شخصية الشهر
تهدف زاوية (شخصية الشهر) إلى إلقاء الضوء على أحد أعلام العربية في الوطن العربي، سواء أكان ذلك بالحوار أم بالكتابة عنه؛ وذلك بهدف إبراز الوجه التنويري والتثقيفي لهؤلاء العلماء، وتقريب مؤلفاتهم للمثقف العربي، وهذا غيض من فيض نحو حق هؤلاء العلماء علينا.
مصطفى يوسف: مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية:
2- العالم اللغوي الكبير الأستاذ الدكتور محمود فهمي حجازي في محاضرته بمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
محمود محمد فهمي حجازي: لغوي، مترجم. وُلد بالمنصورة بمصر عام 1940م (1359هـ)، وتلقى بها تعليمه الابتدائي بمدرستها الأميرية، ثم بمدرسة الملك الكامل الثانوية. حصل على الليسانس الممتازة في الآداب من كلية الآداب جامعة القاهرة 1958م، وكان أول فرقته وأصغر خريجيها. حرص في أثناء دراسته على تعلم اللغات الأجنبية، وكان يتابع مقررات قسم اللغة الألمانية بمدرسة الألسن التابعة آنذاك لوزارة التعليم العالي حتى أتقنها. عُين معيدًا بكلية الآداب 1959م بقسم اللغة العربية. أُوفد إلى ألمانيا للحصول على درجة الدكتوراه، وعلى مدى خمس سنوات درس مقررات لغوية في علم اللغة وفي الدراسات المقارنة وفي الآداب الشرقية والأوربية. نال درجة الدكتوراه من جامعة ميونخ 1965م وكانت في: منهج التحليل اللغوي. عاد إلى كلية الآداب، وتدرج في مراتبها الأكاديمية مدرسًا 1965م فأستاذًا مساعدًا 1972م، فأستاذًا 1978م. دُعي غير مرة أستاذًا زائرًا بجامعات أوربية في ألمانيا والمجر وهولندا وفرنسا، وبجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، وبالجامعة الأمريكية بالقاهرة. عُين وكيلاً لكلية الآداب للدراسات العليا والبحوث بجامعة القاهرة من 1989 إلى 1994م. وعُين كذلك رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية (1994 – 1997م). انتُخب عضوًا بالمجمع عام 1999م. عُين رئيسُا لجامعة نور مبارك بكازخستان من2001 إلى 2014م. كان عضوًا في هيئات علمية وثقافية دولية وعربية، منها مجمع اللغة العربية بدمشق منذ عام 1994م، واتحاد الكتاب منذ 1985م، والمجمع العلمي المصري 1995م. من مؤلفاته: "منهج السيرافي في التحليل اللغوي باللغة الألمانية"، و" اللغة العربية عبر القرون"، و"علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة"، و"علم اللغة العربية"، و"مدخل إلى علم اللغة"، و"الأسس اللغوية لعلم المصطلح"، و"البحث اللغوي"، و"اللغة العربية في العصر الحديث"، و"أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي"، و"طه حسين: حياته وفكره". وأشرف وترجم أكثر من عشرين مجلدًا، منها تاريخ الأدب العربي لبروكلمان وتاريخ التراث العربي لسركين. وله جهد ملموس في التخطيط وتنفيذ المشروعات في إطار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وفي المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بماليزيا. اختير خبيرًا بالمجمع منذ عام 1975م، ثم انتُخب عضوًا عام 1999م. نال وسام الاستحقاق الاتحادي من الطبقة الأولى لجمهورية ألمانيا الاتحادية لعام 1977م، وجائزة جامعة القاهرة التقديرية في العلوم الإنسانية عام 1998م، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1998م، والدكتوراه الفخرية بدرجة أستاذ من جامعة اللغات العالمية في كازخستان ووسام رئيس جمهورية كازخستان عام 2013م.
• حياة اللغات ترتبط بعوامل بشرية ودينية واقتصادية وعلمية وسياسية وإدارية.
