عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
الهيثم
عضو فعال
رقم العضوية : 2065
تاريخ التسجيل : Aug 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 196
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

الهيثم غير موجود حالياً

   

Post

كُتب : [ 09-27-2014 - 11:54 AM ]




إن النظريات الحديثة في قراءة النصوص الأدبية أعادت الاعتبار لهذا التكامل،حيث يعتبر علم النص الطرح البديل و الأمثل للمقولات النقدية السابقة لأنه يتناول النص في شموليته و كليته و ينطلق من البنية اللغوية و لا يغفل العوامل الخارجية كالمتلقي و السياق و علاقة النص بنصوص أخرى و هو ما يعرف بالتناص وبذلك يلتقي مع النقاد المتقدمين من أمثال عبد القاهر الجرجاني و السكاكي ذوي الثقافة الشمولية الذين كانوا يسبرون أغوار النص من كل النواحي.
وسنختصر في هذا البحث على مظاهر التكامل المعرفي بين علوم العربية:

1- التكامل المعرفي بين التصريف (الصرف) والنحو والخط:

 تعريف التصريف:
"التصريف: هو علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلمة التي ليست بإعراب"( )5.
يوضح ابن عصفور أهميته بين علومالعربية بقوله: "والتصريف أشرف شطري العربية: فالذي يبين شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية من نحوي ولغوي إليه أيما حاجة لأنه ميزان العربية، ألا ترى أنه يُؤخذ جزء كبير من اللغة بالقياس، ولا يتوصل إلى ذلك إلا عن طريق التصريف"( )6.

