نأتي إلى دور تنمية المواهب على افتراض وجودها عند بعض الناشئة وغيرهم ممن يلقى في دواخلهم الموهبة أو الملكة الشعرية – وإن كانت هذه المواهب قليلة بين طلاب المدارس حتى في المرحلة الثانوية .
ذكرت آنفا أن الموهبة منحة فطرية ربانية يودعها الخالق جل وعلا في ذوات البشر دون أن يتساووا في الاتصاف بها، وهي في رأيي كائن حي ينمو ويتطور بالدربة والممارسة للعملية الإبداعية .
وبدءا تستحب القراءة المتنوعة لتلون الثقافة المكتسبة من القراءة بألوان معرفية شتى تكون قاعدة ينطلق منها المبدع .
ثم يأتي دور القراءة المتخصصة والمشابهة لنوعية الميول الإبداعية عن الناشئ الموهوب . فإن تفتفت موهبته شعرا يداوم على قراءة كتب الأدب وخصوصا دواوين الشعر وليبدأ بما يراه سهلا يمكن استيعابه ثم يتدرج في عملية الاختيار ، وهكذا ولا ينبغي أن تكون القراءة مسطحة ليس الغرض منها سوى قتل الوقت أو شغل الفراغ، بل يجب أن يصاحبها شيء من التعمق في العمل المقروء ليترك بصماته ثقافيا ولغويا على ذات القارئ لكي يتمكن في المقابل من الاستفادة من مخزونه الثقافي في تغذية موهبته وتنميتها، فهي كالجذوة المختبئة تحت الرماد إذا ما نبشت عنها ونفثت فيها اشتعلت وتوهجت، وإذا أهملتها خبت وانطفأت، وقدح الموهبة أو شحذ القريحة لا يكون بالغذاء الروحي فقط .
وفي المرحلة التالية يأتي دور الإشراف والتوجيه للناشئ الموهوب، إذ لا بد لمن توافرت لديه الموهبة أن يشعر من لديهم المعرفة والخبرة في نوعية الإبداع الذي تفتفت عنه قريحته ، حتى يتمكن المشرف أو الموجه متابعة إبداعه، وتقويمه وتصحيح ما أنتج من عمل فني سواء أكان قصيدة أو قصة قصيرة وما إلى ذلك.
وعلى المشرف أيضا أن يوجه الناشئ إلى ما يمكن الاستفادة منه عند القراءة فينصحه بقراءة كذا وكذا من الكتب المهمة التي يكون لها دور فاعل في تزويده بالذخيرة اللغوية والثقافية، وما الدواوين الشعرية التي يبدأ بقراءتها في مراحله الأولى ثم الدواوين التي يستحسن قراءتها في مرحلة أو مراحل تالية .
ومن أدوار المشرف أو الموجه أن يتابع إنتاج الناشئ وألا يقلل من شأنه أو يضع الصعوبات أو العراقيل في طريقة حتى لا يصاب المبدع بالإحباط والفشل في بواكيره الأولى ، ومن هذا المنطلق نقترح أن تنشئ المدارس الثانوية على الأقل أندية أدبية على غرار الأندية العلمية الموجودة في بعضها لأن مثل هذه الأندية يهيئ فرص اللقاء بين الموهوبين من الطلاب وبين المدرسين الذين يكون في مقدورهم تبني مثل هذه المواهب الأدبية والإشراف عليها وتوجيهها الوجهة الصحيحة.
كما لا يفوتنا دور المكتبة وأهميتها في مد الناشئ الموهوب بالثقافات المختلفة، لأن الكتاب هو الوسيلة الأولى والأخيرة التي تبنى عليها ثقافات الأمم إلى جانب الوسائل التثقيفية الأخرى ، فالمكتبة مطلب مهم ينبغي توفرها في كل بيت مثقف، فإن تعذر وجودها في البيت فليس على الأقل من توافرها في المدرسة ، حتى تكون ملاذا معينا لكل طلابنا وللموهوبين منهم خاصة ، يلجؤون إليها كلما دعتهم الحاجة لأن في القراءة متعة لا تقل أهمية عن متعة الإبداع ذاتها.
وبالقراءة والدربة والممارسة في الكتابة يمكن للناشئ الموهوب تحقيق ما يصبو إليه من إنتاج عمل فني يرضى عنه ـ على الأقل – وربما كان مرضيا لجمهور المتلقين أيضا.
الدكتور/ مسعد محمد زياد