وليس بمستبعد أن يضع السيوطي خططاً عدة في وقت واحد، ثم يملأ أقسامها في أثناء قراءاته. وقد أكد هذا الاحتمال عندي ما رأيته في نهايات بعض الأقسام من آراء نص السيوطي صراحة على أنه اطلع عليها بعد إيراده ما سبق له تدوينه. فقد حدد في كتاب الاقتراح المصطلحات التي يضمها تعريف "أصول النحو". وبعد فراغه منها قال: "بعد أن حررت هذا الحد بفكري وشرحته وجدت ابن الأنباري قال:" (12)، ثم ذكر نص كلام ابن الأنباري، وذيله بقوله: "وهذا جميع ما ذكره في الفصل الأول بحروفه" (13) ليدل على أنه نسخ كلام ابن الأنباري دون تلخيص أو تعديل. وقد تكرر الاستدراك من كتاب ابن الأنباري غير مرة في كتاب الاقتراح (14). ومهما يكن لأمر فإن هذا الاحتمال يحتاج إلى دراسة مستقلة ترجحه أو تنفيه أو تؤكده جملة وتفصيلا. فإذا صح لدى الباحثين أمره فإنني أعتقد أنه يعينهم على تفسير غزارة التأليف لدى السيوطي.
إن نهج السيوطي في التأليف ينطلق من "عقلية حديثية"، هي، في رأيي، جوهر التكوين المعرفيّ للسيوطي. وأقصد بهذه العقلية تأثره الواضح بعلم الحديث رواية ودراية وجرحاً وتعديلاً. والمعروف أنه لم يخف هذا التأثر، ولم يجد حرجاً في نقله إلى الحقل اللغوي، واستعمال مصطلحاته فيه. وقد أشرت إلى هذا الأمر لأعلل الأمانة العلمية (النسبية) التي تتصف بها كتب السيوطي، من تصريح بأسماء الذين ينقل عنهم، وقرنها بأسماء الكتب التي ينقل منها غالباً، وهذا كله يسمح لنا بدراسة طبيعة نقول السيوطي من الكتب لتحديد جوهر موقفه النظري غير المباشر من الأغلاط اللغوية.
إذا أنعمنا النظر في كتاب "الاقتراح" لاحظنا الوضوح في موقف السيوطي من الاحتجاج بقراءات القرآن الكريم كلها. بل إنه كان دقيقاً حين نص على أن القراءة الشاذة يُحتج بها وإن لم يجز القياس عليها (15). أما الاحتجاج بالحديث الشريف فقد قصره السيوطي على ما ثبت أنه لفظ النبي r، وهو نادر جداً، لأن غالبية الأحاديث رويت بالمعنى. ومن ثم كان السيوطي أحد مانعي الاحتجاج بالحديث الشريف وإن استثنى ما ثبتت روايته عن النبي r بلفظه، شأنه في ذلك شأن أبي حيان الأندلسي في شرح التسهيل، وابن الضائع في شرح الجمل.
وأما كلام العرب "فيُحتج منه بما ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم" (16)، ثم "الاعتماد على ما رواه الثقات عنهم بالأسانيد المعتبرة من نثرهم ونظمهم" (17). وقد اعتمد السيوطي تقسيم ابن جني المسموع إلى مطرد وشاذ، ولخص ما ذكره في الخصائص من أن المطرد والشاذ أربعة ضروب، هي: مطرد في القياس والاستعمال معاً –مطرد في القياس شاذ في الاستعمال (الماضي من يذر ويدع) –مطرد في الاستعمال شاذ في القياس (استحوذ –استنوق الجمل –استصوبت الأمر) –شاذ في القياس والاستعمال معاً.
ثم نص على القواعد الآتية:
-لا علاقة للكفر بالاستشهاد بالشعر إذ كانت الرواية صحيحة.
-يُحتج برواية الفرد إذا لم يُسمع ما يخالفها.