• تُعد معاجم الطفل العربي من أهم المتطلبات المعاصرة.
• مشروع المعجم التاريخي للغة العربية من أكبر المشروعات العلمية اللغوية الثقافية.
• النهوض باللغة العربية قي العالم الإسلامي من أهم متطلبات الحاضر.
• ليست السياسة اللغوية مجرد أمل؛ إن لها مقومات كثيرة في التدريب والمطبوعات والمتابعة.
• زيارة مجمع اللغة العربية في مكة المكرمة كانت مصدر سعادة لي.
كل هذا وغيره كثير... فإلى تفاصيل الحوار:
• حذَّرت منظمة اليونسكو من انقراض اللغة العربية بعد ثلاثين عامًا من الآن. برأيكم هل هناك أخطار تهدد بقاء العربية وتؤذن بزوالها حقيقةً؟ وما هي إن كانت؟ وكيف يمكن مواجهتها؟
- حياة اللغات ترتبط بعوامل بشرية ودينية واقتصادية وعلمية وسياسية وإدارية. اللغة العربية لها مكانتها الدينية في العالم الإسلامي، وهي اللغة الوطنية في الدول العربية، عدد أبنائها نحو مئتين وثمانين مليونًا في داخل هذه الدول. وهي اللغة الثانية في عدة مناطق من دول الجوار، وهي إحدى لغات العمل في منظمات دولية وإقليمية متعددة ولغة إنتاج علمي وأدبي يزيد عامًا بعد عام. الحديث عن الأخطار فيه مبالغة شديدة، ولكن طموحنا نحو استقرار العربية في مكانتها العالمية يجعلنا نشير إلى أهمية كل الوسائل لدعم استخدامها في التعليم والإعلام والإدارة والحياة العامة في داخل الدول العربية والنهوض بتعليم العربية في الخارج. وكل تقدم يحرزه العرب يقوي مكانة اللغة العربية.
• يتهم الكثير من المثقفين المجامع اللغوية العربية بأنها تعمل في صوامع مغلقة بعيدة عن الواقع المعيش. إلى أي مدى تتفق مع هذا الرأي أو تختلف؟
- هناك سوء فهم لدور المجامع اللغوية منذ بداية عملها؛ الاهتمام بتلبية متطلبات الواقع العربي المعاصر يظهر في إعداد المعاجم العامة والمتخصصة وفي متابعة الألفاظ والأساليب الجديدة، وفي بحوث تناولت اللغة في التعليم، واللغة في المجتمع، واللغة في الإدارة، وفي أعمال نظرية وتطبيقية في مصطلحات عدد كبير من التخصصات. تتطلب الحياة المتغيرة مزيدًا من الجهود مع صلة أقوى بالمجتمع، والتوعية بأهمية اللغة، وبأن ذلك يُعد في الدول المتقدمة من ملامح الانتماء.
• كثرت النداءات في الآونة الأخيرة بضرورة السعي نحو إنجاز معجم لغوي للطفل العربي. برأيكم هل ترى ذلك من الضرورة بمكان؟ وما الذي تطمح إليه في مثل هذا العمل؟
- المعاجم في العصر الحديث تنوعت وتعددت بشكل واضح. وفي التراث العربي عرفت بيئات غير عربية جهودًا لاختيار ألفاظ أساسية عربية للناشئة. أما معاجم الطفل العربي فتُعد من أهم المتطلبات المعاصرة، وهي من عدة أنواع منها المعاجم المصوَّرة لمن هم في بداية مرحلة التعلم، ومعاجم لمراحل تالية، ومنها المعاجم الموسوعية التي تقدم معلومات أساسية مع الصور، ومنها المعاجم الدلالية للألفاظ التي يحتاجها الطفل في مراحل التعليم. بدأت جهود في بعض هذه الاتجاهات، ولكنا بحاجة إلى مشروعات كثيرة في هذا المجال المهم.
