يتبع :
(3)
الجهة الثانية: أنه الأكثر إبداعاً في جلِّ فنون القول وضروب الفصاحة وأنواع البلاغة، والأفضل فيهنَّ على غيره، ولئن اشترك معه بعضهم في الإبداع، فقد أضحى هو مجمعها والملم بأشتاتها، مع تقدمه عليهم زمناً.
فمن ذلك:
1. إنه أحسن من أشار:
قال عيسى بن عبد العزيز الطاهري: جمعني وقدامة الكاتب مجلسٌ، ولم أرَ أفرسَ منه في بيت شعر، فسألته عن الإشارة، فقال: هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة، فقلت: اذكر أحسن ما يحضرك في ذلك، فقال: لم يأتِ أحد بمثل قول زهير (من الوافر):
فإني لو لقيتك ، فاتجهنا = لكان لكل منكرة كفاءُ
وقول امرئ القيس – في وصف الفرس – (من الطويل):
عَلى هَيكَلٍ يُعطيكَ قَبلَ سُؤالِهِ = أَفانينَ جَريٍ غَيرَ كَزٍّ وَلا وانِ
وقال آخر: ما اشتملت عليه لفظة (أفانين) مما لو عدّ لكان كثيراً، وما اقترن بها من أصناف الجودة طوعاً، عن غير مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والونى، وهما أكبر معائب الخيل التي يرتبطها الفرسان للمنازلة.
2. أنه أحسن من قسّم:
قال أبو علي: لا أعرف أحسن تقسيماً من قول الأسعر الجعفي في وصف فرس (من الكامل):
أما إذا اســــتقبــلـــــــته فكأنَّهُ = بازٍ يكفكفُ أن يطيــــر وقد رأى
أما إذا اســــتدبــــــرته فتنوفةٌ = ساقٌ قموص الوقع عارية النسا
أما إذا اســـتعرضته متمطِّــراً = فتقول هذا مثل سرحــــن الغضا
إني رأيت الخيل عزّاً ظاهــراً = تنجي من الغمّا ويكشفن الدُجى
وشبيه هذا قول امرئ القيس (من المتقارب):
وَأَركَبُ في الرَوعِ خَيفــــانَةً = كَسى وَجهَها سَعَفٌ مُنتَشِــــــر
إِذا أَقبَلَت قُلـــتَ دُبّــــــــــاءَةٌ = مِنَ الحُضرِ مَغموسَةً في الغُدُر
وَإِن أَدبَـرَت قُلتَ أَثـفِيَّــــــــةٌ = مُلَملَمَةٌ لَيسَ فيهــــــــــــــا أُثُر
وَإِن أَعرَضَت قُلتَ سَرعوفَةً = لَهـــــا ذَنَبٌ خَلفَهـــــا مُسبَطِر
وكل من جاء بتقسيم بعد امرئ القيس فقد اقتفى أثره هذا واغترف من نهره.
3. إنه أحسن من تابع:
قال أبو علي: وأبدع ما قيل في التتبيع، وهو أن يريد الشاعر معنىً، فلا يأتي باللفظ الدال عليه، بل بلفظٍ تابع له، فإذا دلَّ التابعُ أبان عن المتبوع. وأحسن ما قيل في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة (من الطويل):
بعيدة مهوى القرطِ ، إما لنوفلٍ = أبوها، وإما عبد شمسٍ وهاشمِ
وأبدع من هذا التتبيع قول امرئ القيس (من الطويل):
وَيُضحي فَتيتُ المِسكِ فَوقَ فِراشِها = نَؤومُ الضُحى لَم تَنتَطِق عَن تَفَضُّلِ
إنما أراد أن يذكر ترفّه هذه المرأة، وإن لها ما يكفيها، فأتى باللفظ التابع لذلك.
4. إنه أحسن من أوغل:
قال أبو علي: التبليغ أو الإيغال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تماماً قبل انتهائه الى القافية، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها، فتزيد البيت نصاعةً، والمعنى بلوغاً الى الغاية القصوى في الجودة، وأبدع ما قيل في ذلك قول امرئ القيس (من الطويل):
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا = وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
فقد تمَّ الوصف قبل القافية، وذلك أن (عيون الوحش) إذا ماتت وتغيّرت هيئتها، أشبهت الجزع. ثم أتى بالقافية، ثم أكد المعنى البعيد في التأكيد، لأن تشبيه عيون الوحش الجزع الذي لم يثقب أوقع في التشبيه. وزعم الأصمعيّ أنه إذا كان كذلك كان أصفى له وأحسن.
