يتبع المشروع العلمـي
بين المأمول والمتاح
......
استكمال دائرة الإيقـاع:
بعد صدور الأعمال الثلاثة التي تناولت الإيقاع في البلاغة العربية والشعر القديم أتيحت ظروفٌ للامتداد نحو الشعر الحديث والنثر الفني:
ففي سنة 1997 اقترحَ علي الزملاء من تونس؛ من كلية الآداب منوبة، ومن وزارة الثقافة، الاشتراك في حدثين علميين كبيرين: قراءة في كتاب حول إيقاع السجع العربي لمحمود المسعدي بمناسبة تكريمه، وتقديم ورقة الإيقاع في الملتقى الأول للشعراء العرب بتونس.
اعتبرت تلك الدعوة مناسبة ثمينة لتكميل مشروع الإيقاع الذي كنت استنفذت جهدي في شطره الذي يخص الشعر العربي القديم وبلاغته. فاغتنمت الفرصة لإكمال حلقة الإيقاع في الشعر الحديث والنثر العربي، فترتب عن ذلك دراستان موسعتان، هما: "الإيقاع تنظيرا وممارسة في أعمال محمود المسعدي"، و"مسألة الإيقاع في الشعر الحديث مفاهيم وَأسئلة". ثم دعمتُ البحثَ في الموضوع بدراسة حول مركز الإيقاع وهامشه بعنوان: "الشعر في حوار النظم والنثر" محاولا تفسير مسار النثيرة الحديثة في أفق الحوار القديم الحديث بين نزوعي الانتظام والانحلال. وقد قدمتُ هذا البحث في المهرجان الشعري الأول لمدينة فاس 1999، وهو مذكور ضمن المنشورات.
وفي سنة 2002 تلقيت دعوة من المجلس الأعلى للثقافة بالكويت لتقديم قراءة لتطور الإيقاع في الشعر الكويتي خلال نصف قرن بمناسبة مهرجان القرين الثقافي. وقد ترتبت عن هذه المناسبة دراسة مطولة مذكورة ضمن المنشورات، ويوجد نصها في موقعنا على الأنتيرنيت.
التاريخ العام للبلاغة العربية
لقد كانت الخطة تقتضي أن أشرع، بعد الانتهاء مباشرة من المستوى الصوتي، في إنجاز قراءة نسقية على غرارها للمستوى الدلالي، غير أن ما سمعته في كثير من الندوات وقرأته في بعض الكتابات (وهي تبتر النصوص بترا وتقتطف الآراء اقتطافا) من أحكام حاسمة مجحفة في كثير من الأحيان، ثم ما قرأته في بعض الأطروحات الجامعية من خلط وسوء فهم، إضافة إلى اختزال البلاغة العربية في بلاغة السكاكي...إلخ جعلني أحس بأسبقية إعادة النظر في تاريخ البلاغة العربية، بعد أن تكشفت لي معالمها، آملا التوفيق في كشف أصولها وامتداداتها. وقد كانت هذه بدايةَ رحلة طويلة، فيها من المتعة بقدر ما فيها من المعاناة والإرهاق؛ دامت أكثر من عشر سنوات، وكان من ثمرتها كتاب: البلاغة العربية، أصولها وامتداداته.
من الأسباب التي سهلت تحولي مرحليا نحو تأريخ البلاغة العربية اتساعُ الاهتمام منذ منتصف الثمانينات بنظرية التلقي. وقد ترجم هذا الاهتمام من طرفنا بتخصيص العدد السادس، وجزء من العدد السابع، من مجلة دراسات سميائية لهذه النظرية. كما ساهمتُ منذ البداية في أعمال "ندوة التلقي" التي تنظمها كلية الآداب بالرباط بتعاون مع منظمة كونراد الألمانية، وكانت تجري بمدينة مراكش. فقد كانت هذه الندوة العلمية السنوية التي دامت أكثر من اثنتي عشرة سنة فرصة لتقديم ومناقشة الخطوط الأولى لمشروع تاريخ البلاغة العربية (كانت بداية هذه الندوة بمبادرة مشتركة بيني وبين أستاذي د. محمد مفتاح الذي ظل، حفظه الله، يشرف عليها، ويحرص على استمرارها وطبع أعمالها). وقد توجه اهتمامي في هذه المرحلة إلى أعمال هانس روبيرت ياوس باعتباره رائداً للاتجاه التاريخي في جمالية التلقي. ومن الأكيد أن هذه النظرية تسمح بإعادة النظر في الأحكام الصادرة في حق البلاغة العربية من زوايا نظر مختلفة.
