عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-29-2014 - 11:54 PM ]



-والظاهر أن شعورهم بالفخار والعزة ، جعلهم يفطنون في كتب التراجم إلى عدم الخلط بين الأسماء العربية والأعجمية , فنرى أهل التراجم دقيقين في توثيق الأعلام وتحديد العربي منها من الأعجمي بما لا يخلو من طرافة أحياناً , لقد ذكر صاحب شذرات الذهب أنه في سنة 228هـ توفي فيها مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن مطربل بن أرندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن المستور الأسدي , ثم نقل عن يحيى بن معين قوله : إذا ذكر نسب مسدد قال : هذه رقية عقرب، ونقل عن ابن الأهدل قوله أيضاً : نسب مسدد إذا أضيف إليه بسم الله الرحمن الرحيم كان رقية من العقرب، والخمسة الأول بصيغة المفعول، والثلاثة الأخيرة أعجمية ([1]).


ولعل من المفيد أن نلفت الانتباه إلى أن المسلمين الذين ينتمون إلى أصول غير عربية ،مالوا إلى تسمية أولادهم بالأسماء المزدوجة ،قال الزركلي :دأب العجم أن يسموا أولادهم أسماء مزدوجة مثل :فاضل محمد ،وصادق محمد ،وأسد محمد "([2])



-ولا يجوز أن نتحدث عن الأعلام العربية من غير أن نتوقف عند نظرة الإسلام إلى الأعلام فقد صور الإسلام العلاقة القائمة بين الاسم والمسمى وحال المسمى وشأنه , لقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التسمية ببعض الأسماء وحث ورغب في بعضها الآخر , استشعاراً منه صلى الله وعليه سلم بتلك العلاقة بين الاسم والمسمى ,-وإن هو إلا وحي يوحى- قال صلى الله عليه وسلم : خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن , وقال : وأصدقها حارث وهُمام وأقبحها حربٌ ومرة ,قالوا : لأن الحارث هو الكاسب والهمام هو الذي يهم مرة بعد أخرى، وكل إنسان لا ينفك عن هذين الأمرين , وقال حاثاً على اختيار الأسماء الحسنة : إنكم تُدعَونَ يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسِّنوا أسماءكم , ([3])


وكم غيّر صلى الله عليه وسلم أسماءً لمعانيها التي لا تتفق مع الإسلام وتعاليمه ومقتضياته , لقد غيّر صلى الله عليه وسلم اسم امرأة كانت تسمى ( برة ) فسماها زينب وقال : تزكي نفسها قال ابن منظور : كأنه كره ذلك ([4]) .


ورُويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يُسمى المملوكُ نافعاً أو يساراً أو بركة، وقد امتلأت كتب الحديث وشرحها بالأسماء التي غيرها الرسول صلى الله عليه وسلم أو حث على التسمية بها , بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يظهر سروره أو حزنه إذا ذُكِرَ الاسم أمامه، لأن دلالته كانت تتراءى له صلى الله عليه وسلم ، روى مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من يحلب هذه الّلقحةَ يعني الناقة، فقال رجل : أنا قال :ما اسمك؟ قال :مُرّةُ قال: اجلس ،ثم قال : من يحلب الناقة اللقحة، فقام رجل آخر فقال: أنا، قال : ما اسمك ؟ قال : حربٌ قال : اجلس ثم قال: من يحلب الناقة اللقحة، فقام رجل فقال: أنا قال : ما اسمك ؟ قال: يعيش، قال له : أما أنت فاحلبْ فحلبَها ([5])


وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء , وكان إذا بعثَ عاملاً سأل عن اسمه , فإذا أعجبه اسمه فرِحَ به , ورُئي بِشْرُ ذلك في وجهه , وإن كَرِه اسمه رُئِي كراهية ذلك في وجهه , وإذا دخل قرية سأل عن اسمها , فإن أعجبه اسمها فرِحَ بها ،ورُئِي بشْرُ ذلك في وجهه , وإن كره اسمها رُئِي كراهية ذلك في وجهه ([6]) .



