المشروع العلمـي
بين المأمول والمتاح
2006-03-11
محمـد العُمــري
إذا كان صحيحا أن بداية البحث محكومة بالإمكانيات والظروف المحيطة، فإن تَكَشُّفَ الآفاق العلميةِ يُدخل طالبَ العلم في مشروع يتجاوز تلك الظروف ويطمح إلي تغييرها؛ وبهذا يستحق صفة الباحث أو لا يستحقها. ولن يتحقق ذلك إلا بالمثابرة على الاستماع لمختلف الأصوات في مجال التخصص، والقدرة على الفهم والنقد و المراجعة إزاءَ النفس وإزاء الآخرين، على حد سواء. وإذا لم يُفلح طالب العلم في رسم أفقه الخاص، أي العمل في إطار مشروع، فإما أن يتوقف وينطفئ، وإما أن يتحول إلى آلة ناسخة، أو يد خفيفة تسرق تعب الآخرين.
أقول هذا وأنا أتأمل المسار الذي ساقتني فيه الأقدار: كان طموح التحديث والتجديد في نهاية الستينات وبداية السبعينات موجِّها لأكثر الطلبة الباحثين في الجامعة المغربية، ولذلك وجدتني أختار لبحث التخرج موضوعا فيه الكثير من الشعارية واللمعان:
مندور من التأثرية إلى الواقعية الاشتراكية.
من حسن حظي أنْ وقع اختياري على محمد مندور، فقد تعلمت منه الكثير؛ تعلمت من مساره الكبير أن الحداثة تقتضي معرفة واسعة بالتراث الإنساني، وضمنَه، من باب أولى وأحرى، التراثُ العربي، كما تقتضي معرفةً نقدية بالعلوم الإنسانية لغوية ونفسية واجتماعية. لقد فَرض علي هذا البحث أن أخوض، مباشرة، في مناهج الدراسة الأدبية. كان ذلك من خلال الترجمات العربية التي كثيرا ما لا تصل إلى درجة الإشباع، فترسخ لدي الاقتناع بضرورة الاطلاع على هذه النظريات في مصادرها الأصلية. فكان أن فتحت جبهتين: جبهة البحث في التراث بالوسائل المتاحة في سبيل الارتقاء في المراتب الجامعية، وجبهة الاطلاع على المناهج الحديثة.
لم يكن بين المسارين أي تعارض، بل كانا على موعد للتقاطع والتكامل في المرحلة اللاحقة. فمن ثمار المسار الأول، المسار التراثي، تحقيق كتاب المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل. مع بحث في ظروف تأليفه وثقافة مؤلفه. وقد أتاح لي هذا البحث، الذي دام حوالي سبع سنوات، تعميق الاتصال بالبلاغة العربية والنحو والعروض، بل كان تحقيق هذا الكتاب بمثابة إعادة تكوين لي في اللغة العربية وعلومها تحت إشراف أستاذ مدقق متذوق: الدكتور عزة حسن، أطال الله عمره، ومتعه بموفور الصحة. لقد علمني بالممارسة والإحراج التربوي أن أكون حذرا في قراءة النصوص، وألا أغتر بأول خاطرة أو رأي عارض. فأفادني هذا التكوين التراثي في التعامل مع النصوص العربية، إبداعية ونقدية. والمسلك السهل هو أحد الشروح العربية النادرة التي جعلت همها بلاغيا صرفا.
أما المسار الثاني(البحث عن الأداة المنهجية الحديثة) فانتهى بي إلى اقتحام باب الترجمة. فكان أن ترجمت، مع زميلي الأستاذ محمد الوالي، كتاب بنية اللغة الشعرية لجان كوهن، وهو كتاب بسط نفوذه على كل المحاولات التجديدية في قراءة الشعر من وجهةِ نظرٍ بنيوية لسانية، في العالم الغربي قبل العربي. وكان من جملة هموم الترجمة توحيد المصطلحات التي كان تضاربها يؤدي إلى عسر الفهم وسوء التفاهم بين الدارسين. لقد استمرت عملية الترجمة أكثر من عامين؛ لأنها كانت مصاحَبة بعملية واسعة من القراءة سعيا لاستيعاب المرجعية اللسانية والفلسفية الكامنة وراء الكتاب، من جهة، وضبط المعطيات العربية المقابلة مفهوما ومصطلحا، من جهة ثانية.
