قل الأمر نفسه بالنسبة إلى (حلأتُ السّويق ورثأتُ زوجي واستلأمتُ الحجر ولبّأتُ بالحج). فقد حكم السيوطي على هذه الألفاظ بالغلط (85) نقلاً عن ابن جني. ثم حكم عليها في مكان آخر بالصواب (59) نقلاً عن الصحاح للجوهري. وهذا تعزيز آخر لازدواجية المعيار لدى السيوطي، وهو تعزيز يرسخ القول بافتقار السيوطي إلى موقف تطبيقي من الأغلاط اللغوية. ولئلا يعتقد أحد أن حكمي على السيوطي نابع من الأمثلة السابقة وحدها فإنني سأذكر مثالاً آخر من النثر يقود إلى الدلالة نفسها.
فقد قصر السيوطي النوع الثاني عشر من أنواع كتاب المزهر على معرفة المطرد والشاذ، وافتتحه ينص من كتاب الخصائص لابن جني (60) يضم الأنواع الأربعة للمطرد والشاذ. وكرر النص نفسه في الاقتراح (61) وفي الأشباه والنظائر في النحو (62)، ملتزماً بالأمثلة التي ساقها ابن جني، ومنها فعلاً (يذر) و(يدع) المذكوران في النوع الثاني المطرد في القياس الشاذ في الاستعمال. وقد منع ابن جني استعمال الماضي من هذين الفعلين لأن العرب لم تستعملها (63). ولم يعلق السيوطي على هذا الأمر بشيء، وهذا يشير إلى موافقته على تخطئة ماضي يذر ويدع استناداً إلى معيار السّماع. ولكن العرب، كما يقول الأستاذ سعيد الأفغاني (64)، استعملت (وذر) و(ودع). فقد قرأ عروة بن الزبير وابنه هشام الآية الكريمة )ما وَدَعَك ربك وما قلى( بالتخفيف. وورد فعل (ودع) في حديثين شريفين هما (لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات) و (إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره). كما ورد فعل (ودع) في بيت شعر منسوب لأبي الأسود الدّؤلي، هو:
ليت شعري عن خليلي ما الذي * غاله في الحب حتى ودعه
وفي بيت شعر آخر لشاعر مجهول:
وثم ودعنا آل عمرو وعامر * فرائس أطراف المثقفة السمر
وورد الفعل أيضاً في المصباح المنير للفيومي (ودعته أدعه وَدْعاً: تركته). وهذا يعني أن السيوط نقل كلام ابن جني من غير أن ينعم النظر فيه. كما يعني ذلك أن عِلم السيوطي بالعربية لا يرقى إلى المرتبة التي ادعاها لنفسه.
ويقودنا ذلك إلى أن السيوطي لا يملك موقفاً تطبيقياً من الأغلاط اللغوية لأنه يفتقر إلى معيار يستند إليه في تصويب النثر وتخطئته، وإلى المعرفة اللغوية التي تعينه على ذلك. وما من شك في أن توافر هذين الأمرين يجعله ذا رأي، ويحجب عن كتبه تباين الآراء وتناقضها.
وقد يبدو موقف السيوطي من الاحتجاج بالشعر العربي مختلفاً أوّل وهلة، ولكن فحص هذا الموقف يقود الباحث إلى النتيجة السابقة نفسها. ذلك أن الشعر الذي احتج به سابقوه على الشيء نفسه. والأبيات التي خطّأ شيئاً فيها هي الأبيات التي خطّأها سابقوه. وهذه أبيات أربعة توضح موقف السيوطي من الاحتجاج بالشعر العربي:
ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد
نقل السيوطي (65) هذا البيت من كتاب "الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس (66) على أنه غلط أبته العربية، من غير أن يوضح موضع الشاهد فيه.
سيغنيني الذي أغناك عني * فلا فقر يدوم ولا غناء
لم يكتف السيوطي بنقل هذا البيت من كتاب (المقصور والمدود) لأبي علي القالي، بل نقل معه ما ذكره أبو بكر الأنباري عن البيت، وما ساقه القالي من تعليق على كلام الأنباري، قال: "أخبرني أبو بكر الأنباري قال: أنشد بعض الناس قول الشاعر:
سيغنيني الذي أغناك عني * فلا فقر يدوم ولا غَناء
(بفتح الغين)، وقال: الغَناء: الاستغناء، ممدود، وقوله عندنا غلط من وجهين. وذلك أنه لم يروه أحد من الأئمة بفتح الغين، والشعر سبيله أن يحكى عن الأئمة كما تحكى اللغة. ولا تبطل رواية الأئمة بالتظنّي والحدس. والحجة الأخرى أن الغَناء على معنى الغنى، فهذا يبين لك غلط هذا المتقحم على خلاف الأئمة" (67).
وإنني حيثما يسري الهوى بصري * من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور
نقل السيوطي (68) هذا البيت من كتاب الخصائص لابن جني (96) على أنه شاهد على "أنك متى أشبعت ومطلت الحركة أنشأت بعدها حرفاً من جنسها" (70)
أردت لكيما أن تطير بِقرْبَتي * فتتركها شنّاً ببيداءَ بلقعِ
نقل السيوطي (71) هذا البيت من كتاب التعليقة لابن النحاس على أنه شاهد ساقه الكوفيون على جواز إظهار (أنْ) بعد (كي) (72). وذكر السيوطي تخطئة ابن الأنباري (73) هذا البيت لأن قائله مجهول غير معروف.
هذه أربعة أبيات حكم السيوطي بتخطئتها، ولكن حكمه يحتاج إلى مناقشة. فقول قيس بن زهر العبسي (ألم يأتيك) غلط كما ذكر السيوطي نقلاً عن ابن فارس، ولا يصح أن يحتج به على الفعل يُرفع بعد (لم). ولكن الغلط لا يرجع إلى مجافاة البيت سنن العربية، بل يرجع إلى أنه ضرورة شعرية ارتكبها الشاعر حين كان الشعر يُرتجل (74). والفرق بين الخروج على سنن العربية والضرورة الشعرية كبير، ولكن النحاة الكوفيين اتخذوا من البيت حجة للدلالة على إشباع الحركات. أي أنهم أرادوا أن يثبتوا قاعدة نحوية فالتمسوا لها من الشعر العربي شاهداً هو بيت قيس. ولا حاجة إلى بذل الجهد في تعليل (ألم يأتيك) كما فعل محمد محيي الدين عبد الحميد في أثناء تعليقه على البيت (75).
فالأمر لا يخرج عن أن الضرورة الشعرية القبيحة دفعت قيساً إلى إبقاء الياء وعدم حذفها بعد (لم). وهذا يعني أن السيوطي نقل تعليل ابن فارس من غير أن يدرك الفرق بين الضرورة الشعرية وما يلجأ إليه الشاعر اختياراً.