عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post مؤلًّفاتُ اليومِ والليلةِ

كُتب : [ 11-24-2014 - 08:45 PM ]




مؤلًّفاتُ اليومِ والليلةِ
بقلم : أ.د/ رياض بن حسن الخوام
جامعة أم القرى

تحفة أقدمها لطلابنا الأفاضل الذين درجوا في سُلّم العلم،لعلها تشحذ هممهم ،وتقوي عزائمهم ،تتمثل هذه التحفة بتلك الظاهرة التي تستوقف أي قارئ في كتب التراث اللغوي فتدعو إلى العجب العجاب من تلك العزيمة التي كان العلماء عليها , وتلفت أيضاً إلى تلك البركة التي حباهم الله إياها , فجعل الزمن لهم كأنه ممتد منفسح متسع في حين أنه في الواقع محدود مقيد,بل إن هذه الظاهرة تدل على غزارة علومهم ،وحضورها في الوقت الذي يطلبونها فتتدفق عيوناً موارة ،تفيض بالعطاء ،وتعم خيراً ونفعاً لهذه الأمة المباركة، هذه الظاهرة تبدو من تلك المؤلفات التي أطلق عليها " عمل اليوم والليلة " ومرادهم من ذلك أنه تم تأليفها في يوم وليلة ,وليس مرادهم تلك الأوراد والأذكار التي تُقرأ في اليوم والليلة أي تلك التي أرادها ابن السني من كتابه "عمل اليوم والليلة"،فمما عثرت عليه في كتب التراجم من هذا النوع من التآليف ،ما يأتي :
1-قال صاحب العقد الثمين في ترجمة الفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط المتوفى سنة 729هـ :إن له شرح الفاتحة ألفه في ليلة واحدة، وله كتاب عنوانه "ترقيقُ الأسل في تصفيق العسل "وهو كراريس ألفها في ليلة عندما سأله بعض الناس عن العسل هل هو قيء النحلة أو خُرؤها (1)
- وفي ترجمة محمد بن محمد الفناري المتوفى سنة 833هـ , أشار الشوكاني إلى تلك الموهبة التي منحها الله لهذا العالِم ،قال : إن له رسالة أتى فيها بمسائل من مائه فن , وتكلم فيها على مسائل مشكلة وسماها" نموذج العلوم " وأضاف قائلاً : وله منظومة في عشرين فناً أتى في كل فن بمسألة , وغيَّرَ أسماء تلك الفنون بطرق الألغاز, امتحاناً لفضلاء دهره , ولم يقدروا على تعيين فنونها فضلاً عن حلِّ مسائلها مع أنه قال : إنه عمل ذلك في يوم، وقد حلَّها ابنه محمد وكتب منظومة تتضمن الجواب على منظومة والده .
والظاهر أن الفناري لغزارة علومه وفنونه صار ماهراً في هذا النوع من التأليف , إذ له منظومة أخرى هي شرح على الرسالة الأثيرية عملها أيضاً في يوم واحد (2)
- ومن الذين اشتهروا أيضاً في هذا النوع من التأليف محمد بن شهاب بن محمود العجمي الخافي المتوفى سنة 852 هـ , كان عالماً متقناً محققاً بحراً في جميع العلوم له مصنفات كثيرة , منها في العربية نحو ثلاثة كراريس عملها في ليلة واحدة لم يراجع فيها كتاباً , وله مصنف في المنطق عمله في يوم أو أقل، ومن أخبار هذا الرجل أنه كان يستحضر الكشَّاف وكذا غيره من المعقولات (3)
- ومما يتصل بهذا الصنيع ويثير الإعجاب أكثر أن الشريف علي الجرجاني المتوفى سنة 816هـ حصَّلَ حاشية شرح الشمسية حال قراءته هذا الشرح على شيخه (4)
أي وضع حاشية على هذا الشرح حال قراءته .. وقد أوضح الشوكاني قصة تأليف هذه الحاشية قائلاً : ويُروى أنه رحل إلى القطب الشيرازي شارح الشمسية فطلب منه القراءة َعليه في شرحه ،فاعتذر عنه بعلو السِّن وضعفِ البصر , ثم دلَّ على بعض تلامذته المحققين الذين أخذوا عنه ذلك الشرح وهو ببلاد أخرى، فرحل إليه ،فوصل وبعض أبناء الأكابر يقرأ على المذكور في ذلك الشرح ،فطلب منه أن يقرأ عليه فأذِن َله في الحضور بشرط أن لا يتكلم , وليس له درس مستقل بل شرط عليه أن يحضر فقط مع ذلك الذي يقرأ على الشيخ من أولاد الأكابر , فكان الشريف يحضر ساكتاً , وفي الليل يأوي إلى خلوة في المسجد , وكان يكرر (5) في أكثر الليل ماسمعه من شرح الشمسية ويرفع صوته فيقول : قال المصنف كذا، يعني صاحب الشمسية، وقال الشارح كذا , يعني القطب , وقال الشيخ كذا , يعني الذي يقرأ عليه , وقلت أنا كذا , ثم يقرر كلاماً نفسياً , ويعترض اعتراضات فائقة , فصادف مرور ذلك الشيخ من باب خلوته, فسمع صوته , فوقف فطرِبَ لذلك حتى رقص , ثم أذن له أن يتكلم بما شاء، فيقال : إن صاحب الترجمة حصّل حاشية شرح الشمسية حال قراءته على ذلك الشيخ (6)
- ومن البديهي أن يشارك السيوطي المتوفى سنة 902 هـ , غيره في ذلك وهو من هو في الفنون المتعددة , والعلوم المتنوعة، ذكر أنه قد عمل في مكة المكرمة كتاباً سماه" النفحة المكية والتحفة الملكية "في يوم واحد , وهو كراسة مجموعها في النحو , وفيها عروض وبديع وتاريخ (7)
- ومن القصص الطريفة التي تتصل بهذا الجانب ما ذُكِر في مقدمة تحقيق إبراز المعاني لأبي شامة , فقد نقل المحقق فيما يبدومن بعض المصادر مانصه "وقرأالشيخ شهاب الدين بن الصحان على الشيخ ابن العباس بن نحلة ،ختمة لأبي عمرو من وراء بيته في يوم واحد ،ولما ختم ،قال للشيخ :هل رأيت أحداًيقرأهذه القراءة ؟فقال :لاتقل هكذا ،ولكن قل:أرأيت شيخاًيسمع هذا السماع ؟ و أعظم ما سمعتُ في هذا الباب : أن الشيخ مكين الدين الأسمر، دخل يوماً إلى الجامع بالإسكندرية ،فوجد شيخاً ينظر في أبواب الجامع , فوقع في نفس المكين أنه رجل صالح , وأنه يعزم على الرواح إلى جهته ليُسلِّمَ عليه , ففعل ذلك , وإذا به ابن وثيق , ولم يكن لأحدمنهما معرفة بالآخر , ولا رؤية , فلما سلَّم عليه ،قال للمكين : أنت عبد الله بن منصور، قال: نعم , قال ما جئت من الغرب إلا بسببك , لأُقرِئك القراءات ،فقرأ عليه المكين في تلك الليلة القرآن من أوله جمعاً للسبع , وعند طلوع الشمس إذا به يقول: من الجنة والناس ،فختم عليه القرآن للسبع في ليلة واحدة (8)
- ولا نود أن ننهي هذه المقالة قبل أن نعرض ما ذكره ابن القيم عن ابن تيمية الذي بورك له في وقته ، قال ابن القيم : لقد شاهدت ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمراً عجيباً فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً (9)