أقول: وفي هذا البيت نفسه فن آخر وهو أيضاً مما فاز امرؤ القيس بقدحه المعلى سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى،
ونعود الى قول أبي علي نفسه، قال:
وقول امرئ القيس أيضاً (من الطويل):
إِذا ما جَرى شَأوَينِ وَاِبتَلَّ عِطفُهُ = تَقولُ هَزيرُ الريحِ مَرَّت بِأَثأَبِ
فقد تمَّ الوصف بالتشبيه قبل القافية، فلما أتى بها زاد المعنى براعةً ونصاعة؛ وذلك لأن (الأثأب) شجر يكون للريح في أغصانه حفيف شديد.
5.إنه أحسن من شبّه شيئين بشيئين:
قال أبو علي: أجمع أهل العلم بالشعر، كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وغيرهما بأن أحسن التشبيه ما يقابل به مشبّهان بمشبهين؛ فإن أحداً لم يقل في ذلك أحسن من قول امرئ القيس (من الطويل):
كَأَنَّ قُلوبَ الطَيرِ رَطباً وَيابِساً = لَدى وَكرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي
شبّه القلوب رطبةً بالعنّاب، ويابسةً بالحشف البالي، وإنما خصَّ القلوب؛ لأنها أطيبها، فإذا صادت الجوارح الطير جاءت بقلوبها الى أفراخها. وقيل: إن الجارح لا يأكل شيئاً من قلوب الطير، وإنما خصَّ القلوب لبقائها في وكر العقاب.
وكل من جاء بهذا الفن فعلى منواله نسج ومن مائه استقى.
قال بشّار: ما زلت منذ سمعت قول امرئ القيس (كأن قلوب الطير رطباً) وأنا أراود نفسي أن أقابل مشبهين بمشبهين، فلا أستطيع ذلك، الى أن قلت (من الطويل):
كأنَّ مثار النقع فوق رؤوسنا = وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبهْ
أما عن أحسن من شبّه، بشكل عام،
فقد قال أبو العباس: أنا أقول: قول ذي الرمّة في تشبيه الرمل بأوراك العذارى – وهذا من احتيال الشعراء – (من الطويل):
ورملٍ كأوراك العذارى قطعتُهُ = إذا لبَّستْهُ المظلمات الحنادسُ
وقول رجلٍ من باهلة يشبّه بغي رجل ذكره (من الوافر):
وبغيُكَ يا بن جَرءٍ في تمادٍ = كسيل الأكم يبتدر الوهادا
وقول امرئ القيس (من الطويل):
كأنَّ عروساً يوم جلــوة أهلها = عليها شنوف الدرّ هضبة أسلافِ
وقال أبو علي: وأنا أقول: إن أحسن التشبيهات قول حميد بن ثور الهلالي (وذكر أبياته) وقول الشمّاخ (وذكر أبياته)، وقول امرئ القيس (من الطويل):
جمعت ردينياً كأنَّ سنانه = سنا لهبٍ لم يستعرْ بدُخانِ
أقول: فانظر كيف اختلفا في ما ذهبا إليه من أبيات، ولم يتفقا إلا على أن أحسن من شبّه هم ثلاثة شعراء، وامرؤ القيس أحدهم.
6. إنه أحسن من حشا بيتاً لإقامة الوزن:
قال أبو علي: وهذا باب لطيف جداً، لا يتيقظ له إلا من كان متوقد القريحة، متباصر الآلة، طبّاً بمجاري الكلام، عارفاً بأسرار الشعر، متصرفاً في معرفة أفانينه.
قال: ومن بارع هذا المعنى قول امرئ القيس (من الطويل):
كأنَّ عيون الوحش ، حول خبائنا = وأرحلنا ، الجزع الذي لم يثقَّبِ
فلو قال (كأن عيون الوحش الجزع الذي لم يثقّب) واستقام الوزن بذلك، لكان التشبيه تاماً واقعاً، فلمّا لم يقم الوزن، أورد في المعنى زيادةً بارعة رائعة؛ لأن قوله (حول خبائنا وأرحلنا) إخبار عن كثرته، وتمدّح منه بأنه مرزوق في صيده.