تعريف النحو:
أما النحو ف: "هو علم بقوانين يعرف بها أحوال التراكيب العربية من الإعراب والبناء وغيرهما، وقيل النحو: علم يعرف به أحوال الكلم من حيث الإعلال، وقيل: علم بأصول يعرف بها صحة الكلام وفساده"( )7.
فهو يفسر العلاقات بين كلمات الجملة وبين جمل الفقرة، وينظر إلى تركيب الكلام وتأليفه من حيث الصحة والاستقامة على وفق قوانين العربية. ولذلك اعتبر الجهل بهذا العلم قدحا في شخصية الجاهل، يقول ابن الأثير: "...أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون باللغة، فوجب اتباعهم"( )8.
والأصل أن يقدم الصرف على النحو وهذا ما فعله أبو حيان في كتابه "ارتشاف الضرب" إذ يقول عن موضوع الكتاب:"وحصرته في جملتين: الأولى: في أحكام الكلم قبل التركيب، والثانية: في أحكامها حالة التركيب" )9.
وهذا ما أكده عبده الراجحي أيضا بقوله:" فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلمة الثابتة، والنحو إنما هو لمعرفة أحواله المتنقلة، ألا ترى أنك إذا قلت: قام بكرٌ، ورأيت بكراً، ومررت ببكرٍ، إنما خالفت بين حركات الإعراب لاختلاف العامل، ولم تعرض لباقي الكلمة، وإذا كان ذلك، كذلك فقد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف، لأن معرفة ذات الشيء الثابت ينبغي أن يكون أصلاً لمعرفة حاله المتنقلة( )10.
لكن دأب المؤلفون على تقديم النحو على الصرف لأسباب تعليمية تربوية، يوضحها السيوطي بقوله: "وقدمت النحو على التصريف، وإن كان اللائق بالوضع العكس، إذ معرفة الذوات أقدم من معرفة الطوارئ والعوارض، لأن الحاجة إليه أهم"( )11.
سلك هذان العلمان طريقا واحدا في القرون الأولى حيث كنت "لا تكاد تجد كتابًا في النحو إلاّ والتصريف في آخره"( )12.
وفي مرحلة ثانية بدأ انفصال الصرف واستقلاله بالتأليف باسم: علم التصريف، لكنه ظل قسما تابعا للنحو، يقول أبو علي الفارسي(ت377ه) صاحب التكملة (في الصرف) على الإيضاح(في النحو) "النحو علمٌ بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: تغيير يلحق أواخر الكلمة، والآخر تغييرٌ يلحق ذوات الكلم وأنفسها"( )13.
وفي المرحلة الثالثة: أصبح التصريف علما مستقلا، وقسيما للنحو، حيث صار البعض يطلق عليه الصرف بدل التصريف، وفي هذه المرحلة ظهر كتاب الجرجاني(ت471ه) "المفتاح في الصرف" وكتاب ابن عصفور(ت669ه) "الممتع الكبير في التصريف" والذي ميز من خلاله بين قسمين من التصريف "أحدهما:جعل الكلمة على صيغ مختلفة، لضروب من المعاني...والآخر من قسمي التصريف: تغيير الكلمة عن أصلها، من غير أن يكون ذلك التغيير دالاًّ على معنًى طارئ على الكلمة"( )14. أي أن التغيير في الصرف يكون لغرض معنوي، حيث التحول من صيغة لأخرى، لتحصل على دلالات جديدة، كالانتقال من صيغة الفعل الماضي إلى المضارع أو الأمر، أو من بنية اسم الفاعل إلى اسم المفعول وغيرها، وقد يكون الغرض لفظيا فقط بهدف خفة النطق وسهولته وجودته، كما يحدث في القلب والإعلال والإبدال والنقل.
تتأكد علاقة الترابط بين العلمين في كون بعض المسائل النحوية لا يتم فهمها إلا بدراسة الصرف، فالوظيفة التركيبية لأسماء الفاعلين والمفعولين والمصادر لا تفهم بالشكل المطلوب قبل الدراسة الصرفية لهذه الأبنية، ولهذا تمزج الكثير من المؤلفات النحوية والصرفية القديمة منها والمحدثة بين العلمين حين تتحدث عن المشتقات وعملها.
ونائب الفاعل والتثنية والجمع دروس نحوية لا يمكن أن تدرك دون تعريج على علم الصرف، حيث يتعرف على طرق صياغتها وشروطها.
وقد وضح ابن جني العلاقة بين علمي الصرف والنحو بقوله: "إلا أن التصريف وسيطة بين النحو واللغة يتجاذبانه، والاشتقاق أقعد في اللغة من التصريف. كما أن التصريف أقرب إلى النحو من الاشتقاق، يدلك على ذلك أنك لا تكاد تجد كتابا في النحو إلا والتصريف في آخره، والاشتقاق إنما يمر بك في كتب النحو، منه ألفاظ مشردة لا يكاد يعقد لها باب"( )15.

