عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
راجية الجنان
عضو نشيط
الصورة الرمزية راجية الجنان
رقم العضوية : 2268
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : مكة المكرمة
عدد المشاركات : 550
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

راجية الجنان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-08-2015 - 08:43 AM ]


يتبــــــــــــــع

وأما ( أعجاز ) فهو من جموع القلة ، مفرده : عجز ، ومثله : عنق وأعناق ، وضلع وأضلاع ، وكبد وأكباد ، وقفل وأقفال ، وحمل وأحمال . وأما لفظ ( نخل ) فهو اسم جمع يدل على القلة أيضًا بخلاف ( نخيل ) ، ومفرده : نخلة ، يذكَّر ويؤَّنث ، وقد اجتمع اللفظان معًا في هاتين الآيتين ، فجاز في وصفهما التذكير نظرًا للفظ ، والتأنيث نظرًا للمعنى . وهذا ما غاب عن علم الدكتور السامرائي ، رغم كونه دكتورًا في النحو ، وله فيه المؤلفات العظام .

ثالثًا- إذا كان السامرائي قد صحا من غفوته بعد ستة أشهر ، وتذكر قاعدته المزعومة ، فقد غفل دون أن يصحو عن أن الآيات في سورة القمر ، وسورة الحاقة تتحدث عن إهلاك قوم عاد . وقوم عاد هم همُ من حيث العدد ، سواء كانوا كثرة ، أم قلة . ولم يلحظ الفرق بين تشبيههم بأعجاز النخل المنقعر تارة ، وتشبيههم بأعجاز النخل الخاوية تارة أخرى ، وظن أنه لا فرق بين التشبيهين إلا من حيث أن الوصف في الأول مذكر يدل على القلة ، وأن الوصف في الثاني مؤنث يدل على الكثرة والمبالغة .

وليس الأمر كما ظن وتوهم ، وأوهم مستمعيه وسائليه . والفرق بين التشبيهين أوضح وأيسر بكثير من أن يُتكلَّف في الجواب عنه ذلك التكلف ، وتُنسَجَ حوله تلك الأسطورة . ولو أنه فكر فعلاً وأحسن التدبُّر ساعة من الزمن لا ستة أشهر ، لأدرك أن الغرض من التشبيه في الآيتين ليس هو الإخبار عن كثرة أعجاز النخل ، أو قلتها ؛ وإنما الغرض منهما هو الإخبار عن الكيفية التي تم فيها إهلاك قوم عاد .. وأن إهلاكهم تم على مرحلتين : تحدثت آيات القمر عن المرحلة الأولى منهما ، وتحدثت آيات الحاقة عن المرحلة الثانية التي تلت المرحلة الأولى .. ولبيان ذلك نقول :

1- ذكر الله تعالى ( أعجاز النخل ) في القرآن في هذين الموضعين ، واختار لكل موضع من الوصف ما يناسب اللفظ والمعنى معًا ، مع مراعاة الفاصلة القرآنية السابقة له واللاحقة ، فقال سبحانه :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ ، فأتى بلفظ ( منقعر ) مذكَّرًا نظرًا لتذكير لفظ ( نخل ) ، وقال مرة أخرى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ ، فأتى بلفظ ( خاوية ) مؤنَّثًا نظرًا لتأنيث لفظ ( أعجاز ) ، ولمعنى النخل ؛ إذ مفردة ( نخلة ) . ولو جاء النظم معكوسًا هكذا :( أعجاز نخل منقعرة ) ، و( أعجاز نخل خاوٍ ) ، لكان ذلك فصيحًا ؛ ولكن لغة القرآن أفصح ، لما فيها من ملائمة اللفظ للمعنى ، مع مراعاة الفاصلة القرآنية ، وهذا هو قمة الإعجاز .

2- ( النزع ) في اللغة هو القلع . ومعنى قوله تعالى :﴿ تَنْزِعُ النَّاسَ ﴾ . أي : تقلعهم من جذورهم . روي أنهم دخلوا الشعاب والحفر ، وتمسك بعضهم ببعض ، فقلعتهم الريح ، فأصبحوا بعد القلع ( النزع ) ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ . و( الأعجاز ) هي الأصول بلا فروع ، قد انقلعت من مغارسها . و( المنقعر ) هو المنقلع عن مغارسه ، المنقطع من أصله ، الساقط على الأرض . قال الراغب الأصفهاني : وقعر الشيء : نهاية أسفله ، وقوله :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ . أي : ذاهب في قعر الأرض . وقال بعضهم : انقعرت الشجرة : انقلعت من قعرها . وقيل : معنى انقعرت : ذهبت في قعر الأرض . وإنما أراد تعالى : أن هؤلاء اجتثوا من جذورهم ؛ كما اجتث النخل الذاهب في قعر الأرض من جذوره ، فلم يبق لهم رسم ، ولا أثر . وقيل : شبههم في طول قاماتهم حين نزعتهم الريح ، وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليس لها رؤوس ؛ وذلك أن الرّيح قلعت رؤوسهم أولاً ، ثم كتّبتهم على وجوههم . ويزيد هذا التشبيه حسنًا أنهم كانوا ذوي جثث عظام طوال .

