إن إشادة السيوطي بابن مالك ثم إيراده ما يوهّن رأيه في موضعين مختلفين يمكن وصفه بالتناقض. وإذا لم يكن هذا الوصف دقيقاً فإن هناك –على أقل تقدير –تبايناً في الموقف النظري للسيوطي، مفاده الوعي اللغوي السليم في أثناء تعبيره عن الاحتجاج بالقرآن، وضيق أفقه اللغوي في أثناء تعبيره عن الاحتجاج بالحديث الشريف. ذلك لأن حجتي المانعين مردودتان، وهما رواية الأحاديث بالمعنى وتسرب اللحن إلى بعضها لأن كثيراً من رواتها كانوا غير عرب. أما كون رواية الأحاديث بالمعنى جائزة فمعناه "أن ذلك احتمال عقلي فحسب لا يقين بالوقوع. وعلى فرض وقوعه فالمغيّر لفظاً بلفظ في معناه عربي مطبوع يحتج بكلامه في اللغة" (23). والأصل أن يروى الحديث باللفظ، وهذا ما جرى عليه علماء الحديث، "حتى إذا شك راو عربي بين (على وجوههم) وعلى (مناخرهم) أثبتوا شكه ودوّنوه مبالغة في التحري والدقة" (24). وأما وقوع اللحن في بعض الأحاديث فهو "قليل جداً لا يُبنى عليه حكم. وقد تنبه إليه الناس وتحاموه ولم يحتج به أحد، ولا يصح أن يُمنع من أجله الاحتجاج بهذا الفيض الزاخر من الحديث الصحيح" (25)، إضافة إلى أن علماء الحديث "تشددوا في أخذ الناس بضبط ألفاظ الحديث، حتى إذا لحن فيه شاد أو عامي أقاموا عليه النكير" (26). ثم إن السيوطي وافق أبا حيان على أنه لم ير أحداً من المتقدمين والمتأخرين سلك طريق ابن مالك في الاستدلال على القواعد الكلية بما ورد في الحديث الشريف. وهذا الأمر مردود أيضاً بكثرة المتقدمين والمتأخرين الذين احتجوا بالحديث الشريف، كالأزهري في التهذيب، والجوهري في الصحاح، وابن سيده في المخصص، وابن فارس في المجمل ومقاييس اللغة، والزمخشري في الفائق، وغير هؤلاء كثير.
لا يمكن وصف رأي السيوطي في الاحتجاج بالحديث الشريف بشيء غير المغالاة والجمود. فقد ضيّق واسعاً، وعاف المرونة وهو المتأخر الذي توافرت له الأحاديث الصحاح في مظانها الأساسية. بل انه اصطنع مصطلحات علم الحديث في كتاب المزهر، وسعى إلى تطبيقها على كلام العرب، فكثرت لديه مصطلحات الجرح والتعديل والرواية والدراية، من غير أن يلتفت إلى أنها اصطُنعت أساساً للتأكد من أن الرسول الكريم نطق الأحاديث على هذا النحو دون غيره.
ثم إن السيوطي خص الاحتجاج بكلام العرب شعره ونثره بقدر من الاهتمام يفوق ما خصصه للحديث الشريف، فنقل آراء سابقيه في السماع والقياس، والقواعد التي اتفقوا عليها. ويمكن وصف موقفه في الاحتجاج بكلام العرب بالوضوح والتحديد وباتباع ما استقر عليه النحاة واللغويون معاً. إذ غلّب الاحتجاج بالشعر على الاحتجاج بالنثر، ولم تكن لديه مساواة بينهما. كما عُني بمحاكاة الفقهاء في حديثه عن اللغة والنحو، فصنفهم في طبقات، ووضع للنحو أصولاً تشبه أصول الفقه، وجاراهم في بناء القواعد على السماع والقياس والإجماع (27). ففي المزهر أنواع للمرسل والمنقطع (28)، ومعرفة طرق الأخذ والتحمل (29)، والضعيف والمنكر والمتروك (30). بل إنه عدّ كتاب " الاقتراح" بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه" (31)، ونص على أنه سلك في تصنيفه كتاب الأشباه والنظائر في النحو "سبيل الفقه" (32). وهذا ما جعل موقفه من الاحتجاج بكلام العرب محاكاة لمواقف اللغويين والنحاة العرب، ولكنها محاكاة العالِم بأصولها وفروعها وإن لم تستطع التحرر من سلبيات هذه المحاكاة وخصوصاً تكرار الأمثلة والشواهد القديمة من غير تمحيص، وإهمال الاحتجاج بالحديث الشريف، ومنح الضرورات الشعرية مكانة لا تستحقها.
أخلص من الحديث السابق إلى أن موقف السيوطي النظري من الأغلاط اللغوية ليس واحداً، بل هو مواقف ثلاثة: موقف ينم على وعي لغوي، وثان ينم على قصور في الوعي، وثالث ينم على المحاكاة. وأعتقد أن تباين المواقف الثلاثة يدل على أن السيوطي لم يكن معياراً نظرياً ثابتاً للصواب، بل كان يترجح في ثلاثة معايير كانت سائدة لدى سابقيه. وإذا كان اللغويون والنحاة الأوائل يترجحون في معاييرهم فلأنهم رواد مجتهدون رغبوا في إقامة صرح اللغة والنحو على أسس رأوها سليمة استناداً إلى النصوص التي توافرت لهم، وهي قليلة تبعاً لاستقرائهم الناقص. أما ترجح السيوطي فمختلف جداً. بل إنه ترجح مرفوض، لأن جهود السابقين استقرت في معجمات وكتب لغوية ونحوية تُكسب السيوطي وغيره القدرة على التمحيص والنقد واعتماد موقف ينسجم وما آلت إليه اللغة العربية. وليس لدي ما يعينني على القول إن السيوطي أفاد من النصوص والمعارف اللغوية التي توافرت له في بناء موقف نظري من الأغلاط اللغوية يلائم حال اللغة العربية في عصره، ويساعد على نموها.