-إذا خالفت رواية الفرد الثقة ما عليه الجمهور وما يقبله القياس قُبل ذلك منه.
-لهجات العرب كلها حجة.
-لا يؤُخذ عن أهل المدر لفساد لغتهم نتيجة اختلاطهم بغيرهم من الأمم.
-إذا اجتمع في كلام الفصيح لغتان قُبلتا منه.
-لا يُحتج بكلام المولدين والمحدثين كأبي تمام وبشار بن برد. وآخر الشعراء الذين يُحتج بشعرهم إبراهيم بن هرمة المتوفى سنة 176ه.
-لا يُحتج بشعر أو نثر لا يُعرف قائله.
-يُتأوَّل ما كان شاذاً أو لغة طائفة من العرب.
-إذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
-يحتجّ بالأبيات التي رويت على وجوه.
أخلص من ذلك إلى أن معيار الصواب عند السيوطي هو القرآن بقراءاته كلها، وما ثبتت روايته باللفظ من حديث النبي (r)، وما ثبت عن الفصحاء والرواة الثقات. فإذا فحصنا هذا المعيار استناداً إلى آراء اللغويين التي اعتمدها السيوطي بدا لنا شيء غير قليل من التناقض في موقفه النظري من الأغلاط اللغوية.
فقد استند في احتجاجه بقراءات القرآن الكريم كلها إلى رأيه الخالص.
وكان هذه الرأي واضحاً محدداً، يُعبّر عن وعي لغوي سليم، ومعرفة بأثر القراءات في الاحتجاج، وفصاحتها وسمو مكانتها اللغوية. ولم يكتف السيوطي بهذا الوضوح النظري، بل أضاف إليه وصف الذين عابوا قراءات عاصم وحمزة وابن عامر ونسبوها إلى اللحن بالخطأ، فقال: "إن قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مَطْعَن فيها. وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية" (18). واللافت للنظر ألا يلجأ السيوطي في أثناء حديثه عن الاحتجاج بالقرآن الكريم إلى آراء اللغويين، وأن يكتفي برأيه الخاص الذي يمكنني عدُّه إيجازاً لما أجمع عليه اللغويون العرب.
وقد اختلف موقف السيوطي النظري حين تحدّث عن الاحتجاج بالحديث الشريف. إذ اعتنق مذهب ما نعي الاحتجاج بالحديث. ورأي هؤلاء المانعين هو الاحتجاج بما ثبت أنه لفظ الرسول (r). وهذا نادر جداً، يكاد يكون مقصوراً على الأحاديث القصار (19). أما غالبية الأحاديث فمروية بالمعنى (20)، لأن الأعاجم والمولدين تداولوها قبل تدوينها، ورووها بعباراتهم، فأبدلوا ألفاظاً بألفاظ، "ولذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مروياً على أوجه شتى بعبارات مختلفة" (21). وأورد السيوطي بعد هذه المقدمة آراء ثلاثة من اللغويين الذين منعوا الاحتجاج بالحديث الشريف من غير أن يناقشها ما فعل في أثناء حديثه عن قراءات عاصم وحمزة وابن عامر. بل إنه عُني برأي أبي حيان خاصة. وهذا الرأي ينكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بألفاظ الحديث الشريف. وإذا كان إيراد السيوطي رأياً من آراء سابقيه من غير أن يناقشه يعني اتفاقه مع هذا الرأي وموافقته عليه، فإن الباحث يلاحظ التناقض بين إعجاب السيوطي بردّ ابن مالك على منكري الاحتجاج بقراءات عاصم وحمزة وابن عامر، ثم اتفاقه مع أبي حيان شارح كتاب التسهيل على توهين رأي ابن مالك نفسه. أبو حيان الأندلسي –كما هو معروف –من أشد مانعي الاحتجاج بالحديث، وأكثرهم إنكاراً على مخالفيه (22)، ومنهم ابن مالك صاحب التسهيل لاحتجاجه بالحديث الشريف.