ولذلك فإذا كان التمرس السابق بالتحليل البنيوي ظاهرا في الكتاب من خلال تحليل بنياتِ المؤلفات البلاغية، وكشف أنساقها الداخلية، والابتعاد عن مكرور الكلام من الأخبار والتراجم والأحكام الجاهزة، فإن الاستفادة من نظرية التلقي بارزة من خلال الانطلاق من "الأسئلة التاريخية" و"التوقعات" و"المشاريع والمنجزات" و"قراءة اللاحق للسابق"، وغير ذلك من قضايا التلقي والقراءة. فالكتاب، كما لاحظ ذلك الكثير من قرائه، كتاب نسقي؛ يرصد خطوط الطول والعرض في خريطة زمنية تمتد عبر قرون. فالحاجة كانت ماسة لهذه الخريطة التي يمكن ملؤها بيسر من خلال أعمال أخرى ينجزها باحثون آخرون، شباب في الغالب.
أقول هذا وأنا سعيد بما لاحظته من فتح هذا الكتاب المجالَ للكثير من الباحثين في المستوى الجامعي، إذ تحولت فصوله ومباحثه بسرعة فائقة إلى منطلقات جديدة لأطروحات جامعية نالت الإعجاب. وكان الكثير من هؤلاء الباحثين قد تابع عرضَ مباحثه في الدراسات العليا، أو اطلع عليه قبل طبعه بسنوات، خاصة طلبة "وحدة النقد القديم" التي كنت أُشرف عليها بكلية الآداب بفاس. من هذه الأطروحات الموفقة التي ذهبت بعيدا في الموضوع أطروحة دكتوراه بعنوان: القراءة العربية لفن الشعر لأرسطاطاليس، لعبد الرحيم وهابي، وقد ناقشها تحت إشرافنا منذ سنوات، وحصل بها على أعلى درجات التقدير والتنويه. ومنها أطروحة محمد أوبا: أثر علم الكلام في البلاغة العربية، وقد نوقشت هي الأخرى تحت إشرافنا بكلية الآداب بفاس، ونالت إعجاب اللجنة المناقشة.
تكميل وتطوير بلاغة الخطاب الإقناعي
بعد سنوات من البحث في موضوعات بلاغية، متصلة بالشعر القديم في الغالب، ظننت أنها صرفتني عن بلاغة الخطاب الإقناعي تضافرت حوافز؛ بعضها علمي منهاجي، وبعضها واقعي حياتي، على عودتي إلى الموضوع الذي ألفت فيه أحد أقدم كتبي: بلاغة الخطاب الإقناعي. وفي هذا الإطار تعرضت لعينات من الخطابة الحديثة؛ شفوية ومكتوبة، في ضوء بلاغة الإقناع، متوخيا الابتداء بالتطبيق وتعديد الأمثلة. وقد نشر هذا العمل مسلسلا في الصحافة المغربية لتعميم الفائدة من جهة، وتوخيا لإثارة نقاش حول هذا الموضوع البكر الحساس، من جهة ثانية. وبعد الاطمئنان إلى التحليلات العديدة التي نشرتها في الموضوع قدمت الصياغة العامة للمقترح النظري من خلال خطاطة جامعة، سميتها: دائرة الحوار ومزالق العنف. أذكر أنه عندما قدمت هذا المشروع ـ قبل طبعه ـ في المحاضرة الافتتاحية لأعمال "رابطة أدباء المغرب" للموسم 2000-2001، علق مسير الجلسة، الأستاذ سعيد يقطين، بقوله: "هذا العمل ينزل البلاغة من الكراس إلى الناس". وقد سعدت بهذه الملاحظة لأنها دلت على تحقيق ما كنت أتوخاه في بعض مؤلفاتي، وهو الوصول إلى لغة تجعل الآليات الخطابية تصل إلى أوسع جمهور دون المساس بصرامتها المنهاجية. فالخطاطة التي اقترحتها في دائرة الحوار، تحاور أجناس الخطابة عند أرسطو، وتستحضر مفهوم المناظرة وأدبياتها عند العلماء المسلمين، وتستفيد استفادة نقدية من منطق الإقناع المدعو بلاغة جديدة عند بيرلمان ومدرسته، ولكنها تتلافى التغريب المصطلحي والتعبيري، وتقرن النظر بالتطبيق الواسع، بل تجعل التطبيق منطلقا.