3- أما ( الخاوية ) فهي الخالية بعد اقتلاعها وسقوطها على الأرض ، وهي من الخواء . وأصل الخواء : الخلاء . والفرق بينهما : أن ( الخواء ) يكون عن كارثة بخلاف ( الخلاء ) . فإذا رحل القوم عن ديارهم لأمر مَّا فهي خلاء ، وإذا رحلوا عنها لمصيبة ألمت بهم فهي خواء . قال تعالى :﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ﴾(النمل: 52) . والتخوية : ترك ما بين الشيئين خاليًا . وقوله تعالى في وصف القرية :﴿ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾(البقرة: 259) . أي : ساقطة على عروشها بعد خواء أهلها منها . قيل : هذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به ، وهي مرحلة تأتي بعد الانقعار المتسبب عن النزع ؛ فكأن الريح تنزع الواحد منهم ، وتقعره ، فينقعر ، فيقع ، فيكون صريعًا ، فيخلو الموضع عنه ، فيخوى . فالخواء لا يكون إلا بعد النزع والقعر ، وهو أقوى وأشد ؛ كما يفيده الفعل ( ينزع ) الذي يدل على استمرار النزع ، والوصف ( منقعر ) الذي يدل على قلع الشيء من جذوره .

4- وهكذا نرى أن قوله تعالى :﴿ فََتََرََى الْقَوْمَ فِِيهََا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ إشارة إلى حالة تلي حالة الانقعار الشديد المتسبب عن النزع بقوة . وهذا- كما قال الرازي- يفيد أن حكاية إهلاك قوم عاد في آية القمر :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ مختصرة ، حيث لم يشر إلى صرعهم وخواء منازلهم عنهم بالكلية ؛ فإن حال الانقعار لا يحصل عنه الخواء التام ؛ إذ هو مثل الشروع في الخروج والأخذ فيه .

ومن ثمَّ يتبيَّن لنا أن الغرض من تشبيههم بأعجاز النخل المنقعر هو الإخبار عن اقتلاعهم من جذورهم الضاربة في الأرض بقوة وطرحهم على الأرض أمواتًا ، إذ كانوا قومًا جبارين ، ذوي جثث عظام طوال . وأن الغرض من تشبيههم بأعجاز النخل الخاوية هو الإخبار عن إهلاكهم بالكلية وخواء منازلهم منهم ، وهذه مرحلة لا تتم إلا بعد التمهيد لها بما حدث في المرحلة الأولى ؛ إذ كيف يتم إهلاك قوم جذورهم ضاربة في الأرض كقوم عاد دون اقتلاع تلك الجذور الذاهبة في قعر الأرض ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله :﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾(الفجر: 6- 8) ، وقوله تعالى : ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾(فصلت : 16) .

ومن هنا كان وصف ( أعجاز النخل ) التي شبهوا بها في آية القمر بـ( منقعر ) المحمول على لفظ ( نخل ) أدلَّ على المعنى المراد من ( منقعرة ) بالتأنيث ، وكان وصفها في آية الحاقة بـ( خاوية ) المحمول على لفظ ( أعجاز ) أدلَّ على المعنى المراد من ( خاوٍ ) بالتذكير . وأما القول بأن تذكير ( منقعر ) يدل على القلة ، وأن تأنيث ( خاوية ) يدل على الكثرة ، وبالتالي فإن ( أعجاز النخل الخاوية ) أكثر من ( أعجاز النخل المنقعر ) ، فهو قول من لا يعرف جوهر الكلام ، ولا يدرك أسرار البيان ؛ لأن أعجاز النخل في الموضعين هي هيَ من حيث العدد ، وليست العبرة في الكم ، وإنما العبرة قي الكيف !

رابعًا- بقي أن أذكر أن المقارنة التي أجراها السامرائي بين آيات القمر ، وآيات فصلت ، وهي قوله :

« لو نقرأ الآيتين تتضح المسألة .

قال في القمر :( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) (19) ، ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) يوم نحس ، يوم واحد .

بينما في الحاقة قال :( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (6) . زاد العتو على الصرصر . هناك قال فقط :( رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) . أما هنا قال :( بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) . ثم قال :( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ) (7) . أي : التدمير سيكون أكثر ؟ » .

أقول : هذه المقارنة بين الآيات تدل على قصور في الفهم ، وجهل بقصة قوم عاد التي فصل الله عز وجل القول فيها في سورة فصلت .. لقد ذكر السامرائي أن الريح في آية الحاقة وصفت بالصرصر والعتو ( بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) ، ونسي فضيلته أن هذه الريح في آية القمر وصفت بالصرصر ، وأنها في يوم نحس مستمر ( رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) ، وهو يوم شؤم عليهم ، مستمرٌّ ، ينزع الناس ، نساء ورجالاً ، كبارًا وصغارًا ، لم يغادر منهم أحدًا حتى أهلكهم جميعًا .

ثم زعم فضيلته أن التدمير في آية الحاقة كان أكثر ؛ لأنه فهم أن المراد من يوم النحس المستمر هو يوم واحد من أيام الأسبوع . والصواب أن المراد بهذا اليوم مطلق الزمان ؛ كما نصَّ على ذلك غير واحد من المفسرين . ويدل على ذلك قوله تعالى في فصلت :﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ﴾(فصلت: 16) ، وقوله سبحانه في الحاقة :﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾(الحاقة: 7) . ومن قال منهم : أن المراد به يوم الأربعاء فيحمل على معنى أن ابتداء إرسال الريح التي أهلكوا بها كان في هذا اليوم ، لا أنه يوم واحد ، فلا ينافي ما جاء في فصلت والحاقة . ولو كان يومًا واحدًا ، لتناقضت الآيات مع بعضها ، ولما كان في وصفه بأنه ( مستمرٌّ ) أية فائدة ؛ لأن اليوم الواحد لم يستمر ؛ وكأنه قيل : في وقت نحس ، أو زمن نحس مستمر . قال قتادة :« استمر بهم حتى بلغهم جهنم » .. فكيف يقال بعد هذا : التدمير في آية الحاقة أكثر .. فتأمل ، وتدبر ! نسأله سبحانه أن يجعلنا من الذين يحسنون التأمل والتدبر ، وأن يرزقنا الفهم لكلامه ، له الحمد ، وله الفضل والمنة !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك

رد مع اقتباس