عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-03-2015 - 10:47 AM ]


الإفــــراني

مثقف ضد التيار[1]

(هذه محاضرة ألقيت في تاريخ سابق بدار الثقافة بمراكش تحت إشراف جمعية الإمام الجزولي.

واحتفالي بالإفراني مرتبط باحتفالي بالتوجه الذي سارت فيه مدرسة الدراية المشبعة بالروح الصوفية،

مدرسة أبي علي اليوسي )



تمهيد

عاش أبو عبد الله محمد الصغير الإفراني المراكشي في ملتقى القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، فقد استمرت أخباره إلى حدود سنة 1156هـ. أي أنه ينتمي علميا إلى القرن الثاني عشر الهجري،( بين القرنين17 وَ 18م).

فإذا ما نظر إلى هذه الفترة من زاوية التاريخ العربي عامة فهي مدرجة في خضم ماسمي بعصر، أو عصور، الانحطاط. وإذا ما نظر إليها في إطار التاريخ المغربي الخاص فيمكن القول بأنه عاش في فترة مخاضٍ عنيفٍ، مخاض تأسيس الدولة المركزية التي حاولَ المولى إسماعيل وأخوه المولى الرشيد، من قبله، بناءها على أنقاض كيانات إقليمية كان لبعضها طابع السلطة المعرفية الدينية والعلمية؛ أقصد الزاوية الدلائية[2]. كانت الإجراءات مثيرة كما هو معلوم، خصوصا بالنسبة لعلماء الزاوية الذين حاولت السلطة الجديدة استيعابهم تحت المراقبة بنقلهم إلى مدينة فاس.

ويمكن أن نجتزئ الكلام فنقول إنه عاش في عَهدِ الملك إسماعيل. وهذا سيطرح سؤال الانتماء مُباشرة بالنسبة للعارفين بطابع المرحلة. فالوضع الجديد لم يكن يقبل الغموض، هناك ملفات لابد من الحسم بشأنها يمكن إجمالها في السؤال التالي:

ـ لمن الولاء؟

طرحت هذه المسألة من عدة أوجه: السلطة والقبيلة، السلطة والزوايا، السلطة والمعرفة (الدينية خاصة)؟

هناك، من جهة، الملكُ إسماعيل ومهام الدولة المركزية القوية في مواجهة تركة عصور ضعف جعلت جسد المغرب مخترقاً متخرقا من شرقه (مطامع الأتراك) وشماله وغربه (الغرب الناهض)، وكانت النماذج ماثلة بل جاهزة. هناك النموذج العسكري التركي، والنموذج البلاطي الفرنسي (لويس الرابع عشر)، غير أن هناك أيضا الواقع المغربي بمكوناته الخاصة وآليات عمله التي لا تسمح بالانتقال السريع والهادئ. فإلى جانب الولاءات التي تقف حجر عثرة في وجه عملية التوحيد، كانت أجهزة الدولة، في حد ذاتها، مَصدرَ إزعاج وشَغَب، كما بينت الأحداث المتوالية.

لقد ساهمت هذه المفارقات التي ميزت تاريخ المغرب في بروز نموذج للمثقف الملتزم بقضايا عصره[3]. المثقف الذي يصادم، مثل اليوسي وعبد السلام جسوس، والمثقف الذي يدعم ويرثى الضحايا مثل علي مصباح الزرويلي. المثقف الذي يبتعد عن مركز الدولة ليتآمر عليها كما هو حال العلماء الذين انضموا إلى محمد العالم بن إسماعيل وانتقلوا معه إلى الجنوب (مراكش وتارودانت). والمثقف الذي يهجر ويهاجر (الكثير من الصوفية الذين قصدوا الشرق واستقروا فيه بأرواحهم أو أجسادهم).

وحين استقرت الدولة ولم تعد إجراءاتُها موضعَ أخذ ورد تركز الصراع بين بقايا وامتدادات الاتجاه المتفتح الملتزم (أصحاب الدراية) وبين الفقهاء المحافظين (أصحاب الرواية) المنتفعين من العمل في أجهزة الدولة أو امتدادتها كالكراسي العلمية، والمنافع الحبسية. وكان الإفراني نموذجا مثاليا لمثقف هذه المرحلة في حين كان اليوسي ممثلا للمرحلة الأولى.