• تعاني العربية- منذ وقت ليس بالبعيد- بالغربة والاستهجان من أبنائها، بالإضافة إلى مزاحمة اللغات الأجنبية لها في دور التعليم وفي أماكن الإدارة. هل من مخرج للتغلب على ذلك؟
- هذه الغربة تمثل مشكلة تتطلب بحثًا وحلولاً وتوعية؛ البحث يتناول الأسباب والتوزيع الجغرافي والسكاني، والحلول تكون في استحداث تيار جديد للاهتمام باللغة العربية بوصفها لغتنا الوطنية والدينية، وأن إتقانها مهم للمواطن والمواطنة، وأن يكون للغات الأجنبية أدوارها المحددة التي لا تطغى على العربية. وكل هذا في إطار وعي لغوي جديد من أجل مستقبل أفضل يقوم على دعم الانتماء من جانب، وتقبل الجديد من جانب آخر، وأنه لا تعارض بينهما.
• منذ أيام قليلة افتتح الشيخ الدكتور سلطان القاسمي أمير الشارقة المبنى الجديد لاتحاد المجامع اللغوية العربية، والذي سيكون منطلقًا لإنجاز المعجم اللغوي التاريخي. برأيكم هل المجامع العربية مهيأة للوفاء بحصصها نحو إنجاز هذا المشروع الضخم؟ وما السبيل لتحقيق ذلك؟
- مشروع المعجم التاريخي للغة العربية من أكبر المشروعات العلمية اللغوية الثقافية. الدول العربية متعددة، وفي عدد منها مجامع ومؤسسات بحثية ومراكز لغوية. هذا المشروع جدير بخطة كبيرة ومراحل تنفيذية متعددة تنهض بها كل المجامع والمؤسسات والمراكز. وفي كل هذه الجهات تكون وحدات بحثية مناسبة من أهم وسائل التنفيذ للعمل طبقًا لخطة عمل واضحة.
• "التعريب" قضية شغلت علماء العربية قديمًا وحديثًا. إذا أردنا توزيع الأدوار نحو تعريب العلوم. فكيف نوزِّعها؟
- توزيع الأدوار يكون بين المجامع من جانب والجامعات من جانب آخر، في إطار سياسة لغوية توضح ما يكون بالعربية وما يكون بالإنجليزية وما يكون بلغة أخرى. لم تعد الاتصالات بين كل الجهات مشكلة؛ فقد يسَّرت التقنيات الحديثة ذلك. وقريبًا يكتمل موقع مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ويكون به نحو مئتي ألف مصطلح مع التعريفات في كل فروع العلم، ويكون هذا الرصيد متاحًا بطريقة سهلة ومباشرة لمن يطلبه.
• (الكتاب- المعلم- المدرسة) شمَّاعات يعلِّق عليها الكثير تأخر العملية التعليمية في الوطن العربي. برأيكم ما الأسباب؟ وما الرؤى نحو صناعة تعليم وطني هادف؟
- لا شك في أهمية الكتاب والمعلم والمدرسة؛ وكل أساس من هذه الأسس يتطلب تنمية في عدة اتجاهات. الكتاب الثقافي له دوره إلى جانب الكتاب المدرسي، واستخدام التقنيات بمادة عربية يُعد من متطلبات المستقبل. ورفع مستوى المعلمين لغويًّا وأدبيًّا وثقافيًّا وتربويًّا من خلال التدريب والشروط المهنية للترقية؛ مما يجعل للعمل التربوي مستوياته ومكانته. الفصول الدراسية لها دورها في عملية التعلم إلى جانب المكتبة والنشاط والمسابقات في موضوعات ثقافية باللغة العربية، وتنظيم التقويم والامتحانات لقياس المهارات إلى جانب المعلومات ووضع المعايير الموضوعية لذلك؛ مما يجعل التعلم فاعلاً وجادًّا وممتعًا وملبيًا للمتطلبات الثقافية والمهنية العامة.