البلاغة الجديدة وعلم النص
إن القراءة الشاملة للبلاغة العربية القديمة في امتداديها النصي والتداولي تدعم الرغبة التي عبر عنها الدارسون المحدثون من مواقع متعددة لسانية (تداولية)، وفلسفية (منطقية)، وأدبية (شعرية) في بناء علم عام للخطاب، وتعطيها مشروعية تاريخية ومنهاجية. وإذا كان الأمر يحتاج، بالنسبة لدارسي تاريخ البلاغة الغربية، إلى اجتهاد وتأويل فإنه لا يتطلب من دارس البلاغة العربية أكثر من الخروج من إسار اختزال البلاغة العربية في صياغةِ السكاكي لوجهةِ نظر الجرجاني، وذلك بالاستماع إلى بلاغيين آخرين كانوا يسيرون بموازاة مع هذا التوجه، ولا يكادون يتقاطعون معه، إن لم يكونوا معه على طرفي نقيض، مثل ابن سنان وحازم.
لذلك لم أكن أحس بأية غربة وأنا أطلع على مقترحات لسانية وسميائية تسعى لتقديم نظرية عامة لتحليل الخطاب، بل سعيت للتعريف بها من خلال ترجمة نموذجين من أنضج النماذج في هذا الصدد، هما: البلاغة والأسلوبية، لهنريش بليت، والنص بنياته ووظائفه، لفان ديك. وهما مذكوران ضمن المنشورات.
في سياق هذه القراءة للتراث البلاغي العربي والاجتهادات الغربية الحديثة نضجت الأبحاث المنشورة في كتاب: البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول (2006). تقف البلاغة العربية منذ أول الكتاب موقف المحاور الكفء مقدمة الحجة على إمكان قيام بلاغة عامة للخطاب الاحتمالي تخييلا وحجاجا. ويستمر حضورها قويا في كل المباحث، سواء من خلال العرض التاريخي أو المناقشة النظرية أو التحليل التطبيقي.
إن البحث عن بلاغة عامة للخطاب ليست شيئا عثرنا به في طريق بحثنا العام، بل كانت هما قديما اتصل بإنشاء مجلتي دراسات أدبية ولسانية ومن بعدها دراسات سميائية، وتنظيم "ندوة تحليل الخطاب" بتعاون مع كلية الآداب بفاس (1986)، كما وجد هذا الهم تعبيره القوي في إنشاء وحدة التواصل وتحليل الخطاب للدراسات العليا والدكتوراه التي كنت أشرف عليه بكلية الآداب بفاس، ثم وحدة البلاغة الجديدة بالرباط. (ومن الإنصاف القول بأن هذا الجهد وجهودا أخرى موازية له، أو جاءت بعده، قد ساهمت في الاقتناع بفائدة إضافة هذه المادة إلى مقررات التعليم الجامعي في الإصلاح الأخير الذي انطلق منذ سنوات قليلة، وقد بادر الإخوة في شعبة اللغة العربية بالرباط بإسناد مهمة تدريس هذه المادة إلي ـ في غيابي ـ مناصفة مع الزميل العزيز الأستاذ محمد مفتاح).