تعريف الخط:
أما الخط، فهو"علم يبحث فيه عن كيفية كتابة الألفاظ مع مراعاة حروفها لفظا أو أصلا والزيادة والنقص والوصل والفصل والبدل "( )16.
وهو علم رئيس ضمن علوم اللغة العربية، إذ أنه المسؤول عن صحة الكتابة وسلامة التعبير، وبفضله استطاع الإنسان العربي المحافظة على تراثه الغني بالمعارف والفنون ، ونقله إلى الأجيال اللاحقة.و"إذا كان جمال الخط العربي يمثل منزلة يسعى إليها كل من أراد الإبداع فإن الكتابة السليمة والصحيحة هي الركيزة الأساسية لهذا الجمال والإبداع"( )17 وإذا كان الخطأ الإملائي أمارة ضعف في إتقان اللغة الفصحى، التي يعتبر الإملاء جزءا من منظومتها اللغوية، ويرتبط ارتباطا قويا بفروعها من أصوات وصرف ونحو ومعجم.فإن إتقان المهارات الإملائية والكتابة الصحيحة تعكس تمكن صاحبها من هذه اللغة، وسعة اطلاعه وكثرة قراءته.
عرف هذا العلم قديما بالخطّ، والكتابة، والهجاء، وتقويم اليد، والرسم، وإن كان المصطلح الأخير إنما يطلق على كتابة الخط القرآني خاصة.
أشار السيوطي إلى أهمية هذا العلم والحكمة من إدراجه بعد النحو والصرف بقوله:" ثم لما كان القلم أحد اللسانين، وكان اللفظ يبحث عنه من جهة النطق به، ومن جهة رسمه، عقبت النحو والتصريف المبحوث فيهما عن كيفية النطق به، بعلم الخط المبحوث فيه عن كيفية رسمه"( )18.
اعتبر القدامى الإملاء جزءا من علم النحو والصرف ؛ حيث كانت القواعد الإملائية مبثوثة في كتب النحو والصرف مثل أدب الكاتب لابن قتيبة وفيه باب أسماه: "تقويمَ اليدِ"، و الجمل في النحو للزجَّاجيِّ؛ وفيه بابٌ في الهجاءوآخر في أحكام الهمزة في الخط، هذا إضافة إلى الكتب التي تدرج هذا العلم بعد النحو والصرف ومنها: شافية ابن الحاجب، وهمع الهوامعِ والنقاية وشرحها: إتمام الدراية، والفريدة في النحو والصرف والخط وشرحها: المطالع السعيدة وكلها للسيوطي.
ومن المصادر القديمة المستقلة في هذا الفن: كتاب الكتاب ( )19 لابن درستويه، وكتاب الهِجاء لابن الدهَّانِ. ومن مؤلفات هذا العلم الحديثة:كتابُالمطالع النصريةلنصر الهوريني، والإملاء لحسين والي.


وتجدر الإشارة إلى أن الخط ثلاثة أقسام:
- الخط الاصطلاحي، المتعارف عليه بين الكتاب، وهو المقصود بعلم الخط لدى المؤلف.
- خط المصحف ومن مؤلفاته: كتابا النَّقط والمقنع وهما لأبي عمرو الداني
- الخط العروضي ومصادره كتب العروض خاصة ، حيث الحديث عن خصائص الكتابة العروضية.
من مواضيع علم الخط الاصطلاحي: الهمزة، والألف اللينة، والزيادة والحذف، والفصل والوصل، وهاء التأنيث وتاؤه.وزاد الناظم وقبله السيوطي "التنقيط".
تبدو العلاقة قوية بين علم الخط والأصوات والصرف والنحو والمعجم، في كون كثير من قواعد الإملاء ترتبط ارتباطا قويا بمعارف صوتية وصرفية ونحوية ومعجمية، وهذا مظهر آخر للتكامل المعرفي بين العلوم اللغوية، إذ قبل كتابة كلمة ما لا بد من معرفة أصلها الاشتقاقي كرسم الألف اللينة في الأسماء والأفعال الثلاثية والذي يتطلب إرجاعها إلى المثنى أو الجمع، أو المضارع أو إسنادها إلى التاء المتحركة أو "نا" الدالة على الفاعل، لمعرفة إن كانت ألفا ممدودة(طويلة) أو مقصورة، فسعى مثلا تكتب بالألف المقصورة لأن مضارعها يسعى، وأثناء إسنادها إلى التاء المتحركة تصير: سعيْت، وإذا اتصلت بها "نا" الدالة على الفاعل تصبح:سعيْنا، والهمزة في مصادر وأفعال فوق الرباعي لا يمكنها أن تكون إلا همزة وصل ومن لا يميز بين المشتقات وعدد حروفها لا يرسم هذه الهمزة بشكل صحيح. والألف الفارقة تكون في الفعل المسند إلى ضمير الجمع الغائب لا المفرد، ف"يدعو" بدون ألف تدل على الإسناد إلى الغائب المفرد عكس "لم يدعوا" و"دعوا" المسند إلى ضمير الجمع الغائب.
ومن مظاهر ارتباط الإملاء بالنحو تأثر كتابة الهمزة خاصة المتوسطة بالموقع الإعرابي للكلمة من مثل قولنا: "انتشرت أصداؤُه"، "سمعت أصداءَه"، ثم "لم ألتفت إلى أصدائِه"( نعتبر الهمزة متوسطة بعد إضافة اللواحق، وهو ما ذهب إليه مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته السادسة والأربعين) ( )20، فالذي لا يعرف الموقع الإعرابي للكلمة سيخطئ حتما في كتابتها إملائيا؛ لأن رسمها بطريقة صحيحة يتطلب معرفة حركتها وحركة الحرف الذي قبلها لتطبيق قاعدة أقوى الحركات، وهذا لا يتم دون معرفة أن "أصداء" الأولى: فاعل والثانية: مفعول به، والثالثة: اسم مجرور. وكتابة الهمزة المتوسطة تكون حسب تهيلها، وهو مبحث نحوي، يقول أبو حيان الأندلسي: "وعلم الخط يقال له الهجاء، ليس من علم النحو، وإنما ذكره النحويون في كتبهم لضرورة ما يحتاج إليه المبتدئ في لفظه وفي كتبه، ولأن كثيرا من الكتابة مبنى على أصول نحوية؛ ففي بيانها بيان لتلك الأصول، ككتابة الهمزة على نحو ما يسهل به وهو باب من النحو كبير"( )21.
كما أن من يجهل أن علامة جزم المضارع المعتل الأخير(الناقص) –إذالم يكن من الأفعال الخمسة- هي حذف حرف العلة سيخطئ بالضرورة في كتابة: "لا تنس" حيث يرسمها بألف مقصورة في الآخر. وألف تنوين النصب في الاسم النكرة غير الممنوع من الصرف لا يمكن إثباته إذا لم يعرف الطالب المحل الإعرابي للكلمة: " حفظت حزبا من القرآن".ومنه أيضا مواطن الفصل والوصل بين الكلمات ف "ما" الموصولة مثلا تفصل عن "إن" كقولنا: إن ما فعلته حق، لكنها توصل بها حين تكون زائدة مثل: إنما العلم نور.
ومن مظاهر ارتباط الإملاء بعلم الأصوات أن من لا يميز بين الدال والذال، وبين الضاد والظاء، والتاء والثاء على مستوى النطق سيخلط بينها على المستوى الكتابي أيضا.
وهناك علاقة قوية أيضا بين المعجم/اللغة والإملاء فالذي لا يعرف مثلا دلالة الركود والركوض، وسار وصار، وسلب وصلب، لا يمكنه أن يميز بيهما في الإملاء.

