حمار ولعب بعقل التيس!
تذكرت هذا الصباح – وأنا أتجول في سوق شعبي شاهدت فيه سراويل داخلية مصنوعة من القطن تدفئ السيقان في الشتاء كان المسنون في بلاد الشام يلبسونها تحت القنباز – بائعا متجولا كان يبيع هذا النوع من السراويل القطنية في مدينة حماة في مستهل السبعينيات من القرن الماضي. كان ذلك البائع يتجول في الشوارع وينادي بصوته العذب: (بَنْطَرْلُونْ أَنْتَرْلُوكْ. بنطرلون أنترلوك. بنطرلون أنترلووووووووك.) ثلاثا، وكان يمط صوته في الثالثة مطا عجيبا. ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بالصوت وبالنطق وبصورة البائع الذي كان يُظن أنه كان مصريا أو فلسطينيا.
وتذكرت أن أحد سكان الحي ارتاب في هذا البائع إبان حرب تشرين/أكتوبر سنة 1973، وزعم أنه جاسوس إسرائيلي، فانقض عليه سكان الحي ضربا وسحلا في الشارع، وأدموه، ومزقوا سراويل (الأنترلوك) التي كان يترزق من بيعها تمزيقا. ثم شاهدتهم، وكنت ابن عشر سنوات ونيف تقريبا، وهم يسجبونه إلى دكان لأحد جيراننا ويغلقون الباب الجرار عليه وهم ينتظرون الشرطة.
جاءت الشرطة وأخذته وهو يصرخ بما تبقى له من قدرة على الصراخ، ويقول والدماء تغطي وجهه: "أنا فلسطيني من أهل غزة يا إخوان. عربي مسلم .. الله وكيلكم ماني يهودي"! لكن أحدا من الناس لم يصدقه، ورأيتهم يعينون الشرطة في سحبه إلى السيارة لأنه لم يكن يقوى على المشي، وفي التنكيل به حسب الأصول!
وأمس سمعت أن سوريا من معارفي كان لجأ إلى مصر هو وأسرته تعرض لموقف مشابه .. فلقد شاء سوء طالعه أنه مر ذات يوم منكر من حي في القاهرة ينشط فيه جماعة السيسي، فلما عرفوه سوريا اتهمه أحدهم بأنه كان يتظاهر مع جماعة مرسي ضد السيسي، فانهال عليه جميع من كان في الشارع ضربا وتنكيلا وأصابوه بكسور في أضلاعه وساعده وأسمعوه كلاما يندى له جبين الحياء خجلا. لم يكن المسكين يتظاهر مع أحد، بل كان ذاهبا إلى مكتب لقضاء حاجة إدارية!
في الحالتين: حالة بائع (البنطرلون أنترلوك) الغزاوي في حماة وحالة اللاجئ السوري في القاهرة، كان ثمة من يقول قولا فيصدقه الناس بدون إعمال للعقل، فيثور الناس كالهمج، ويهيجون كالثيران؛ كأن الله سبحانه لم يهبهم عقولا سليمة يفكرون بها، وفطرة سليمة يميزون بها بين الخير والشر، وقدرة على الاختيار والتمييز، ودينا حنيفا يدعوهم إلى العدل والتروي والإنصاف والإحسان ويبين لهم.
ما وجدت في اللغة أصدق وصف لهؤلاء الثيران الهائجة المضربة عن التفكير وعن إعمال العقل من المثل البلدي: (حمار ولعب بعقل التيس)! فهؤلاء الرهط – فعلا - تيوس سلموا قرونهم لحمير فأوردوهم المهالك وصاروا في الحمورية والتياسة كشق الأبلمة ولا فرق!
نسأل الله أن يثبت علينا فضيلتي الإيمان والعقل.