الموضوع: قطوف أدبية
عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-01-2015 - 08:25 AM ]


يتبع :
و هكذا يظهر لنا بآن الرمز في الادب القديم خاصة في العصر العباسي و ما بعده حتغŒ العصر الحديث الذي يأخذ الرمز معنغŒ اصطلاحياً- يكاد ينحصر في العلوم البلاغيه خاصة علمي البيان و البديع. (21) لذلك فنشاهد بأن النقادفي هذا العصر يتکلمون عن الرمز و يبينون فروعه و أنواعه من علم البيان .فنوناً كالتشبيه و الاستعارة و الكناية و المجاز و من علم البديع: كالاكتفاء و التورية و الجناس و. . . الفنون التي ادت إلغŒ ازدياد الغموض و الإبهام في أدب هذا العصر خاصة الشعر منه .
فلما جاء عصر الوسِط كثرت مظاهر الرمز في شعر الشعراء و هم تصنعوا في أ شعارهم الصور البلاغية ،فهي في نظرهم مجال التنافس وسبيل الإبتكار و الحاذق منهم من يقع علغŒ صورة جديدة يخترعها،أو صورة يستمدها من غيره ،يزيد عليها ما يزينها و ينقص منها مايشينها و لذا تحدث البلاغيون كثيراً عن علم البيان ،أحد علوم البلاغة إذ إنه يمثل في نظرهم الأداة الاسلوبية‌ التي تنفث السحر في الصورة الجمالية التي يبدعها الشعراء ورأووا أن هذه الصورة تتجلي فيما يبرزونه فيها من ضروب القول و أفانين الكلام.
ولقد تنازع الشعراء مذاهب فنية ‌متباينة في الصناعة الشعرية التي سادت في هذا العصر و بلغت مرحلة نضجها الفني ،لكن الذي يجب أن نقف عنده و نشير إليه ،هو أن البديع طغغŒ علغŒ كل المذاهب الفنية المعاصرة، فأصبح هذا العصر يعرف بعصر البديع و ذلك هو داء العصر إن صحت هذه التسمية وقد سرت عدواه بين الشعراء، فكانت بين أيدينا دواوينهم ناطقة ، تشهد لنا فيها أ ساليبهم و مذاهبهم الفنية.
فمن أنواع فنون البديع التي راجت في هذا العصر هي التورية التي غدت هدف كل شاعر و كثرت التآليف حولها و دعاها البلاغيون بأسماء شتغŒ : منها الإيهام و التوجيه و التخيير و المغالطة و الإشارة و هي أن يؤتي بلفظ يدل علغŒ معنيين أحدهما ظاهر قريب و هو غير مقصود و ثانيها خفي بعيد و هو المراد المطلوب .( 22) كما ذكرنا آنفا كثرت وشاعت التورية و هي اهم مظهر من مظاهرة الرمزية في ذلك العصر(23) و لكن القدماء لا يأبهون بالتورية إن وقعت لهم عفواً و لكن في العصر العباسي شيأ فشيأ كثرت التورية و شاعت بين الشعراء فاستخدموها بكثرة فعقدوا صورها ،بيدأنهم لم يتخذوها مذهباًخاصاً .امافي القرنين السادس والسابع الهجريين فقط تطورت التورية و اصبحت بالتالي مذهباً شعرياخاصا وسماه النقاد الاقدمون مذهب السحر الحلال الذي يجب أن يتحلغŒ به كل شاعر و ناثر وإلاعد مقصرا عن أقرانه في حلبة‌هذا الفن البديعي.