7. إنه أحسن من أغرق:
وفي الإغراق والغلو قال أبو علي الحاتمي ،بعدما ذكر أبياتاً في أحسن ما قيل في ذلك في وصف سرعة الفرس، قال: وبيت امرئ القيس أحسن وأشبه. وأحسبه أول من طرق هذا المعنى بقوله (من الطويل):
كأنَّ غلامي إذ علا حال متنهِ = على ظهر بازٍ في السماء محلّقِ
8. إنه أحسن من مكّن قافيةً:
وهو أن يتخيّر من القوافي أسهلها لفظاً وأوضحها معنىً، ينفي الجافي عنها، ويميّز القلق منها، ويسوق البيت الى القافية سوقاً لطيفاً، حتى يكون لفقه وطبقه، فإنه إذا اعتمد ذلك وقعت القافية مستقرّة غير قلقة ولا نافرة، حتى لو أراد مريدٌ أن يبدلها بغيرها لم يستطع ذلك .
وقد أورد أبو علي أبياتاً في ذلك، ثم أردف: أحسن القوافي عندي تمكناً وألطفها موقعاً، قول امرئ القيس (من الطويل):
بعثنـا ربـيئـاً ، قبل ذلك ، مخملاً = كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي
فقوله (يتقي) مستقرةً في أحسن مستقرٍّ.
9. إنه أحسن من أتى بمثلين في بيت واحد:
قيل للفرزدق: أي بيتٍ قالته العرب أحكم؟ قال: ما اشتمل على مثلين، يستغنى في التمثيل بكل واحد منهما على حدته عن صاحبه. ثم أنشد قول امرئ القيس (من الكامل):
الله أنجحُ ما طلبت بهِ = والبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
قال الأصمعي: زعموا أنه ليس في الشعر بيتٌ أوله مثل ، وآخره مثل، إلا ثلاث أبيات، وهي: قول الحطيئة (من البسيط):
من يفعلِ الخير لا يعدم جوازيَهُ = لا يذهب العرفُ بين الله والناسِ
وقول امرئ القيس (من الوافر):
وأفلتهنَّ علبـاء جريضاً = ولو أدركنهُ صَفِرَ الوطابُ
وقاهم جدُّهم ببني أبيهم = وبالأشقين مـا كان العقابُ
قال أبو علي: قوله (صفِرَ الوطاب): قُتل فخلت وطابه من اللبن الذي كان يسقيه الأضياف، وهو أول من نطق بهذا المعنى. وفي قوله (صفر الوطاب) معنى آخر حسن، وهو أنه قتل بخلاء جسمه عند موته من روحه، كما يخلو الوطب من اللبن. فأخذ هذا المعنى منه الأعشى وغيره.
قال: وأنا أذكر من أبيات الشعر الذي يتمثل بصدورها وأعجازها، وأوضح سقوط قول الأصمعي الذي تقدم، فمن ذلك قول امرئ القيس (من الطويل):
فإنَّك لم يفخر عليكَ كفاخرٍ = ضعيفٍ (فهذا مثل سائر)
ولم يغلبك مثل مغلّبِ (فأتى بمثل سائر)
وقال ابن سلام: ليس من بيتٍ إلا وفيه مطعن، إلا قول الحطيئة (من البسيط):
من يفعلِ الخير لا يعدم جوازيَهُ = لا يذهب العرفُ بين الله والناسِ
وقول طرفة (من الطويل):
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً = ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ
وقول امرئ القيس (من الكامل):
الله أنجحُ ما طلبت بهِ = والبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
فانظر بمَ اختلفوا وعلامَ اتفقوا.
وقد ذكروا في أبدع أمثال الأعجاز، من بين ما ذكروا، قول امرئ القيس (من الطويل):
وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ
10.إنه أحسن من ابتدأ:
قال الأصمعيُّ: لامرئ القيس بيتٌ لم يسبقه إليه أحد، ولا ابتدأ بمثله شاعر: وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الأحبة والمنازل، ووصف الدمن، فقال (من الطويل):
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ = بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
وقال أبو عمرو بن العلاء: الابتداءات البارعة التي تقدم أصحابها فيها خمسة، ثم ذكرها وعد منها بيت امرئ القيس هذا.
(تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)
يتبع :