ما هي الصفة الشاملة لشخصية الإفراني؟ لايكفي أن يقال: فقيه لأنه أديب ومؤرخ أيضا، وليست صفة العالم على عمومها كافية، لأنه عالم عامل. من هنا فضلنا دائما كلمة مثقف، لما تعنيه من تقويم واستقامة أساسهما المعرفة. إن المثقف عندنا هو من يدعوه القدماء: العالمَُ العاملَُ.

ونحن نواجه في حياتنا دائما صنفين من (العلماء): علماء يرون أن مهمتهم تنتهي عند التحصيل والتوصيل، وعلماء يحسون بضرورة الاختيار والتدخل في طبيعة المعرفة وتفعيلها في الواقع. أي أن وراء العمل المعرفي حرقةً أو شحنة وجدانية. هذه الشحنة الوجدانية موجودة وبعيدة الغور في أعماق الإفراني، وهي ذات ظلال مأساوية. تشدنا إليه لأنه استطاع أن يحولها من الآني إلى الأبدي، ومن الموطني إلى الكوني. وذلك بدفاعه عن مفاهيم وقيم سامية (وظيفة الأدب، احترام العقل، العدل..الخ) في عصر طغى فيه التقليد والتزمت. ولابد لمن خالطت علمه هذه الشحنة أن يكون مستعداً لمواجهة الزوابع لأنه سيُسير ضد التيار.

إن في شخصية الإفراني ظلالا وتلوينات لا يمكن فهم عمله ومواقفه دون أخذها بعين الاعتبار. يمكن رصد بعض هذه المؤشرات في اهتماماته العلمية الأولى، في قراءاته وتلخيصاته.

انفتح الإفراني، أول ما انفتح، على الأندلس، وعلى التراث الأندلسي؛ من خلال نفح الطيب وأزهار الرياض وأعمال ابن سعيد وابن خلدون وغيرها، وحرر كراسة في التعريف بالمقري اعترافا بأهميته في تخليد الأندلس من خلال موسوعتة الضخمة: نفح الطيب. ثم كرس جهده لشرح نص أندلسي يحمل كل خصوصية الأندلس، هو موشح ابن سهل:

هل درى ظبي الحمى أن قد حمى قلب صب حلـه عن مكنـس

وكانت الموشحات متهمة، كما سيأتي، وكانت الأندلس ما تزال وقتها جُرحاً مفتوحاً.

هل هي جاذبية المأساة أم جاذبية الحياة؟ أم هي عملية استرجاع المفقود؟

ثم نراه يحرر كراسة أخرى في الاستدلال على ثبوت توبة الزمخشري من الاعتزال. لقد كان الزمخشري يغري ببراعته في التحليل البلاغي، ويُقلق بإشاراته الاعتزالية. فلابد إذن من استرجاعه، بافتراض توبته من الاعتزال، حتى لا يبقى الخلاف المذهبي عائقا في طريق الفائدة العلمية. هل هذه قضية بسيطة؟ هل هي مجرد فضول علمي؟ لا، إنها مفارقة حية؛ فلا أرى الإفراني مشغولاً بجوهر الأفكار المدانة، بل يهمه عدم تشويه صورة هذا العالم البارع، وعدم تنغيص لحظة اللقاء به من طرف متزمتين يتمسكون بكل الشبه للطعن وتكفير كل من يتحداهم بالعقل. إنها عملية سحب البساط. إنها تهييئ موقع عن الأشياء الجميلة للنفس قبل الغير. وقُلْ مثل ذلك عن إثارته لإسلام ابن سهل في أول المسلك؛ دفع المنغصات. وإلى جانب المفقودات الصريحة التي يسترجعها بهذا الأسلوب أوذاك هناك الحاضر المغيب غير المتحدث عنه بالاسم، إنه الزاوية الدلائية التي هدمتها السلطة القائمة.
التقى الإفراني مع مأساة الزاوية الدلائية في فاس. وذلك بمعايشة شيوخها، أو تلاميذهم المباشرين الذين استقروا بفاس مثل محمد بن أحمد المسناوي. وهو صاحب "مقامة" أدبية جميلة تصف رحلة خيالية إلى أطلال الزاوية الدلائية[4]. ولا شك أن رائية اليوسي في رثاء الزاوية الدلائية قد رسمت طريقا لأدب المأساة في هذا العصر، ثم عَبَّدهُ شُراحُها فأصبح سالكا مَسلوكا[5]. "و قد ظلت الزاوية الدلائية ـ كما سبق أن قلت (في الإفراني... )ـ مأوى لأفئدة أدباء العصر الإسماعيلي، بل تعداهم ذلك إلى أدباء لم يَرَوْا الزاوية، ولا عاشوا في أكنافها، مثل الأديب المؤرخ محمد الإفراني الذي أشاد بها وبرجالها"[6].

