«من أحبّ أن يكون كاتبا، أو كان عنده طبع مجيب؛ فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه أن يبتديء فيأخذ قصيدا من القصائد؛ فينثره بيتا بيتا على التوالي، ولا يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها؛ فإنه لا يستطيع إلا ذلك، وإذا مرنت نفسه، وتدرّب خاطره؛ ارتفع عن هذه الدرجة، وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبا من العبارات المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلا ونهارا، ولا يزال على ذلك مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابا أو خطب خطبة تدفّقت المعاني في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا مغسولة، وكان عليها حدّة حتى تكاد ترقص رقصا، وهذا شيء خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير».
"المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"(1/ 99)، لضياء الدين ابن الأثير، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1420هـ.