لقد شجع على هذه الدراسة أني لم أجد - بعد طول بحث ونظر - من كتب عن الفرح كتابة مستقلة، وهذا مبلغ علمي في ذلك.
جاءت هذه الدراسة في ضوء القرآن الكريم، وكان مِحْوَرَها، واستعنت بالدراسات الإنسانية؛ لعلها تكون خطوةً في الاتجاه السليم نحو تأصيلٍ لانفعال الفرح بخاصة، والانفعالات الأخرى بعامة، وهي من جهة أخرى: محاولة لتقديم دراسة تطبيقية لموضوع قرآني، في ضوء خطوات التفسير الموضوعي.
تمهيد:
الفرح واحد من عدة انفعالات تشكل بمجموعها - عند بعض علماء النفس - الانفعالات الأصلية أو الأساسية [1، ص50] للنفس البشرية، وهي: الفرح، والحزن، والحب، والكره، والرغبة، والتعجب [1، ص51].
ينبثق عنها ما سمي بالانفعالات الخاصة، وهي تربو على الثلاثين عند "ديكارت" [1، ص51]، ومنها: التكبر، والحسد، والشماتة، والندم، والرأفة؛ لكنَّ هذه وأشباهَها عند آخرين بعضُ أنواع الانفعالات الأصلية، ويبدو هذا التقسيم فنيّاً [2، ص34].
إن الفرح الذي يَعنينا في هذه الدراسة ذاك الفرحُ الفطري المعروف، وهو كغيره من الانفعالات التي خلقت مع الإنسان، وجُبِلَتْ عليها النفس، فما من إنسان إلا وهو يفرح ويحزن كما قال علماء النفس [2، ص34]، وسبقهم السلف إلى هذا المعنى بعبارة أكمل نُقِلت عن ابن عباس، ونسبها بعضهم إلى تلميذه عكرمة، جاء فيها: "ليس من أحدٍ إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبتَه صبراً، وغنيمتَه شكراً" [3، جـ17، ص258].
قيل: إن الفرح ليس خاصاً بالإنسان؛ فإن الحيوانات تفرح، وتعبر عن فرحها بالضحك [4، ص83] باعتباره أهم الإشارات الدالة على الفرح [1، ص51]، والغالب أنها تعبر عن فرحها بحركات قد يعرفها من يُعْنى بشؤونها.
قد لا يقبل "المَنَاطِقَةُ" هذا الرأي، وهم الذين يُعَرِّفون الإنسان بأنه حيوان ضاحك؛ تمييزاً له عن سائر المخلوقات، وهي دعوة لإعادة النظر في هذا التعريف، في ضوء تطور الدراسات التي تُعْنى بشؤون الطيور والحيوانات، والتي بلغت شأواً يستحق التأمل.
إن الفرح - من حيث هو انفعالٌ طبيعي، وشعور وجداني - شيءٌ جميل، وحسبنا دليلاً أنه مشروع في أصله، وهو صفة كمال [5، جـ3، ص464]، وجاء النص الصحيح في إثباته لله تعالى، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لَلَّهُ أَفْرَحُ بتوبة عبده من أحدكم؛ سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة))[1].
لقد أثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفرحَ لله تعالى، ونحن نثبت لله تعالى هذه الصفة كما أثبتها له رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكما أثبت الله تعالى لنفسه مثيلاتها من الصفات، كالغضب والحب، إثباتاً يليق بجلاله، ويناسب ذاتَه الْعَلِيَّة.
ولا يُلْتَفَت إلى ما ذكره بعض شُرَّاح الحديث [7، جـ1، ص84] في هذا المقام من تأويل الفرح بالرضا؛ بحجة أن الله تعالى منزَّه عن الفرح؛ لأنه اعتزاز وطرب، يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بغرضٍ يستكمل به نقصانه، أو يسد به خَلَّتَه، أو يدفع به عن نفسه ضرراً أو نقصاً.
ولا يتعذَّر على منصف أن يثبت لله هذه الصفات، مع تنزيهه - سبحانه - عن المشابهة والمماثلة، في ضوء قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11].
فالرب - سبحانه - يوصف بالفرح اللائقِ بذاته، والمباينِ لفرح الخلق - [9، ص308]، وفى هذا إشارة إلى إيجابية الفرح كما ذكرنا، فهو قِوام تمتع النفس بالخير، الذي تُصَوِّره لها انطباعاتُ الدماغ على أنها تملك خيراً معيناً [1، ص62]، يستحق أن يقابل بهذا التأثر المبهج، وهو الفرح.