• شرفت جامعة مبارك نور سابقًا (النيل حاليًّا) بدولة كازاخستان برئاستكم لها مدة تفوق عشر سنوات. ما الذي ينقص هذه الدول حتى تنتعش العربية بها؟ وما الآمال التي يعلقونها على علماء العربية في الوطن العربي؟
- النهوض باللغة العربية قي العالم الإسلامي من أهم متطلبات الحاضر. وحاليًّا يتعلم العربية في خارج البلدان العربية نحو مليون تلميذ في مدارس التعليم العام، وهذا عدد كبير نسبيًّا، والطموح كبير لزيادة هذا العدد في السنوات القادمة. تدريب المعلمين مجال مهم، وتزويد المدرسين بكتب القراءة الثقافية الإضافية؛ مما ينمي الكفاءة اللغوية، إعداد الخبراء في علم اللغة التطبيقي من المهم أن يُدعم، المعاجم الأساسية والمدرسية تتطلب مشروعًا مستمرًّا للعربية مع لغات أخرى؛ كل هذه جوانب مهمة إلى جوانب الإفادة من التقنيات الحديثة في مجالات كثيرة. وقد قامت المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية بجهود تُذكر فتُشكر للنهوض بتعليم العربية في الخارج، وكذلك المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة. ومن المتوقع أن تستأنف المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عملها في هذا المجال، إلى جانب دعمها القوي لمعهد الخرطوم الدولي للغة العربية. وكل تقدم واستقرار في الدول العربية يدعم مكانة العربية على المستوى العالمي.
• عُني الدكتور محمود فهمي حجازي باتجاهات السياسة اللغوية في الكثير من أبحاثه. هل من اليسير بمكان رسم سياسة لغوية موحَّدة في الوطن العربي؟ وما النموذج الذي يمكن احتذاؤه في ذلك؟
- السياسة اللغوية مفهوم جديد نسبيًّا في علم اللغة التطبيقي يتجاوز اللوائح الجزئية لاستخدام اللغة في مجال محدد إلى رؤية شاملة لمستقبل اللغة في الدولة الواحدة أو في دول المجموعة اللغوية الواحدة. السياسة اللغوية تكون لها أهداف محددة بالنسبة للغة الوطنية في التعليم والإدارة والإعلام والمجتمع، وتحدد أيضًا مكانة اللغة الأجنبية. السياسة اللغوية تضعها سلطة محددة وتنفذها جهات حكومية وغير حكومية وتتابعها وتنهض بها. ليست السياسة اللغوية مجرد أمل؛ إن لها مقومات كثيرة في التدريب والمطبوعات والمتابعة. وقبل هذا كله ينبغي التوعية الاجتماعية بأهمية اللغة والسياسة اللغوية وتكوين رأي عام يهتم باللغة والدقة في استخدامها، وهو ما يُسمَّى في بعض الكتابات باسم "الثقافة اللغوية".
• شرف مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية بمكة المكرمة بزيارتكم الكريمة له. إلى أي حد كانت فكرة هذا المجمع موفَّقة؟ وما الذي يمكن أن تقدمه له من نصائح؟
- زيارة مجمع اللغة العربية في مكة المكرمة كانت مصدر سعادة لي؛ نظَّم اللقاء مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي للغة العربية ومديره سعادة الدكتور عبدالله الوشمي، ورئيس مجمع اللغة العربية سعادة الدكتور عبد العزيز الحربي. حضر الملتقى نخبة من المهتمين بالعربية وعمداء الكليات وأساتذتها، وكانت الموضوعات جادة، والمناقشات واعية، والآمال عريضة للنهوض بالعربية والتخطيط لمستقبلها. والشكر لكل من شارك بالتخطيط أو بالحضور وإثراء المناقشة.
• وأخيرًا هل تود سيادتكم إضافة شيء لم يتطرق الحوار إليه؟
- لا... شكرًا. فقط أود الثناء على هذا التحقيق الصحفي المتميز الذي شمل أغلب القضايا اللغوية والفكرية المطروحة على الساحة.

أ.د. محمود فهمي حجازي مشاركاً بمؤتمر مجمع القاهرة