وإذا كان القرآن يقول لنا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، فمن الواضح أن تغيير ما بالنفس لن يتمَّ إلا عن تغيير ما بالفكر، وبالتالي فالثقافة الإسلامية الصحيحة بمجالاتها - في التوجيه، والتربية، والأخلاق، وغرْس النـزعة الجمالية، والسلوك المنسق البناء - هي الخُطوة الأولى لإيجاد "إنسان الحضارة الإسلامية" القادر على النهوض بها في دورة جديدة للتاريخ.
إن حضارتنا تَقبل - بطبيعتها - أيَّ انفتاحٍ أو "عصرية" عقلانية في مجال الدراسات الطبيعية والكونية، وهي واثقة أن علماء الطبيعة وغيرهم لو التزَموا المنهج الموضوعي، فلن يصلوا - ولم يصلوا حتى الآن مع أنهم في القمة - إلى شيء من معطيات هذه العلوم، تستطيع أن تَهُزَّ أُسسها الفكرية.
وبالتالي، فهي ترى ضرورة الجمع بين "الثابت" (الأصالة)، و"المتغير" (نتاج الفكر)، وترى أن ما جاء في القرآن والسُّنة الصحيحة، هو هذا "الثابت" الذي تُبنى فوقه الطوابق "المتغيرة"، ولا تعارض بين الثابت المتصل بالفطرة، الممنوح ممن خلَق الخلق، ويعلم جوهرهم، وبين المتغير المحض من اجتهاد العقل البشري، الذي يتطوَّر عامًا بعد عام، وقد يُرفَض في جيلٍ ما أثبتَته أجيال كثيرة سابقة.
إن "الأصالة" شرط أساسي من شروط بقاء هُويَّتنا وكِياننا الداخلي في عالم يَعِجُّ بألوان الصراع الحضاري، كما أننا في حاجة إلى "العصرية"؛ لكي نستطيع الحياة مع أبناء هذا العصر، وبهما معًا - وممتزجين - نستطيع أن نسير في موكب التاريخ.
إن الاعتماد على ما تُقدمه الأصالة وحدها، إنما يعني الاكتفاء بالحلول المستوردة من الماضي، كما أن الاعتماد على التجارب المعاصرة، إنما يعني الاكتفاء بالحلول المستوردة من الخارج، وكلا النوعين من الاستيراد لن يكون مطابقًا لِما تحتاجه ذاتنا وظروفنا بكل أبعادها وأجزائها وتحدياتها، وبالتالي فإن استئناف حضارتنا الإسلامية في القرن الحادي والعشرين (الخامس عشر للهجرة)، يقتضي أن ننطلق من فكرٍ إسلامي أصيل، يعي جذوره الحضارية، ويعي التحديات التي يواجهها، والواقع الذي يعيشه؛ ليعبر عن الشخصية المسلمة، وعن غاياتها وأهدافها في الحضارة والتاريخ بكافة أعماقها وشمولها[1]، وهو عمل لا يصنعه فرد واحد؛ لأنه لا بد أن يكون شاملاً للجوانب الاجتماعية كلها - سياسية واقتصادية وأخلاقية - بل هو مهمة المؤسسات العلمية والإعلامية، والمفكرين الإسلاميين والحكام، بل وكل مهتم بقضية مستقبل هذه الأمة، ودورها الحضاري في التاريخ.
لقد واجه الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حضارتين انفتَحتا على الدولة الإسلامية، وقدَّمتا من التصورات والمشكلات والأوضاع والضغوط، ما كان كافيًا لأن يَهُزَّ قواعد الدولة الإسلامية الناشئة من أساسها، لكن عبقرية عمر - رضي الله عنه - وعبقرية الجيل الإسلامي الأول، وشعوره، وإيمانه بتفوُّق مبادئه، ووعْيه بدور الأصالة في تكييف المعاصرة، وضمان السيطرة عليها لا الذوبان فيها، هذا كله كان له أكبر الفضل في أن يستطيع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وجيله الراشدي تحقيقَ الانتصار الحضاري أيضًا - بعد العسكري - على الحضارات الجديدة، ونجَح المجتمع المسلم في الإفادة من إيجابيَّاتها، ونفْي سلبياتها، وتَمَّ صهر هاتين الحضارتين في الوعاء الإسلامي، وأصبحتا جزءًا من الحضارة الإسلامية.