لقد اتجه الدراسة البلاغية في هذا الكتاب إلى نصوص نثرية ملتبسة، قديمة وحديثة، وذلك في محاولة لكشف تداخل المكونات البلاغية (التخييلية والحجاجية) في بنيتها. كما سعت إلى ترميم بعض الجوانب التي تأخر فيها التنظير البلاغي العربي عن الإنتاج النصي، ويتجلى هذا بشكل قوي في محاولة تقديم نموذج لبلاغة السخرية الأدبية، مع تطبيق على أشهر نص في تاريخ السخرية العربية، أي كتاب البخلاء للجاحظ. كما يتجلى من خلال البحث عن بلاغة للخطاب بدل بلاغة الجملة، وذلك من خلال بسطنا لعملية التحويل الأسطوري للاستعارة. فهذا المبحث تطوير لمفهوم الجرجاني لِ"البناء على التشبيه والمجاز" في كتاب أسرار البلاغة، وقد وقفنا عليه في كتابنا البلاغة العربية أصولها وامتداداتها لأهميته. إن كتاب البلاغة الجديدة يطمح إلى أن يكون لبنة من لبنات بلاغة حديثة فعالة لا تغيب عنها الخصوصية العربية. وبهذا الكتاب ندخل في مرحلة بناء النموذج الحديث للبلاغة العربية.
ملامح وخصوصيات عامة
1 ـ موضوعات التأليف
لم أجد قط في نفسي رغبة في تناول موضوع مستهلك لأعيد فيه أفكارا مسبوقا إليها. فمنذ اطلعت على التصور اللساني للشعرية لاحظت الإهمال الذي يعانيه المستوى الصوتي الإيقاعي فبدأت به، وفي وسط الطريق، ومع ظروف العمل الجامعي، لاحظت إهمال البعد الإقناعي للبلاغة فتوقفت لبيان أهميته، وبعد إنهاء مشروع قراءة المستوى الصوتي والتوجه إلى كتابة تاريخ البلاغة لاحظت إهمال قضية بلاغية ذات أهمية كبيرة، أو تناولها بشكل سطحي غير إجرائي، وهو بلاغة السخرية الأدبية فتوقفت مرة أخرى لرسم الخطوط العامة لهذه البلاغة (ظهرت هذه الدراسة الموسعة في كتاب: البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول ص83 ـ 137).
وقد تبين لي أن كشف هذه الجوانب سيساعد على قراءة شاملة للبلاغة العربية تظهر غناها وأصالتها وقدرتها على المساهمة في بناء بلاغة حديثة ذات قدرة وصفية عالية، وستُظهر هذه القراءة، حين تتحقق، أننا قد نستعير من الجيران أشياء موجودة في مكان ما من منزلنا. غير أنني تأكدت أيضا أن استكشاف هذه المساحات الشاسعة وتمهيدها يتطلب خلفية معرفية تمتد من علم الأصوات إلى المنطق، وهذا أحد أسباب إهمالها. ويبقى مناط الهم مع "البلاغة الجديدة" وبعده هو صياغة بلاغة عامة للخطاب.
2 ـ طريقة الترجمة
حاولت، في مجال الترجمة، الجمع بين مطلبين كثيرا ما أدى الاحتفاء بأحدهما إلى التضحية بالآخر: الدقة والوضوح.
لقد حرصت، إن وفقت، على أن يكون اللقاء بين اللغتين اتصالا وانفصالا في الوقت نفسه. وأنا قلق فعلا من الترجمات التي يصل فيها الاستسلام للغة المترجم عنها إلى حدود ضياع الجملة العربية بله البيان العربي، حيث يحتاج القارئ إلى معرفة الأصل لكي يفهم الترجمة، كما أني قلق من الانبهار الناتج عن الجهل بالرصيد العربي الغني في مجال البلاغة بمعناها الواسع: تحليل الخطاب وشروط إنتاجه.
هناك دراسات ومؤلفات تقرأ رصيدا موازيا لرصيدنا البلاغي، مثل البلاغة والأسلوبية لهانريش بليت، فهي تستعرض البلاغة الغربية لتُدخلها في نسق. إن ترجمة مثل هذا العمل تتطلب معرفة بالمجال المقابل، والقدرة على تبين الفروق بين تقطيع البلاغتين للظاهرة الواحدة (وقد أعطينا مثالا لذلك الكناية والمجاز المرسل، حيث الخطأ عام وشائع في ترجمة الكلمتين). وهناك نصوص إبداعية غامضة حتى في أصلها، مثل الهزلي والشعري لجان كوهن، وهي موجهة أصلا للباحثين المؤهلين ومن على شاكلتهم من نبهاء الطلبة الباحثين، وقد حرصنا في الحالتين على ضبط المصطلحات من مصادرها الأصلية؛ إما في المقدمة أو في الحواشي، كما حرصنا على تقديم مثل هذه النصوص بمدخل يبين الخطة العامة للنص مساعدة للقارئ على اقتحام النص والدخول معه في حوار ، فهذه النصوص عبارة عن مشاريع علمية تدعو إلى التأمل.