كانت الجسور شبه منعدمة وقتها بين فئتين من الباحثين في الجامعة المغربية، فئة تشتغل بالتراث ولا تعير اهتماما للمناهج الحديثة، إن لم تجاهر بمعاداتها، وفئة ترفع شعار الحداثة وتتخذ من التراث مواقف متضاربة تتراوح بين التنكر والإهمال والملامسة من بعيد. والواقع أن المواقف المتطرفة للطرفين لم تكن في العمق مواقف من التراث أو الحداثة، في حد ذاتهما، كما سيتضح حين يتاح لكل من الطرفين الاطلاع على المحتوى الحقيقي للطرف الثاني باعتباره جهدا بشريا مخلصا في البحث عن الصواب أو الحقيقة أو المنفعة البشرية، لقد كان موقف المعاداة في الواقع موجها إلى نزعة التطرف في الطرفين فكان أن قوبل إنكار بإنكار. وقد ساهم في هذا الواقع تعدد لغات البحث، وقلة الدعم المرصود للغة العربية في مقابل الآفاق المفتوحة للغات الأخرى: الفرنسية والإسبانية ثم الإنجليزية في الأخير.
في هذا الظرف أحسسنا بالحاجة إلى إيجاد منبر للحوار في مجال الدراسة الأدبية واللسانية مفتوحٍ على القديم والحديث دون تمييز أو استثناء كلما توفر الشرط الإبستمولوجي: الوضوح والتماسك وقابلية الاختبار...إلخ فأنشأنا بتعاون مع بعض الزملاء في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس مجلة دراسات أدبية ولسانية، ثم مجلة دراسات سميائية. وكان من الإنجازات التي تفخر بها المجلة إقبالُ بعض الباحثين من شعب اللغات الأجنبية على التحرير باللغة العربية لأول مرة. وقد تجسد هذا بشكل جلي في الندوة التي نظمتها المجلة بتعاون مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس سنة 1986، في موضوع "تحليل الخطاب"، ونشرت موادها في العدد الخامس من مجلة دراسات أدبية ولسانية(1986)، والعدد التاسع من مجلة كلية الآداب بفاس (1987). وكانت المجلة قد جمعت الكثير من هؤلاء الباحثين في جلسات للحوار حول علاقة اللسانيات بالنقد الأدبي؛ نشرت موادها في العددين 1 و 2 من مجلة دراسات أدبية ولسانية.
لقد سعينا من خلال هذه التجربة، التي كانت مدرسة لنا أيضا، إلى ردم الهوة المفتعلة بين الباحثين في القديم والباحثين في الحديث جاعلين العبرة بالجدية في البحث.
في هذا السياق شرعتُ في إعادة قراءة التراث البلاغي العربي في ضوء المعطيات المنهجية الحديثة مسترشدا ببعض التجارب الغربية الموفقة التي كان لها صيت حسن عند الدارسين المحدثين على المستوى العالمي. مثل بنية اللغة الشعرية لجان كوهن، الذي سبقت الإشارة إليه، وأعمال كبدي فاركا، خاصة ثوابت القصيد والأدب والبلاغة، ومشروع هنريش بليت في إدماج البلاغة والأسلوبية في قالب سميائي عام يستثمر مزايا كل منهما في الجانب الذي تفوق فيه. وغير ذلك من الأعمال.