وما فعلته الحضارة الإسلامية في موقفها من الرومان والفرس، فعلته أوروبا في أخذها من الحضارة الإسلامية حين قطَعت الجذور الإسلامية لما اقتبسَته.
ولا يتردَّد مفكر كبير كـ"أرنولد توينبـي" - خلال أبحاثه الحضارية - في الربط بين الحضارة الأوروبية والكنسية الكاثوليكية، وفي رأيه أن الحضارة عمومًا تنشأ عن الأديان؛ أي: من "الشرارة الإلهية الخلاَّقة"؛ فلماذا لا ننطلق من ديننا وأصالتنا، حاملين القرآن والعربية في يد، وكل ما نستطيع الوصول إليه من إبداع علمي وفني في اليد الأخرى؟!
إن العالم المتحضر يقوده خلاصة صفوته المثقفة، وإن هذه الصفوة لتشكِّل مؤسسات تستغل كل مُعطيات العقل الحديث، وتتمتَّع - كقيادة حضارية - بكل الإمكانات الاجتماعية التي تُمكنها من أداء دورها.
وقد فطِنت "اليابان" - بعد أن دُمِّرت في الحرب العالمية الثانية - إلى أهمية هذا الأساس في بناء الأمم، فأعطَت للمدرسين رواتبَ وُكلاء الوزارة، وصلاحيات وكلاء النيابة، ووفَّرت لهم كل إمكانيات البناء، أما طبقة "العلماء" أو "التكنوقراطيين"، فهي تتمتَّع في العالم المتقدم كله بما كانت تتمتع به أيُّ صفوة ممتازة في الحضارة السابقة؛ ولذا فليس عجبًا أن عادت اليابان خلال أقل من رُبع قرن لتُشارك في قيادة العالم، بعد أن كانت قد دُمِّرت تدميرًا شبه كامل بأسلحة أمريكا الذرية.
إن الطبقات التي تقود الفكر والأخلاق، يجب أن "تستشار" - على الأقل - بطريقة مدروسة ودائمة، وبشكل قانوني في خطوات الطريق الحضاري للأمة المسلمة، على أن تكون هذه الطبقات موثوقًا في انتمائها لعقيدة الأمة وتراثها، وعلى أن تكون من أهل الكفاية والدين، لا من أهل الثقة والدنيا.
ومن خلال الخطين المتكاملين - لا المتوازيين - أي: خط القيادة الحضارية المتمثلة في الصفوة المختارة، وخط الرعية المسؤولة أيضًا قَدْر حجمها: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيَّته))؛ (متفق عليه).
من خلال هذين الخطين المتكاملين، تتحرَّك الأمة كلها في سُلَّم الحضارة بانسجام وتآزُر.
"ولا ريب أن أعباء ومسؤوليات التوجيه والابتكار، والنظر إلى المستقبل، والتطلع إلى الأعلى - تُلقي بثِقَلها على كواهل النخبة والصفوة، وبقدر ما يكون شعور الطليعة بضخامة الأعباء مُرهقًا، وبقدر ما تواجهه النخبة بتصورات سليمة وبعقليات متفتحة، بقدر ما تتمكَّن هذه النخبة من تجاوُز المشكلات الحضارية، ومن دفْع الأمة في مجالات الرقي والتصعيد".
"وتظل الأمة والجماعة بخير، طالَما أن هذه الطليعة متفتحةُ الأُفق، مدركةٌ لحركة التطور، عارفة بطبيعة عصرها، وبأساليب الحياة المُستجدة، وعندما تبدأ هذه النخبة بالانغلاق على نفسها، أو عندما تصاب هذه الفئة أو تَفسُد، أو يقع الشِّقاق بين أفرادها - فإنها تكون قد استنفدَت أغراضها، فتَعجِز عن القيادة الراشدة"[2].
فالنخبة في ظل القاعدة البشرية التي تتجاوب معها، تستطيع أن تترجم تطلُّعات الأمة إلى واقع ملموس، كما أن القاعدة الواعية تستطيع أن تُحاسب النخبة الراشدة، وتَعصمها من أمراض الزعامة وانحرافاتها، وبالتالي تتبادل النخبة والقاعدة التأثيرَ والتأثر، وتمضي سفينة الأمة متخطِّيةً العواصف والتقلُّبات، بفضْل تماسُكها التام ووعْيها الحضاري الكامل.