ب-الموقف التطبيقي من الاحتجاج بالحديث الشريف:
أعتقد أن موقف السيوطي التطبيقي من الاحتجاج بالحديث الشريف يختلف عن موقفه النظري. فقد أكثر من الاحتجاج بالحديث في المزهر والأشباه والنظائر في النحو، واكتفى في الاقتراح بالاحتجاج بتسعة أحاديث. ويهمني القول إنه وظف الأحاديث التي احتج بها لأغراض عدة، أبرزها الدلالة على أن الرسول r أول من استعمل بعض العبارات الفصيحة، كقوله: "مات حتف أنفه، حمي الوطيس، لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين(44). كما احتج بالحديث الشريف للدلالة على أصل في اللغة والنحو، كما فعل في الأشباه والنظائر في النحو حين تحدث عن الإتباع. إذ احتج بستة أحاديث (45) وفي الاقتراح حين تحدث عن أن اللهجات على اختلافها حجة (46).
كما التفت السيوطي أحياناً إلى أحاديث شريفة احتجّ اللغويون بها على صحة تركيب نحوي. من ذلك مثلاً (47) ما روى أبو حيان عن أن ابن مالك استشهد على لغة "أكلوني البراغيث" بقول الرسول الكريم r: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". فقد وهن السيوطي لغة أكلوني البراغيث بإيراده رواية البزّار (المتوفى عام 583ه) للحديث، وهي رواية تُعنى بذكر بداية الحديث الشريف نفسه، وهي: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". وعلى الرغم من أن السيوطي لم يوضح مراده من رواية الحديث كاملاً، فإن عمله يدل على قاعدة لغوية مهمة، هي عدم الاكتفاء بالكلام الأبتر، ووجوب العودة إلى مظانه إن كان شعراً، ومعرفة ما قبله وما بعده إن كان نثراً (48). وقد أورد السيوطي الرواية التي ذكرها البزّار للحديث الشريف ليقول بشكل غير مباشر إن واو (يتعاقبون) لا ترجع إلى (ملائكة) التي بعدها، بل ترجع إلى (ملائكة) التي قبلها، وبذلك يُنْفى الشاهد النثري على صحة لغة (أكلوني البراغيث)، وتبقى هذه اللغة مقصورة على الضرورات الشعرية.
إن إكثار السيوطي من الاحتجاج بالحديث الشريف يدل على شيء مغاير لما نص عليه في موقفه النظري. فالأحاديث الشريفة المروية بلفظ النبي r كثيرة جداً، حفظتها لنا كتب الحديث، وبذل العلماء في جمعها والتدقيق فيها الوقت والجهد لأنها أكثر كلام العرب فصاحة بعد القرآن الكريم.
ج-الموقف التطبيقي من الاحتجاج بكلام العرب:
لا أشك في أن موقف السيوطي التطبيقي من الاحتجاج بكلام العرب أكثر وضوحاً وتحديداً. ذلك لأنه لم يكن في حديثه عن الاحتجاج بالقرآن الكريم والحديث الشريف مضطراً إلى تخطئة شيء وتصويب آخر. أما كلام العرب ففيه من الاستعمالات اللغوية ما يدفع السيوطي إلى تطبيق معايير الصواب التي استقر عليها اللغويون العرب. فقد جعل النوع الخمسين من أنواع المزهر خاصاً بمعرفة أغلاط العرب (49). وسبق القول إنه نقل الأغلاط من سبعة كتب ليس بينها كتاب خاص باللحن. ويمكنني القول إن الأغلاط التي ذكرها في هذا النوع قسمان: قسم يتعلق بالنثر وقسم يتعلق بالشعر، وسأناقش نماذج من هذين القسمينبغية توضيح الموقف التطبيقي من كلام العرب.