كثير من متع الحياة تتوقف على الفرح؛ لأن الانفعالاتِ - في ذاتها - جزءٌ من تكوين الإنسان السَّوي، والسوء إنما يأتي الفرح من خارجه [1، ص10]، فيحيله إلى شيء مذموم ومضر، يؤدي بالإنسان إلى الخسران.
لقد أدرك الفلاسفة وعلماء النفس هذا الأمر، فنبَّهوا إلى أثر الإرادة في تهذيب الفرح [1، ص410] باعتباره انفعالاً، وعبّر بعضهم عنها بقوة الأعصاب [1، ص64]، أو بضرورة ممارسة الفضيلة؛ لتجنب الآثار السلبية للفرح على النفس [1، ص9]، ومنهم من ربط بين الفرح كونه انفعالاً وبين قوة التفكير [10، ص ص261-263؛ 11، ص201]، وآخرون وصفوا الضابط الذي يُجنّب الإنسان سلبيات الفرح بالمكابدة [12، ص150].
للقرآن في هذا المجال منهج متميز، سيكون محورَ هذه الدراسة - إن شاء الله - بخاصة أن القرآن الكريم يتضمن اثنتين وعشرين آية عرضت للفرح صراحةً، بالإضافة إلى آيات أُخَرَ ألقت بظلالها على هذا الموضوع، يضاف إليها أحاديث نبوية أسهمت في التأصيل الشرعي للفرح.
حمل خلقُ الله تعالى لأبى البشر آدم - عليه السلام - كثيراً من مظاهر التكريم له؛ فقد خلقه الله تعالى بيديه الكريمتين، قال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ } [ص:75].
ونفخ الله تعالى في آدم من رُوحه، وأمر الملائكة أجمعين أن يسجدوا له: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:29]، إضافةً إلى كثير من مظاهر التكريم، والتي عرض لها القرآن، ليس هذا مقامَ ذكرها.
لقد صاحب مظاهرَ التكريم هذه تلبُّسُ الإنسان ببعض الصفات السلبية، جعلها الله تعالى في النفس البشرية؛ لحكم أرادها سبحانه وتعالى، منها: تأكيد حاجة الإنسان لعناية ربه وهديه ورحمته، فكان أن تلبَّس الإنسان [13، ج29، ص169] أشد التلبس بصفات: كالضعف، والعجلة، وجعلت في قالب أنه جُبِلَ عليها وخلق منها؛ إمعاناً في إبراز تأصيلها في نفسه.
خُلق الإنسان عجولاً، يقول تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]، ولازمته صفة الضعف: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء:28]، ومن الضعف والعجلة نشأت صفة عدم التوازن.
إن الإنسان - بصفة عامة - غيرُ متَّزن تجاه انفعالاته، وما يَعْرض له، وأكد القرآن الكريم هذه الصفة في مواضع منها: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} [ المعارج:19-21]، والهلع: قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها، أو عند توقع ذلك والإشفاق منه [13، جـ29، ص 167].
إذا جاء الفرح مطلقاً فهو مذموم - في نظر هؤلاء - كما في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76]، نقل هذا ابن القيم [5، ص455]، وقال الآلوسي: "وأكثر ما ورد الفرح في القرآن للذم، فإن قُصِد المدح قُيِّد" [23، جـ12، ص16]، ومثّل للأخير صاحب "البحر المحيط" [24، ج5، ص17] بقوله تعالى: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران:170].
يبدو أن ما ذُكر محل نظر، وليس بمُطَّرِد، فقد جاء الفرح مقيَّداً في مقام الذم: {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]، وقوله تعالى: {وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد: 26].
وهذا ما تنبه له ابن عطية حين قال [32، جـ7، ص 284]: "ولا يأتي الفرح في القرآن ممدوحاً؛ إلا إذا قيد أنه في الخير"، فقيد التقييد الذي أطلقه غيره؛ ليجعل الفرح الممدوح ما قيد بالخير، فيكون المذموم ما قيد بنقيضه أو ترك.
سار على هذا ابن القيم [5، ص456] حين جعل الفرح المقيد نوعين: مقيد في الدنيا يُنسي صاحبَه فضلَ الله ومنته، ومثّل له بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ} [الأنعام: 44]، والثاني مقيد بفضل الله ورحمته ومثّل له بقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: 58].
هذا كلام مستقيم، بيدَ أنه لا يسوغ التسليم بهذا التقسيم؛ فالآيات التي ورد فيها ذكر الفرح في القرآن الكريم اثنتان وعشرون آية، مقيدة صراحةً بذكر المتعلق، سواء أكانت في الفرح المحمود أو المذموم.