ويمكننا أن نتبين في هذا المذهب اتجاهين : ظهراولهما في مصر علغŒ يد القاضي الفاضل (المتوفغŒ 596 ه.ق) في القرن السادس و ظهر ثانيهما في بلاد الشام علغŒ يد شرف الأنصاري (المتوفغŒ 662ه.ق) في القرن السابع وقد تتابع هذان الإتجاهان في مصر و شام في القرن الثامن ليقوم عليهما مذهب عربي واحد . فهكذا اصبحت التورية‌غرضا في ذاتها يعمل الشاعر من أجله، شعوره و فكره إذ هي تعتمد علغŒ الجهد العقلي،لكنها تبرز و قد اكتست بثوبها الرمزي الجميل.نستطيع القول بأن الشرف الانصاري طبع التورية‌ بطابع الانسجام و السهولة وهذه الصفة ميزت بين الإتجاه الشامي و الإتجاه المصري الذي طبع بطابع التكلف و التصنع في هذا الفن ، حتغŒ إذا قامت الوحدة السياسية رأينا وحدة فكرية ناضجة في القرن الثامن الهجري علغŒ يد ابن نباتة المصري . (24)
ابن نباتة أميرشعراء المشرق:
حياته:
هو جمال‌الدين محمد بن شرف الدين محمد ،من سلالة ‌عبد الرحيم ابن نباتة خطيب سيف‌الدولة المشهور و قد غلبت عليه نسبته إليه. كان ابوه وجده من شيوخ الحديث و قد ولد في الفسطاط في "زقاق القناديل" في ربيع الأول عام 686 ه.ق ـ1287م، واختلف من ترجموا له في سنة ولادته هل كانت سنة‌676ه.ق أو سنه 686ه.ق و جمهورهم يوكد أنه ولد في السنة الأخيرة.( 25)
نشاابن نباته في بيت ثري وبين أ سره ظاهرة‌ الجاه و النفوذ و في ظل أب عطوف ،أب ذاع صيته في العلم و الفضل و الادب و كثيراً ما ردّد شاعرنا الفخر بأبيه و آله و بمجد بيته. قال ابن نباتة الشعر و قد إجتاز الثالثة عشرة‌ من عمره وذلك يدل علغŒ موهبة صادقة وفطرة خالصة و إطلاع كبير.(26)
و تنقسم حياته إلغŒ ست مراحل:
المرحلة الاولي (686-706 ه.ق): ا ستمرت المرحلة الاولغŒ من حياة الشاعر عشرين عاماً نال فيها قسطا وافراً من الثقاته الدينيته والادبية و قد تأثر الشاعر منذ طفولته بالامام الكبير ابن دقيق العيد و أخذ العلم عن أ شهر أعلام العصر.
المرحلة الثانيه (707-732 ه.ق) : افتتح الشاعر كتاباً للتعليم و نظن أن الشاعر قد تزوج
فغŒ هذه المرحلة و يبدوا أنه لم يوفق في عمله التعليمي.
المرحلة الثالثه (717-732 ه.ق ) : اهم مرحلة مرّبها الشاعر ،فقد غادر مصر( سنة 716ه.ق) وتوجه إلغŒ بلاد الشام اذ ذاك في الثلاثين من عمره و اتصل الشاعر في هذه المرحلة بالملك المؤيد( المتوفي 732 ه.ق )،وقال فيه شعراً كثيراً.
المرحلة الرابعة ( 732-742 ه.ق) : تبدأ هذه المرحلة بعد وفات الملك المؤيد و خلافة ابنه الملك الافضل(المتوفغŒ742ه.ق) و هو يجري علغŒ ابن نباته راتبه الذي كان يناله كل عام، لكن الامرلم يكن علغŒ ما كان يهوي، فترك حماة بعد أن لمس من الملك الجديد زهداً في الحياة و إعرافنا عن الشعر و الشعراء و هكذا ينتهي دور الاستقرار و المجد و يبدأ دور التنقل و لكن شهرته قد بلغت قمتها في هذه المرحلة حتغŒ دعي بشاعر المشرق.
المرحلة الخامسه (743-761 ه.ق) : بدأ الشاعر في هذه المرحلة يفكر بالعودة إلغŒ مصر و لذلك رأيناه يتصل بكل من يحضر من مصر من كبار العلماء و الوزراء و الكتاب.
المرحلة السادسة الختامية (762-768 ه.ق ): بدأت برحيل ابن نباته و هو في ذروة شهرته عن أرض الشام و عودته إلغŒ مصر بعد غياب ا ستمرنصف قرن من الزمن و هكذا طويت صفحة هذا الشاعر و ذلك أنه كان مريضاً و كان يعالج في المارستان المنصوري و توفي يوم الثلاثاء السابع أو الثامن من شهر صفر سنة 686ه.ق -1366م في منزله بزقاق القناديل. (27)
آثاره :
أثار ابن نباته خلال اقامته ببلاد الشام نصف قرن من الزمن تقريباً حركة ادبية كبرغŒ كان الشاعر محورها و يمكن ان ندرس آثاره الادبيه موزعه الغŒ قسمين : الاثار الشعريه و الاثار النثريه و عددها اربعه و ثلاثون كتاباً منها:
آثاره الشعرية: الديوان الكبير ، القطر النباتي ، جلاسة القطر ، سوق الرقيق، ظرائف الزياده، مطالع السته، مختار ديوان ابن الرومي ( المتوفغŒ 283ه.ق ) مختار ديوان ابن سناء الملك ( المتوفغŒ 608 ه.ق) ، خبز الشعير ، السبعة السيارةو…….
