عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-03-2015 - 10:48 AM ]


وعندما وقع البيتان في يد الإفراني بخط الفقيه كان أحدهم قد شُطب عليهما بالحمرة، أي أن مقص الرقابة الخفي الذي يجري بين الصفحات والسطور قد ألغاهما إلى الأبد. لم يرض هذا السلوك الإفراني فقرر تجاوز هذه السلطة بإعادة الحياة إلى البيتين، بإعادة إظهارهما. يقول إنه فعل ذلك "لوجه لا يخفى على من له ممارسة بالعلم[8]".

لقد كان قول هذا الشاعر نوعاً من العِقاب أو القصاص الذي لا ينبغي تعطيله. هذا العقاب الذي أكملهُ الإفراني بذكر النهاية المأساوية التي آل إليها أمر القاضي، النهاية التي تعاون، القدر والخيال، بدون شك، في تدبيج نهايتها، إذ صارت بنت القاضي خادمة في البيوت بعد أن كانت تنوء بثقل حُليها.

في هذه الحادثة العابرة على الورق مفتاح هام من مفاتيح شخصية الإفراني. لقد وجدَ نفسه في وضع الشاهد على حقائق كثيرة تتعرض للضياع، كان في موقع المُحقق بالنسبة لبعضها، و في موقع الموثق بالنسبة للبعض، وفي موقع المجدد بالنسبة للبعض الآخر. أشياء كثيرة تتعرض للإتلاف منها تاريخ مراكش، بمآثيره المهمة، ومنها حقيقة الإنسان في بعديه الخيالي (الوظيفة الأدبية) والعقلي (الاجتهاد في ملاءمة الدين للحياة). في النضال لاسترجاع هذه المعالم المهددة بالضياع اصطدم مع قوى المحافظة متحالفة مع السلطة الدنيوية.

سنحاول تلمس ذلك من خلال ثلاث زاويا:
1 ـ الدفاع عن الأدب ووظيفته

2 ـ الاجتهاد في المجال الديني

3ـ الهجرة أو التصعيد.

وهي قضايا يوصل بعضها إلى بعض فلا يبعد أن يكون اشتغاله بالأدب وسبق شهرته به هو السبب الظاهري في رفض معاصريه لاشتغاله بالاجتهاد في الدين (باعتبار المحتوى الأدبي للمسلك، وهو الغزل والأخبار الأدبية الطريفة). أما الهجرة فهي نتيجة المعاناة التي سببها العنصران، الأول والثاني.

1 ـ الدفاع عن الأدب والوظيفة الأدبية في الحياة

اشتهر الإفراني عند الدارسين المحدثين مؤرخا من خلال كتابه نزهة الحادي في أخبار ملوك القرن االحادي. وهو كتاب لا جدال في قيمته شكلا ومحتوى. كما اشتهر بكتاب الصفوة، وروضة التعريف، في مستوى أقل. غير أن للإفراني بعدًا آخَرَ يجعله علامة متميزة في عصره على المستوى الوطني والعربي على حد سواء، يتجلى ذلك في انجازه الأدبي والبلاغي على وجه التحديد. وسنقتصر في هذا السياق الخاص على بيان فهمه لطبيعة الأدب، ودفاعه عن الوظيفة الأدبية من خلال كتابه: المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل. فعمله في هذا المجال يشكل خروجا عن التقليد الثقافي السائد الموصل إلى الرتب والمنافع. بل ربما كان مجلبة للاتهام والمضايقة.

يُعتبرُ الاشتغالُ بشرح نصٍّ غزلي من جنس الموشحات في البيئة الفقهية "المتزمتة" عملا جريئا، ليس لأن الفقهاء لا يستهلكون المادة الأدبية الدائرة حول الغزل والمجون بل لاعتبارهم أنفسهم محصنين وذوي مناعة. والحقيقة أنهم يرون في الأدب إذا ما انشغل به الغير جُرْأة على هيبتهم. وبذلك لا يجوز ترويجه. إنها الثقافة المستوردة تحت الخطوط الحمراء، الثقافة المشطوبة التي تلوح فتقرأ خارج الشرعية. لمحوِ هذه الخطوط الحمراء رأى الإفراني أنه لابد من الرجوع إلى طبيعة الإنسان وفطرته والتحرر من التقليد وغشاوته، لابد من الاحتكام إلى صفاء السريرة وإسقاط الأقنعة.