وهكذا أكمل علماؤنا درس الأعلام , فظهر هذا الجانب صورة تاريخية معبرة توحي دلالتها بالتاريخ اللغوي لظاهرة العلَم في العربية0



ولعل من المفيد أخيراً أن أنبه القارئ إلى أن تعليل الأسماء قديم جداً , اقتضاه العقل البشري , فالظاهر أن سيدنا آدم عليه السلام هو أول من علل الأسماء , يبدو ذلك من هذه الحكايةالتي ذكرهاا لقرطبي قال: وزوج آدم عليه السلام حواء عليه السلام وهو أول من سماها بذلك حين خُلِقت من ضلعه من غير أن يحسَّ آدم بذلك ،ولو ألِمَ بذلك لم يعطف رجلٌ على امرأته، فلما انتبه قيل له : منْ هذه ؟ , قال : امرأة , قيل : وما اسمها ؟ , قال: حواء , قيل : ولِمَ سميت امرأة ؟ , قال: لأنها من المرء أُخِذتْ , قيل : ولِمَ سميت حواء ؟ , قال : لأنها خلقت من حيّ , رُوي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرّبَ علمه ([7])



وبعد هذه الجولة في كتب اللغة والتراث مع أعلامنا العربية، ومع تفكير العربي في استعماله لهذه الأعلام ونظرته إليها وعنايته بها، يبدو لنا ما يأتي :

1ـ أن القواعد والضوابط التي سجلها النحاة والصرفيون تعد أصولاً معتبرة اشتملت على كل الطرائق اللغوية التي سلكها العرب في استعمالهم للأعلام.

2ـ أن العربي كان ينطلق في تسميته الأعلام من الواقع الاجتماعي الذي كان يحيا فيه , سواء أكان العلم , علما شخصيا , أم جنسيا , وسواء أكان لقبا أم كنيةً , لذا فالأعلام مرآة صادقة للتاريخ العربي , وقصة الأم التي كانت ترقص ابنها لهي أوضح دليل على ذلك .

3ـ أن الفكر اللغوي عند العرب , كان ينطلق ابتداء من ملاحظة حروف الاسم ومسماه , وقد توسعوا في توضيح تلك العلاقة بين الاسم والمسمى وبيان الأثر الناتج عنها.

4ـ من مظاهر هذا التأثر بين الاسم والمسمى أنهم تأثروا بطبائع الحيوانات وحقائق الجمادات، ومفاهيم المعاني، سواء أكانت جاهلية , أم إسلامية , وسواء كانت تفاؤلية أم تشاؤمية , ظهر كل ذلك في استعمالاتهم .

5ـ أن العقل العربي مبدع , يبدو ذلك من طريقة تفكيره وتنظيم ذهنه , إذ غلب على كثير من الأعلام الدقة المتناهية التي تتطابق مع حال المسمى وشأنه وسلوكه الاجتماعي.

6ـ كان للإسلام أثر واضح في توطيد ماعليه العرب من ملاحظة العلاقة بين الاسم والمسمى .

7ـ لعل آدم عليه السلام هو أول من قدم علل تسمية الأعلام على النحو الذي ذكرناه

8ـ أن دراسة ظاهرة لغوية ما من خلال القصص والحكايات وكتب التراجم تعد صورة حقيقية لتلك القواعد والضوابط التي قررها أهل الاختصاص , وهي تعطي روحاً لفهم تلك القواعد وتوضيحها ، ناهيك عن الوقوف على منشئها , وفي ذلك سبر علمي نقف فيه على حقيقة النشأة، ومعرفة السيرورة التاريخية لهذه الظاهرة .



_______________________________


[1] شذرات الذهب 2/176

[2] الأعلام 5/13

[3] انظر تخريج هذه الأحاديث في المسند 4/178 ، والعهود المحمدية للشعراني 342

[4] لسان العرب , برر

[5]- بستان العارفين 74 , وانظر أحاديث وقصصا كثيرة في بستان العارفين والمستطرف 2/65, قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتغيير أسماء كانت قد أطلقت على مسميات , والناقة اللقحة أي الحامل

[6]- سنن أبي داوود 3920 , والنقل عن كتاب دعوة إلى الفرح

[7] -الجامع لأحكام القرآن 1/449



التعديل الأخير تم بواسطة أ.د رياض الخوام ; 10-29-2014 الساعة 11:57 PM

رد مع اقتباس