ذكر السيوطي نقلاً عن الخصائص لابن جني أن همز (مصائب غلط، فقال: "ذلك أنهم شبهوا مصيبة بصحيفة، فكما همزوا صحائف همزوا أيضاً مصائب. وليست ياء مصيبة بزائدة كياء صحيفة، لأنها عين عن واو، وهي العين الأصلية، وأصلها "مصوبة" لأنها اسم فاعل من أصاب. وكأن الذي سهل ذلك أنها وإن لم تكن زائدة فإنها ليست على التحصيل بأصل، وإنما هي بدل من الأصل، والبدل من الأصل ليس أصلاً فهو مشبه للزائد من هذه الحيثية فعومل معاملته" (50). وقد اكتفى السيوطي بنقل ما ذكره ابن جني في الخصائص من غير أن ينص صراحة أو ضمناً على اختلافه معه. وهذا يعني أنه متفق معه على أن (مصائب) غلط لغوي. ولكنه في مكان آخر من المزهر وافق على ما ذكره الجوهري في الصحاح من أن (مصائب) صحيحة اجتمعت العرب على همزها (51). أي أنه في كتاب واحد هو المزهر نص على أن كلمة (مصائب) غلط وصواب، فكيف يستقيم هذا الحكم؟ إن المقبول لديّ هو أن السيوطي لا يملك معياراً للصواب يستند إليه في تخطئة كلام العرب وتصويبه، بل يملك القدرة على أن ينقل كلام سابقيه من غير أن يمحص التناقض الذي ينجم عن النقل من مصادر مختلفة.
والدليل على أنه لا يملك معيار للصواب هو استعماله معيارين متباينين، أولهما معيار ابن جني، وهو معيار يستند إلى القاعدة الصرفية الخاصة بصيغة منتهى الجموع. ولهذه القاعدة أوزان، منها وزن "مفاعل" الذي نجمع عليه الكلمات المبدوءة بميم زائدة. وتنص هذه القاعدة (52) على أنه إذا كان الحرف الثالث من الكلمة حرف مد منقلباً عن أصل، كما هي حال كلمة مصيبة، رددناه إلى أصله فقلنا بالنسبة إلى مصيبة "مُصَاوِب" لأن أصل الياء فيها واو، ولا يجوز قلب حرف المد همزة لأنه غير زائد. القياس إذن هو المعيار الصرفي الذي استند إليه ابن جني في تخطئة (مصائب)، وحين وافقه السيوطي على تخطئة (مصائب)، عبّر عن تشبثه بالمعيار نفسه.
ثاني المعيارين هو معيار الجوهري. فقد حكم السيوطي على (مصائب) بالصواب نقلاً عن الصحاح للجوهري وهو في حكمه الجديد استند إلى معيار آخر مفاده أن اجتماع العرب حجة (53). واجتماع العرب يعني (السماع)، والسماع أقوى من القياس وسابق عليه كما قرر السيوطي نفسه في الاقتراح والمزهر (54).
استعمل السيوطي معياري السماع والقياس في الحكم على (مصائب)، وهما معياران متناقضان بالنسبة إلى هذه الكلمة، لأنها مطردة في الاستعمال شاذة في القياس (55). وهذا يدل على ازدواجية المعيار لديه، كما يدل على أنه لا يملك تطبيقاً. ويمكنني تعزيز هذه الدلالة بالقول إن موقف السيوطي من كلمة (مصائب) يذكرنا بحماسته للاحتجاج بقراءات القرآن الكريم كلها.
فقد "تواترت القراءة عن نافع المدني وابن عامر الدمشقي، وهما إمامان عظيمان من أئمة القراء، في قوله تعالى :)وجعلنا لكم فيها معائش( بالهمز، وهي غير قراءة الجمهور (56). ولكنها قراءة تدل على أن وزن (فعائل) في صيغة منتهى الجموع ليس مقصوراً على المفرد الذي يضم حرف علة زائداً، بل يشمل معاملة الحرف الأصلي معاملة الزائد إذا كان شبيهاً به في اللفظ (57). وقد تواتر السماع عن العرب بالنسبة إلى لفظتي (مصائب ومنائر)، وهما مثل (معائش) في أن همزتها منقلبة عن حرف أصلي. ولو كان للسيوطي موقف تطبيقي لاحتج بقراءة نافع وابن عامر على صحة معائش ومصائب ومنائر، ولكنه –كما هو واضح –نسي ما كان قرره من ضرورة الاحتجاج بقراءات القرآن كلها حين حكم على (مصائب) بالغلط وهي مثل (منائر ومعاش).