وكان من ثمرات هذا الاحتكاك كتابُ: في بلاغة الخطاب الإقناعي، الذي أردت أن أنبه فيه إلى البعد الإقناعي للبلاغة العربية، هذا البعد الذي كان حاضرا، عند الجاحظ على وجه الخصوص، ثم نسي مع هيمنة صياغة السكاكي للبلاغة العربية. وقد أعجبت كثيرا في هذه المرحلة بعمل بيرلمان وأولبريشت لعمقه وبساطته، حيث يرتبط مباشرة بأرسطو ويسمح باستيعاب الجاحظ بيسر. وقد كان هذا البعد الإقناعي قد غيب في البلاغة العربية. وقد طبقت هذا التصور البلاغي على الخطابة العربية في القرن الأول الهجري مجهتدا في كشف آلياتها الإقناعية التي تميزها عن الشعر. وكان تدريس الخطابة وقتها ـ وما يزال مع الأسف ـ يقوم على الحديث عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع تراجم مكرورة للخطباء، وغير ذلك مما هو خارج بلاغة النصوص ووظيفتها الحجاجية.
وبموازاة مع هذا العمل دخلتُ في مشروع إعادة صياغة البلاغة العربية انطلاقا من تصور لساني بنائي يراعي البعد التاريخي، مبتدئا بالمستوى الصوتي الذي كان يعاني من الإهمال رغم كونه يفسر، في نظري، خمسا وسبعين في المائة (75%) من جمالية القصيدة العربية القديمة. وقد نشر هذا العمل الذي اقتضى إنجازه أكثر من ثماني سنوات في ثلاثة كتب:
1 ـ تحليل الخطاب الشعري: البنية الصوتية.
2 ـ اتجاهات التوازن الصوتي في الشعر العربي القديم.
3 ـ الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية.
[وقد جمع الكتابان الثاني والثالث في كتاب واحد عند طبعهما طبعة ثانية، بعنوان: الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية والممارسة الشعرية]
فالكتاب الأول يُدخِل المادة الصوتية الإيقاعية المبثوث في البلاغة العربية في نسقٍ دال يفسر فاعليتها ويجعلها إجرائية، وذلك من خلال مقولات أساسية، هي: الكثافة والفضاء والتفاعل الصوتي الدلالي. ويبين هذا الكتاب مدى غنى التراث البلاغي العربي وقدرته على توفير المادة اللسانية الواصفة للنص الشعري، ويدعو من ثَـمَّ، و بشكل غير مباشر، إلى إعادة النظر في الأحكام المتسرعة القاضية بمعيارية البلاغة القديمة وعجزها عن المساهمة الوصفية الدقيقة، كما ينبه المحافظين إلى جدوى استعمال المناهج الحديثة في قراءة التراث العربي القديم، ويدفع أي تخوف من قبلهم. ويسعدني أن أذكر هنا قول العلامة أمجد الطرابلسي، رحمه الله، أثناء مناقشة هذا العمل: "إذا كانت هذه هي البنيوية فمرحبا بها". وكان، رحمه الله، قد أبدى تضايقه من الكثير من الأعمال التي ينسبها أصحابها إلى البنيوية، والحال أن كل ما يجنيه المرء من قراءتها صداع الرأس.
والكتاب الثاني يعطي خطة لقراءة التراث الشعري العربي في إطار النظرية المبسوطة في الكتاب الأول، إنه مساهمة في كتابة تاريخ للأشكال الأدبية : يقع بين البلاغة وتاريخ الأدب. وهو يقدم خطة شاملة قابلة للتوسيع بالتطبيق على الأدب العربي في مختلف عصوره.
أما الكتاب الثالث فيدخل في إطار قراءة جديدة لتاريخ الفكر البلاغي العربي. وقد شجعني هذا الكتاب - وما أتاح لي العمل لإنجازه من اطلاع على استراتيجيات المؤلفين وخلفياتهم - على التوجه نحو كتابة تاريخ شامل للبلاغة العربية حين نضجت الظروف المنهاجية لذلك..