وبخلاف هده النصوص هناك نصوص ذات طبيعة تلقينية (بيداغوجية)، إلى جانب قيمتها النظرية العالية. مثل بنية اللغة الشعرية لجان كوهن، والنص: بنياته و وظائفه لـِ فان ديك. فالكتاب الأول يقدم نظرية دقيقة من خلال عشرات النماذج والأمثلة على طول الكتاب، فيساعد بعضه على فهم البعض. والكتاب الثاني مرصود للعمل الجامعي ولذلك عرض المبادئ العامة وتلافى التفاصيل. فمثل هذه الأعمال تحتاج، بعد فهم المقاصد، إلى جملة عربية سليمة، بقدر ما تحتاج إلى دقة المصطلح واطراده.
3 ـ إنتاج المصطلح
إذا كانت بلاغة الشعر تقدم فائضا من المصطلحات يغني الباحث عن اقتراح مصطلحات جديدة، إذ يكفيه الاختيار والتنسيق وإعادة التعريف عند الضرورة، كما فعلنا في كتابي تحليل الخطاب والموازنات، فإن بلاغة الحجاج والإقناع تتطلب فعلا وضع مصطلحات جديدة تستجيب للنسق الهرمي العام لبناء هذه النظرية في البلاغة الحديثة. وهكذا اقترحنا عددا من المصطلحات الأساسية التي لقيت القبول، وأخذت طريقها إلى الرواج. من ذلك كلمة "الخطابية" للدلالة على العلم الذي يدرس الخطابة، قياسا على كلمة "شعرية" التي تتقاسم معها الخطاب البليغ (وخطابية هي الترجمة المناسبة لكلمة rhétorique في مفهومها الأرسطي، وكثيرا ما أدت ترجمة هذه الكلمة بكلمة بلاغة أو خطابة، على الإطلاق، إلى الخلط والالتباس)، واقترحنا مصطلح المستمَع (على وزن مجتمع) للدلالة على المقام الخطابي حيث يُستحضر المستمِع والمكان (وما ينطوي عليه من زمان) في نفس الآن. وهي تترجم ما تدل عليه كلمة auditoire.
وقد كان استعمالنا لمصطلح "انزياح" في ترجمة مصطلح écart في كتاب: بنية اللغة الشعرية، حاسما في تثبيت هذا المصطلح المركزي وتغليبه على مصطلحات أخرى كانت تنافسه، مثل "فجوة" و "عدول" "وانحراف" و "بعد". وقد رأينا وقتها حاجة للحوار في الموضوع فخصصنا عددا من مجلة دراسات أدبية لنظرية الانزياح لقي رواجا كبيرا.
هذه مجرد نماذج مما يقتضيه الحوار بين التراث البلاغي العربي وبين المقترحات النظرية الحديثة رغبة في الوصول إلى نموذج حديث حقا لا يلغي مرجعيتنا.
أما بعد،
إنما الأعمال بالنياتِ وبذل أقصى الجهد، "فإن لم تنل أجرين حسبك واحد".
وأنا أتمثل هنا بقول الطبيب الفيلسوف ابن طفيل في خاتمة رحلته الفكرية/البلاغية المدهشة في كتابه حي بن يقظان:
"...وأنا أسأل إخواني الواقفين على هذا الكلام أن يقبلوا عذري فيما تساهلت في تبيينه، وتسامحت في تثبيته، فلم أفعل ذلك إلا لأني تسنَّمتُ شواهقَ يَزِلُّ الطرْف عن مَرماها، وأردتُ تقريبَ الكلام فيها على وجه الترغيب والتشويق في دخول الطريق. والسلام عليك أيها الأخ المفترض إسعافُه ورحمة الله وبركاته"