2-موقف السيوطي التطبيقي من الأغلاط اللغوية:
اعتقدت أول وهلة أن السيوطي ترجح في موقفه التطبيقي كما ترجح في موقفه النظري. بيد أنني انتهيت من فحص الأغلاط اللغوية التي ذكرها إلى شيء آخر مختلف. وهذا بيان بموقفه التطبيقي من الاحتجاج بالقرآن والحديث وكلام العرب، يقود إلى النتيجة التي انتهيت إليها.
أ-الموقف التطبيقي من الاحتجاج بالقرآن الكريم:
احتج السيوطي في كتاب الاقتراح بتسع عشرة آية من القرآن الكريم، وردت إحدى عشرة آية منها في الصفحات الأربع التي تحدث فيها عن الاحتجاج بالقرآن، ووردت ثماني آيات في أمكنة متفرقة من الكتاب. وهذا يعني أن السيوطي لم يكثر من الاحتجاج بالقرآن، بل كان مقلاً فيه. وإذا أنعمنا النظر في الآيات التي احتج بها لاحظنا أنه لم يكن يوضح أحياناً موضع الشاهد وطبيعة الآية المحتج بها. فقد احتج بقوله تعالى: )استحوذ عليهم الشيطان( (33) مرتين (34)، مكتفياً بالإشارة إلى أن فعل (استحوذ) مسموع يُحتج به ولا يُقاس عليه.
وكأن السيوطي يعتمد على معرفة القارئ بأن واو (استحوذ) وردت في الآية على الأصل من غير إعلال كما هي حال أخواتها (استقام واستباع). كذلك الأمر بالنسبة إلى الآية (ويأبى الله إلى أن يُتم نوره) (35). فقد ذكرها مثالاً على المسموع الذي يُحتج به ولا يقاس عليه، معتمداً على أن القارئ يعلم أنه لم يجئ عن العرب فِعْلٌ على فَعَلَ يَفْعَل، مفتوح العين في الماضي والمضارع، إلا ثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق (الهمزة –الهاء –العين –الغين –الحاء –الخاء) غير أبي يأبى.
بيد أن الاتجاه العام لدى السيوطي هو تقديم إشارة موجزة إلى موضع الشاهد في الآية. فقد ذكر قوله تعالى (فبذلك فلتفرحوا) (36) دليلاً على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب (37). كما ذكر قوله تعالى (ولنحمل خطاياكم) (38) دليلاً على إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بالنون. وحرص في أثناء هذه الإشارة الموجزة إلى موضع الشاهد على أن ينص على أن القراءة شاذة في الآية الأولى ومتواترة في الثانية.
وقد لاحظت أن الآيات التي احتج بها السيوطي هي الآيات التي احتج سابقوه بها على الأمور نفسها. وذلك يعني عندي أنه لم ينقل آراء سابقيه فحسب، بل تطبيقاتهم أيضاً. ولعل الآيات التي أغفل السيوطي موضع الاحتجاج فيها وردت لدى سابقيه غفلاً من توضيح موضع الشاهد، والآيات التي وضح موضع الشاهد فيها وردت لدى سابقيه مقترنة بالتوضيح نفسه. ففي كتاب الاقتراح دليل على أن ابن جني هو الذي أستشهد بالآية الكريمة )استحوذ عليهم الشيطان( على المسموع الذي يُحتج به ولا يقاس عليه (39). وقد توفي ابن جني عام 932هكما هو معروف. كما أن ابن مالك (المتوفى عام 672ه) لم يكن أول من احتج بالآية (وتساءلون به والأرحامِ) (40) على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، بل سبقه إلى ذلك الفخر الرازي (41) ولم يكن ابن مالك نفسه أول من احتج بالآية ( قتل أولادهم شركائهم (42) على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، بل سبقه إلى ذلك ابن الأنباري (المتوفى عام 577ه) في كتابه المعروف (الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين) (43). وهذا يعني أن السيوطي لم يكن محقاً حين نص على أن المتأخرين، ومنهم ابن المالك، ردوا على مَنْ عاب قراءة عاصم وحمزة وابن مالك. كما أنه لم يكتف بنقل آراء سابقيه، بل نقل الآيات التي احتجوا بها، وتبعهم في إغفالهم توضيح موضع الشاهد حيناً وذكره أحياناً. وهذا ما يجعل موقفه التطبيقي من الاحتجاج بالقرآن الكريم سبيلاً إلى الشك في موقفه النظري نفسه، والمراد هنا أنه لم يذكر في أثناء إيراده رأيه النظري أنه نقل من سابقيه حرفاً، ولكن موقفه التطبيقي دل على أنه نقل الآيات التي احتج بها سابقوه، فهل يعني ذلك أنه نقل الآراء وشواهدها معاً؟ أكاد أعتقد ذلك. ومهما يكن الأمر فإن عدد الآيات التي ذكرها السيوطي في الاقتراح قليل جداً، لا يوازي حماسته للاحتجاج بالقرآن الكريم.