في هذا السياق تحدث الإفراني عن دور الأدب في استكمال إنسانية الإنسان. فقال:

"كأني بمتعسف، ممتلئ الصدر بالأضغان والإحن، ينكر إكبابي على إيضاح مغفل هذه الموشحة، ويحتج بأنها مشتملة على وصف الخدود والقدود، والمبالغة في وصف الراح، وكل ذلك مما هو حرام في الشريعة[9]". ويجيب عن هذه الاتهامات مضمنا قولَ ابن الوردي: "أن الصحابة كانوا ينثرون ويشعرون، ونعوذ بالله من قوم لا يشعرون[10]".

في هذه العبارة تورية تجعل الشعرَ مقايضاً للإحساسِ، فقوله: لا يشعرون، تنجذب بالسياق الخاص نحو الشعر، لذكرها مع النثر في حين أن الغرض الذي يلائم السياق العام هو الشعور أي الإحساس. فالشعر من الإنسان بموقع الشعور والحس، من يفقدْه يصرْ جماداً أو بهيمة، وهذا صريح من أول الكتاب.

"ولَعَمْرِي إِنَّ كُلَّ مّنْ لاَ يَتَعَاطَى الأَدَبَ، وَلاَ يَنْسُلُ لاجْتِلاَءِ غُرَرِهْ وَاجْتِلاَبِ دُرَرِهْ مِنْ كُلِّ حَدَبْ، مَا هُوَ إِلاَّ صُورَةٌ مُمَثَّلَهْ، أَوْ بَهِيمَة مُرسَلهْ[11]".

فالإنسان عنده حيوان متأدب، وهذه مسألة جديرة بالاعتبار لأن الأدب شيء زائد على الحاجات البيولوجية الدنيا، وإذا ما أخذنا الأدب بالمفهوم الخاص الذي يمارس في المسلك السهل، حيث يقترب مع الحرية، فإننا نفهم أن الدفاع عن الأدب هو ثورة على التزمت والقهر الفكري والعاطفي.

هذا في المستوى الأول ثم نجده يجعله مزية للتفاوت بين بني البشر؛ يرفع بعض الناس فوق بعض درجات. يقول:

"والرضا على من كُملَ نوعُ إنسانيته بخاصية الأدب، ففُضِّل بها على أبناء جنسه[12]".

وتتم هذه الوظيفة عن طريق الاختيار والنقد والتعبير والاحتجاج. ومن هنا يكون كلام البلغاء علاجاً للنفوس. يقول معدداً النِّعمَ التي حبا الله بها أهل البيان:

"وخص كلمتهم برقية النفوس، فلو رقَوْا بها مريضاً ما طرق ساحته السأم، وأدار عليهم راحَ المُلَحِ في حان الخلاعة، فاصبحوا حيارى، وترى الناس سُكارى، وما هم بسُكارى[13]".

فالأدب رُقْيَةٌ تعالج النفوس، وسَكْرةٌ بدون مسكر: "سُكارى وما هم بسكارى". يقوم الأدب بهذه الوظيفة باعتباره عملا خياليا أو تخييليا لا ينضبط لمقاييس المنطق والواقع ولا ينبغي أخذ معانية حرفيا، وقد تناول هذه القضية بشكل مباشر حين أثيرت قضية الشكوى من الدهر.

قال: "ومن الشائع عند الشعراء "لَحَا اللهُ دَهراً"، و"لَحَا اللهُ الزمنَ". وأنكرَ ذلك جماعة من العلماء" واستدلوا بالحديث: "لا تسبوا الدهرَ فإن الله هو الدهرُ[14]". يقول: وما زال أشياخنا ينكرون قول السعد في طالعة المطول: "فلقد جرَّد الدهرُ على أهلها سيفَ العدوان [15]".

وبعد إيراد الآراء المخالفة بأمانة يختار الرأي المتسامح، وهو رأي ابن عبد البر:

"ولم أرَ، في هذه المسألة، أحسنَ من كلام حافظ المغرب والمشرق أبي عمر ابن عبد البر، ونصه على حديث الموطأ، بعد أن ساق ما وقع فيه من أشعار الجاهلية والإسلام، قال: وأشعارهم في هذا أكثر من أن تحصى، خرجت كلها على المجاز والاستعارة. والفضلاء والأخيار من المسلمين استعملوا ذلك في أشعارهم على دينهم وإيمانهم، جريا في ذلك على عادتهم، وعلما بالمراد، وأن هذا مفهوم معلوم لايشكل على ذي لُبٍّ[16]".