آثاره النثرية : سجع المطوق، مطلع الفوائد ، سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، زهر المنثور، ابراز الاخبار ، المفاخره بين السيف و القلم ، المفاخرة بين الورد و النرجس، سلوك دول الملوك، تعليق الديوان، خطبة في تعظيم شهر رجب ، مرا سلات ابن نباته في مخاطبة أقرانه ……. (28)
أغراضه الشعرية :
نظم ابن نباته الشعر في أغراض كثيرة هي : 1- المدح ،2- الغزل، 3- الخمريات، 4- الرثاء،5- ابيات قليلة في الهجاء ،6- الوصف و الشكوغŒ من الحرمان و البؤس ،7- الحنين إلغŒ الوطن. (29)
اسلوبه الشعري :
يجد الدراس لشعراء العصر الوسيط اتجاهات فنية مختلفة ،أوضحها ثلاثة ،الاول: هو التجاه التقليدي الذي اتبعه كثير من الشعراء لدواع مختلفةمنها الرغبة في مجاراة القدماء و الاقتراب من المثل الادبي الأعلغŒ عندهم و منها تحصيل الدربة و الثقة‌بالنفس والاتجاه الثاني هو الاتجاه البديعي الذي غلب علغŒ شعر العصر و شارك فيه الشعراء جميعاً لآن الذوق الادبي لاهل العصر هو ذوق مترف يميل إلغŒ الزخرفة و التزيين و كانت الصنعة البديعية وسيلة لتزيين الشعر و إغناء معانيه.
و الاتجاه الثالث : هو الاتجاه الشعبي ، الذي اتضح في العصر الوسيط و نال اعتراف اهل الادب وأصبحت له اصوله و قواعده و شارك فيه أعلام الشعراء .فإن كساد سوق الشعر عند اهل الامر و الغنغŒ جعل الشعراء يتوجهون بشعرهم نحو الشعب.
وقد سارت هذه الإتجاهات معاً يجمعها شاعر واحد و ينفرد بأحدها شاعر آخر و لم تكن مستقلة متباعدة ؤ بينها حدود واضحة صارمة بل كانت تتداخل أحيانا فتظهر آثارها في النص الشعري الواحد . شارك ابن نباته في الإتجاهين التقليدي و البديعي و ترفع عن الإتجاه الشعبي وإن ظهرت آثاره في شعره. (30)

التصنع في اسلوبه :

التصنع يأتي مع هرم الحضارة ، فحين تستقر الحضارات و تنتهي من البناء و التجديد ،تلتفت إلغŒ الزخرفة و التنميق و الإهتمام بالشكليات اکثرمن الإهتمام بالحقيقه نفسها ، و قد أترفت الحضارة العربية‌،وأترف الفكر العريي ولم يعد أمام الناس إلا التصنع و تكلف شوؤن الحياة في المسكن و الملبس و الأدوات ، وأضحي الذوق المتصنع هو الذوق السائد فبلغ التكلف و التعقيد في الصنعة‌الأدبية – وهو من مظاهرالرمزية – مبلغاً كبيراً و أصبحت نصوصها المثل الاعلغŒ الذي يصبو المتاخرون إلي إحتذائه ، معتقدين أنها قمة المهارة‌و البلاغة. (31)
وكان الناس يستحسنون هذا التعقيد و يكبرون هذا التكلف و يفتنون بالصنعة ، فيطلبونها من الشعراء . وهكذا أخذت فنون البديع و البيان تزداد في هذا العصر و هذا التصنع البيانغŒ و البديعي أدت إلي الغموض و الإبهام في المعاني الشعريةو كما بينا أن الرمزية في الادب العربي القديم خاصة بعد العصر العباسي ظهرت في قالب فنون البيانية و البديعية التي كانت هو من مظاهر التعبير بشكل غير مباشر و المبهم.