نقول، عوداً على بدءٍ، إن تلك الشحنة الوجدانية كانت جاهزة في النفس للاشتغال بالتعاضد مع مثيرات أخرى؛ إنها الحالة المهيئة.

ويبدو أن الوقوف على أطلال مراكش كان المناسبة المباحة، غير المراقبة، في الظاهر، لتركيز كل أحاسيس الفقد واسترجاع كل المفقودات، ولا غرو أن يُوقف على أطلالِها بالشعر الذي وُقف به على أطلال الأندلس.

فمن سوء حظ هذه المدينة أن ارتبطت في هذه المرحلة الانتقالية بالمعارضة، بل الثورة، سواء انطلقت من جبال الأطلس أو من السوس: تارودانت (ثورة محمد العالم) فمركز التصادم هو مراكش، وما زال الأمر كذلك حتى انتقلت عاصمة الدولة إليها في عهد محمد بن عبد الله. كان حالُها بالنسبة لمؤرخ يسترجع مجدها حالَ مأساةٍ مجسَّدةٍ. لنستمع إلى ما قاله عند معاينته ما آل إليه حالُها عند عودته من رحلة الطلب الطويلة بفاس: "ولما دخلت البديع، مقفلي من الرحلة، ورأيت ما هالني، قرأت علها أبياتا أنشأها محيي الدين بنُ عربي في كتاب المسامراتِ لما دخل الزاهرة فوجدها مُتهدمةً:

ديارٌ بأكنافِ الملاعبِ تلمعُ
ينوحُ عليها الطيرُ من كل جانبٍ
فخاطبتُ منها طائراً متفرداً
فقلتُ: على ماذا تَنوحُ وتَشتكي؟




وما إن بها من ساكنٍ وهي بَلقعُ
فتصمُتُ أحياناً وحِينا ترجِّعُ
له شجنٌ في القلبِ، وهو مروَّعُ
فقال على دهرٍ مضى ليسَ يَرجعُ[7]


وأنشد شعراً آخرَ في هذا المعنى.

إن هذه الشحنة الوجدانية التي تندفع في كل الزوايا لاستبدال الأدنى بالذي هو خير (على ضد ما يفهم من الآية القرآنية) تستحضر على الدوام ـ حتى وإن لم تصرح ـ بذلك القوةَ المضادة، وهي مستعدة للفضح والاقتصاص قصد العبرة والاعتبار. سيكون الاصطدام بفقهاء مراكش فرصة للتعبير الصريح عن الآخر الكامن، وسنقف على ذلك في حينه. أما الآن فنعرض حدثا يبدو عابرا ولكنه ذو أبعاد صريحة ورمزية يُلقي الضوء على جوانب من شخصية الإفراني.

مات أحد قضاة فاس المشهورين بالانحراف عن شرف أخلاق المهنة، فقال فيه أحد الفقهاء الشعراء:

تولَّــى الحُميــدِي وأحزابُــه
ومــاتَ وخفَّـــت موازينُـــه

وأيـــامُ دولتِـــه الغاويــهْ
وصـــار إلى أُمِّـــهِ الهاويــــهْ


رد مع اقتباس