من موقع ستار تايميز :
في هذا الجزء سأتطرق لمسألة:
المتعدي وغير المتعدي والشعر العربيّ
الجزء الأوّل
أُنشِد فيه،(البسيط):
يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
هو قطعة من بيت، وهو:
هُنَّ الْحَرَائِرُ لَا رَبَّاتِ أَحـْمِرَةٍ *** سُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
على أن الباء زائدة في المفعول به.
قال ابن هشام في المغني: وقيل ضمن يقرأن معنى يرْقين، ويتبرَّكْنَ، وأنه يقال: قرأت بالسورة، على هذا المعنى، ولا يقال قرأ بكتابك، لفوات معنى التبرك. قاله السهيلي.
وقال أيضاً: قد يعطى النفي حكم ما أشبهه في معناه، ومنه إدخال الباء في لا يقرأن بالسور، لما دخله من معنى لا يتقربن بقراءة السور.
ولهذا قال السهيلي: لا يجوز أن تقول: وصل إلي كتابك فقرأت به، على حد قوله: لا يقرأن بالسور، لأنه عار عن معنى التقرب. انتهى.
والبيت وقع في شِعْرَيْنِ: أحدُهما: للرَّاعي النُّمَيْرِي، والثاني: للقَتَّال الكِلَابِي.
أما الأول (وسأكتفي بإيراده دون الثاني) فهو من قصيدة أولها:
1- يا أَهْل مَا بالُ هَذا اللَّيْلِ في صَفَرِ
يَزدادُ طولاً وَما يَزدادُ مِن قِصَرِ
2- في إِثرِ ما قُطِّعَت مِنّي قَرينَتُهُ
يَومَ الحَدالى بِأَسبابٍ مِنَ القَدَرِ
3- كَأَنَّما شُقَّ قَلبي يَومَ فارَقَهُم
قِسمَينِ بَينَ أَخي نَجدٍ وَمُنحَدِرِ
4- هُمُ الأَحِبَّة أَبكي اليَومَ إِثرَهُمُ
قَد كُنتُ أَطرَبُ إِثرَ الجيرَةِ الشُطُرِ
5- فَقُلتُ وَالحُرَّةُ الرَجْلاءُ دونَهُمُ
وَبَطْنُ لَجّانَ لَمّا اعْتَادَني ذِكَري
6- صَلّى عَلى عَزَّةَ الرَحْمَنُ وَاِبنَتِها
لَيلى وَصَلّى عَلى جاراتِها الأُخَرِ
7- هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتِ أَحمِرَةٍ
سودُ المَحاجِرِ لا يَقرَأنَ بِالسُوَرِ
وهي قصيدة طويلة تزيد على الخمسين.
قوله: في صفر هو اسم الشهر، قالوا: خصَّه لأنّ الهَمَّ فيه أصابَه.
وقيل: كان صفَرُ صيفاً، وليْلُ الصّيْفِ قَصِير، فقال: كيف طالَ عليَّ اللَّيْلُ في الصيْف؟! وإنَّما ذلك لِمَا هُوَ فيه مِنَ الغَمّ، فلذلك طال عليْه اللّيْل. كذا قال ابن المستوفي.
وقوله: في إثر متعلق بيزداد، وأراد بالقرينة: الحبيبة، لأنها تشبه القَمَر. والحدَالَى، بفتح المهملة والقصر: موضع.
والجيرة: جمع جار بالجيم. والشطر، بضمتين: جمع شطير، وهو البعيد.
والحُرَّةُ الرَّجْلَاءُ: موضع في ديار جذام، الأول بالمهملة، والثاني بالجيم. ويروى: والحرة السّوْدَاء. ولَجّان، بفتح اللام وتشديد الجيم: واد قبل حرة بني سليم.
وقوله: صلى على عزةَ ... إلخ، الصلاة: الرّحمة. وعَزَّة، بفتح المهملة وتشديد المعجمة: محبوبة كثير الشاعر.
وقوله: تلك الحرائر ... إلخ، الإشارة بتلك إلى النساء المذكورة. وإيثار اسم الإشارة لتمييزهنّ أكمل تَمْييز، وكونه بالبعيد للتعظيم.
وروى: هنّ الحرائر. وتلك مبتدأ، والحرائر خبره، وقال بعض أفاضل العجم: الحرائر صفته.
وقوله: لا ربات هو الخبر. ويبطله رواية هن الحرائر، وهو جمع حرّة، ومعناها الكريمة والأصيلة، وضد الأَمَة. والربّات: جمع ربة بمعنى صاحبه. ولا نافية عاطفة على هن، أو على تلك.
قال الجواليقي في شرح أدب الكاتب: والأحمرة: جمع حمار بالحاء المهملة، جمع قلة. وخص الحمير لأنها رذال المال وشره، يقال: " شر المال ما لا يزكى ولا يُذكى " . انتهى.
وقوله: سود المحاجر صفة ربات، لأنّ إضافة ما بمعنى اسم الفاعل المستمر تخفيفية لا تفيد تعريفاً، كقولهم: ناقة عبر الهواجر، أي: عابرة فيها. وكذلك سود المحاجر، أي: مسودة محاجرها، وهو جمع محجر كمجلس ومنبر.
قال الجواليقي: هو من الوجه حيث يقع عليه النقاب، وما بدا من النقاب أيضاً. انتهى. وأراد بهذا الوصف الإماء السود.
قيل: سود المحاجر، من سواد الوجوه، وخص المحاجر دون الوجه والبدن كله لأنه أول ما يرى.
ومن هذا قول النابغة الذبياني: (البسيط).
لَيْسَت مِنَ السّودِ أَعْقاباً إِذا انْصَرَفَتْ *** وَلا تَبِيعُ بِجَنْبَي نَخْلَةَ البُرَمَا
وإنما أراد سواد الجسد كله.
وجملة: لا يقرأن صفة ثانية لربات.
قال الجواليقي: يقول: هن خيرات كريمات، يتلون القرآن، ولسن بإماء سود ذوات حمر يسقينها. انتهى.
وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل: إن تلك الحرائر ليست أرباب أحمرة، ولا يتسترن بها، سود المحاجر لهزالها، أو لكبر أسنانها، وجاهلات لا يقرأن القرآن. هذا كلامه. وهذا لا يقضى منه العجب.
مع تحيات نادي الفشلة