و كان من شعراء هذا العصر ابن نباته الذي أقبل علغŒ الصنعة و استخدمها الكثير من ضروبها و هو يقول نفسه حول حبه الوافر إلغŒ البديع:
باب البديع فتوحكم و أنا امرؤ لا طاقة لي في البديع و لاباع (32)
الرمزية النباتية:
التوريه:
عالج ابن نباته مظاهر شتغŒ للرمزية في ا شعاره، نذكر أمثله لها:
نبدأ بالتورية و هي من اهم مظاهر الرمز في ا شعار ابن نباته حيث يقول:
فديت مؤذنا تصبو إليه بجامع جلّق منا النفوس
لقد زفّ الزمان به مليحاً تكاد بأن تعانقه العروس
(33)
كلمة ( العروس ) التي تعانق الموذن عندما زï±*فه الزمان ،يخفي المقصود منها علغŒ من لايعرف أن إحدي مآذن الجامع الأموي بدمشق تسمي مئذته العروس ، وهي المقصودة في كلام الشاعر.
و قد يتخذ ابن نباتة التورية للتعريض و الهجاء ،إتخاذاً للرثاء و المدح و الغزل و الوصف و هي تساعد علغŒ التعريض الخفي ،مثل قوله في جندي شارك في عرض الجنود:
ظننا طوله يجدي بيوم الرض أو يرضي
فلا وا… ما أجدي وراح الطول في العرض(34)
أودع ابن نباته التورية في كلمة العرض التي يظن للوهلة الأولغŒ أنه يقصد بها عكس الطول ولكنه يريد عرض الجنود الذي تحدث عنه في البيت الاول و المعنغŒ المقصود هنا بالفارسية ( رژه –سان).
فالتورية عند ابن نباته تحمل مقصده من شعره و تكثف غايته و لذلك يمهد لها تمهيدا حسناً يلتبس مراده علغŒ الناس و من ذلك قوله في رثاء الملك الا فضل:
مضغŒ‌الأفضل المرجوللبأس‌والندغŒ وصحت علغŒ رغم العداة وفاته (35)
و ما مات أو ماتت بحزن نساءه و ماتت بأحزان البلاد حماته
والتورية في هذين البيتين تكمن في كلمة (حماة) التي تعني ام الزوجه و اسم مدينة حماة حاضرة ملك الأفضل فالمعنغŒ الاول هوالذي يتبادر إلغŒ الذهن بذكر النساء و لكنه أراد ا سم المدينة و التورية تدل علغŒ ارتباط المدينة بملكها و شدة حزنها علغŒ فقده.
ومن تورياته المكررة قوله في الغزل:
بروحي‌جيرة أبقوا دموعي وقدر رحلو بقلبي و اصطباري (36)
كأنّا للمجاورة اقتمسنا فقلبي جارهم و الدمع جاري
تحدث ابن نباته عن اقتسام المجاورة علغŒ أحبابه، هم جاوروا قلبه و هو جاور دمعه ، فالمعنغŒ الظاهر لكلمة جاري هو المجاور و الذي يقصده الشاعر هو سيلان الدمع لكثرة بكائه ، فقد أتقن الشاعرالتورية و مهّد لها تمهيدا جيداً. كما قال يرثي ولداً له مات صغيراً :
ا… جارك إن دمعي جاري يا موحش الأوطان و الأوطار (37)
ففي هذا البيت جمع الشاعر التورية مع الجناس بكلمة (جاري ) فالذي يتبادر إلغŒ الذهن أنها من الجوار و هو يريد الجريان و البراعة في هذاالاستخدام أن الكلمة تصلح للمعنيين ، فدمعه يوصف بالجريان لغزارته و يوصف بالجوار لملا زمته و بين كلمتي (جارك)و(جاري)جناس تام .
الجناس:
ومن الصناعات المستخدمة في أ شعار ابن نباته صنعة الجناس و هي تشابه لفظين في النطق و اختلافهما في المعنغŒ.( 38)
قال الشاعر :
و جوانح ملئت عليك تحسرا هذا وهن إلغŒ لقاك جوانح (39)
بدأ البيت بكلمه جوانح و اختتم بها، الاولغŒ ا سم و الثانية صفة ، وهو ما يطلقون عليه
( رد العجز علغŒ الصدر) و في هذا الجناس لذة معنوية قبل أن تكون صوتية.
و قد يستخدم ابن نباتة الجناس الناقص للتاكيد في قوله:
إن خاب سائل أدمعي في حبه فلكثرة الإلحاح و الإلحاف (40)
فالإلحاف أکدت الإلحاح لأنها شدته فجاء الجناس ليؤدي مهمة معنوية و صوتية بآن واحد.


رد مع اقتباس