو النباتات، إلا أنها، في واقع الأمر، عبارة عن منظومة أنماط في عقل المتكلم وسلوكه ولا وجودَ لجينات في اللغة. في البرازيل وحدها انقرضت قرابة 170 لغة بعد الاحتلال البرتغالي لها في القرن السادس عشر والذي استمرّ حتى العام 1822، أما في المكسيك، متعددة اللغات والثقافات، فقد بلغ عدد "الوفيات اللغوية" إلى 113 لغة وبقيت 12 لغةً. من هذه الكائنات الحيّة طائر الدودو، وهو بحجم الإوزّة، ينتمي إلى فصيلة الحَمام، إلا أنه لا يقوى على الطيران. وهذا الطائر، ذو المنقار الكبير والقائمتين المتينتين وفي كل منهما أربع أصابع، كان قد ظ±نقرض عام 1681. كان موطنه في جزيرة ماوريتيوس على المحيط الهندي إلى الشرق من جزيرة مدغشقر. تُستعمل لفظة الدودو، dodo في الإنجليزية المستمدّة من البرتغالية doudo بمعنى “الأحمق، المتخلّف عن العصر الحاضر، “دقّة قديمة”.
المصير ذاته كان من نصيب لغات كثيرة في الماضي البعيد، مثل معظم اللغات السامية التي تعدّ بالعشرات، مثل الأكّادية بفرعيها، الأشوري والبابلي، والأوغريتية، وجيعز-جئز، لغة الحبشة الكلاسيكية، والفينيقية وابنتها البونيقية والأمورية ولغات أخرى كالغوطية والإتروسكانية والإيبيرية والسومرية والحتية والهيروغليفة. ذاك المصير ينسحب أيضا على لغات في عصرنا هذا مثل بعض اللغات في شمال أوروبا المنتمية إلى الفصيلة الفنّو-أُچرية، Saame, Liivi, Vatja والإيدش الغربية. يصل عدد اللغات التي في رمقها الأخير إلى أكثرَ من أربعمائة وتتواجد في معظمها في منطقة المحيط الهادىء فأمريكا فإفريقيا فآسيا فأوروبا.
ثمّة من يعتقد أن اللغة اللاتينية قد لفظت أنفاسها الأخيرة لأنها غيرُ محكية حاليا، إلا أنها في الواقع، لم تندثر بل تبدّلت بمرور الزمن وتغير ظ±سمُها إلى لغات عدّة مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية والسردينية، فكلها متحدرة من اللاتينية الأمّ. أضف إلى ذلك أنها موثقة جيدا. يحلو لبعض الباحثين تشبيه العربية الفصحى ولهجاتها الحديثة باللاتينية وبناتها رغم الاختلاف الجوهري بينهما فللعربية المعيارية مكانتها ومجالاتها وللهجات استعمالاتها اليومية. من اللغات التي في طور الاحتضار يمكن الإشارة إلى لغة تتار القرم المسلمين ولغة Gaeli في جزيرة Cape Breton الواقعة إلى الشمال الشرقي من Nova Scotia التي كانت تشكّل إحدى الولايات الأربع في دومنيون كندا. يقدّر عدد الناطقين بهذه اللغة اليوم كلغة أم بحوالي خمسمائة من المسنّين، في حين أن عددَهم في مستهلّ القرن العشرين تراوح ما بين خمسين ألفا وخمسة وسبعين ألفا. يُشار إلى أنه في عام 1890 قُدّم اقتراحٌ في البرلمان الكندي يجعل لغة چايلي لغة رسمية ثالثة في البلاد. في ذلك الوقت، تحدّث أكثرُ من ثلاثة أرباع سكّان جزيرة كيپ بريتون لغاتٍ اسكتلندية قديمة. هناك بعض الجامعات التي ما زالت تدرّس لغة الچايلي ضمن اللغات السلتية (Celtic) وهي مجموعة من اللغات الهندية-الأوروبية؛ أما في جزيرة كيپ بريتون فهناك أربع مدارسَ فقط تعلّم اللغةَ المذكورة فيها كمادّة ظ±ختيارية وهناك إمكانية لتعلّمها على الشبكة العنكبوتية. من اللغات العربية الجنوبية القديمة الآيلة للانقراض نشير إلى البطحرية (ظ¢ظ*ظ* متحدّث بها) والحرسوسية (ظ¦ظ*ظ* متحدث) والسقطرية (ظ¥ظ* ألف متحدث) والشحرية (ظ¢ظ¥ ألف متحدث) والمهرية (ظ¢ظ* ألف متحدث) والهبيوتية (ظ،ظ*ظ* متحدث). من الفوارق النحوية البارزة مثلا بين العربية والمهرية نشير إلى أسلوب النفي، ففي العربية نقول مثلا “أنا لا أعرف” أما في المهرية فيقولون “اغُورْب لا”، أي أن أداة النفي ترد في آخر الجملة ومعجميا “قال” العربية تقابلها “آمور” في المهرية.
يتبع :