- وإذا تركنا تأليف الكتب والتفتنا إلى الشعراء لوجدنا هذه الظاهرة أيضاً عندهم واضحة فقد ذكر السيوطي عن أبي العتاهية قوله : لو شئت أن أقول في الليلة ألف بيتٍ لقلت (10)
ولا تعجبنَّ من ذلك فقد ذكر السيوطي أيضاً في ترجمة أبي بكر بن علي المتوفى سنة 769 هـ أنه كان شاعراً فصيحاً بليغاً لو أراد أن يكون كلامه كله شعراً لفعل (11)
هذا غيض من فيض وغصن من دوحة،وقلٌّ من جلٍّ مما حفلت به كتب التراجم من أعاجيب تدل على عظمة السلف ,فهل يقتدي بهم الخلف .؟ولا تستغربنَّ عزيزي القارئ،فإنه سبحانه وتعالى إذا
أراد خيراً بعبد من عبيده ،نوّر عقله ،وأضاء بصيرته ،ويسر له الأسباب ،وذلل له الصعوبات (واتقوا الله ويعلمكم الله،)صدق الله العظيم،وملاك الأمر كله هو الإخلاص في الطلب ،والإخلاص في الهدف والغاية .



_______________________________
(1) العقد الثمين 2/392
(2) البدر الطالع 2/266
(3) البدر الطالع 2/73
(4) البدر الطالع 1/488
(5) في الأصل يقرر
(6) البدر الطالع 1/490
(7) البغية 1/444 , البدر الطالع 1/331
(8) إبراز المعاني لأبي شامة 17 ( المقدمة )
(9) الأنيس 1/229
(10) البغية 2/236 , تحقيق علي عمر .
(11) البغية 1/452 , تحقيق علي عمر .


التعديل الأخير تم بواسطة إدارة المجمع ; 11-25-2014 الساعة 06:48 PM
رد مع اقتباس