ولم تقف دعوته عند طلب تحرير الأدب من المعايير الاعتقادية، باعتباره فنا تخييليا، بل طالب بإعفائه من صرامة المنطق وحرفية الواقع، فقد علق بعض "علماء الفن" على قول ابن بقي:

باعدتَه عن أضلعٍ تشتاقُه




كي لا ينامَ على وسادٍ خافقِ


فرأوا عدم ملاءمة جعل نفسه وِساداً وكذا مباعدته له وهو يشتاقه . وممن عاب ذلك الصفدي في قوله شعرا:

أبعدتَه من بعدِ ما زحزحتَه




ما أنتَ عند ذوي الغرامِ بعاشقِ















ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر و المراجع
اعتمدنا في هذا البحث على خلاصات بحثنا في كتابنا: الإفراني وقضايا الثقافة والأدب في مغرب القرنين 17و18 . طبع الدار العلمية للكتاب بالدار البضاء 1992. ولم نحل إلا على الكتب الثلاثة الأساسية من مؤلفات الإفراني، وهي:

ـ المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل. طبعة وزارة الوقتف والشؤون الإسلامية. الرباط 1997.

ـ نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي. مطبعة دار الطالب. الرباط.

ـ صفوة ما انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر. الطبعة الحجرية.

ولاستكمال هذا العرض حول الإفراني والثقافة و مراكش انظر مقالنا: الإفراني والحالة الثقافية بمراكش في عصره. ضمن أعمال ندوة: من جامععة ابن يوسف إلى جامعة القاضي عياض. مجلة كلية الآداب بمراكش . العدد6/1990.




الحواشي
[1] ـ ألقي هذا العرض يوم 24 أبريل 1997 بدار الثقافة بمراكش ضمن أنشطة ودادية سيدي بن سليمان الجزولي.
[2] ـ يقول محمد بن الشريف العلوي (من مؤسسي الدولة العلوية) في رسالة إلى محمد الحاج الدلائي:
"لم يعرفكم أهل المغرب إلا بإطعام قصاع العصائد، وهجوِ بعضكم لبعض بما لا يسمع من بشيع القصائد، أما العلوم فقد أقررنا لكم فيها إنصافا بالتسليم، لو قصدتم بها العمل وأجرَ التعليم". (الاستقصاء 7/17)
[3] ـ لا تتسع هذه المناسبة للحديث عن الظروف العامة التي هيأت ظهور نهضة علمية وأدبية في هذا العصر، وقد عرضنا لبعضها في كتابنا الإفراني وقضايا الثقافة...الخ. ومن أهم ذلك جهود الزاوية الدلائية وتوجهها العام، وحالة الاستقرار التي وفرتها الدولة الجديدة على طول عهد المولى إسماعيل.
[4] ـ انظرها في البدور الضاوية 573. وفي كتابنا الإفراني 20-21.مقتطف منها.
[5] ـ "ولا شك أن هذه القصيدة كانت ذات صدى في العصر عند أبناء الزاوية، إذ لم يمض غير وقت قصير حتى تصدى لها عالمان دلائيان بالشرح في مجلد كامل، وهما محمد الشاذلي ومحمد البكري. والقصيدة تصور الضياع والخسارة التي لم يستطع اليوسي أن يدارِيَها برغم ما كان يعلم من صرامة موقف رجال الدولة الناهضة بهذا الصدد". (الإفراني 18).
[6] ـ الإفراني ص
[7] ـ نزهة الحادي 114.
[8] ـ الصفوة 97.
[9] ـ المسللك السهل ص143.
[10] ـ نفسه .
[11] ـ نفسه 53.
[12] ـ نفسه 53.
[13] ـ المسلك السهل 52.
[14] ـ نفسه 268.
[15] ـ نفسه 268.
[16] ـ المسلك السهل ص 269. وقد أورد ابن عبد البر أشعارا للصحابة والتابعين مثل سابق البربري الذي قال:
المرء يجمع والزمان يفرق ويظل يرقع والخطوب تمزق
ثم انتهى إلى القول: "والأبيات في المعنى لأهل الخير والصلاح كثيرة. و مرة يضيفون ذلك للدهر ، وللزمان. وكل ذلك محمول على ما فسرنا".(نفسه 270).
[17] ـ المسلك السهل ص 170. وأنشد بالمناسبة:
فسامح ولا تستوف حقك كله وأغـض، فلم يستوف قط كريم


[18] ـ المسلك السهل ص 168.
[19] ـ انظر مقالنا في مجلة كلية الآداب مراكش.
[20] ـ رحلة الوافد 196.
[21] ـ نفسه.
[22] ـ رحلة الوافد 195.
[23] ـ نزهة الحادي 310.


رد مع اقتباس