2- التكامل المعرفي بين النحو والبلاغة:
رأينا في الفقرة السابقة أن النحو ينظر في تركيب الكلام من حيث الصحة والاستقامة، لهذا كانإلى جانب التصريف من علوم التصحيح، أما البلاغة فتبدأ من حيث ينتهي النحو، لأنها تتجاوز الصحة والاستقامة إلى الجودة والرداءة والفروق والدقائق بين ضروب النظم المختلفة. ما دامت من علوم التفصيح، وتهتم بجمالية النصوص وشعريتها، والنحو والبلاغة توأمان متلازمان لا يمكن الفصل بينهما. بل إن أول كتاب في النحو لم يخل من نظرات بلاغية هنا وهناك، وقد استجلاها أحمد سعد محمد في كتابه القيم "الأصول البلاغية في كتاب سيبويه وأثرها في البحث البلاغي"، حيث يرى مع صاحب "البلاغة والأسلوبية" أن النحاة المتقدمين ميزوا بين مستويين في الدراسة النحوية، وكان المستوى الأول: "تلك القواعد المجردة التي استند فيها النحويون إلى كلام العرب الفصيح المنقول نقلا صحيحا...أما المستوى الثاني، فكان يتمثل في العلاقات المتنوعة بين الكلمات ثم بين الجمل"( )22.
ويعتبر عبد القاهر الجرجاني أفضل من وضح هذه العلاقة القوية بين العلمين بقوله "اعلم أن ليس "النّظم" إلا أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه "علم النحو"، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها... هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه، إن كان صوابًا، وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو، قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له"( )23.
إذن لا يمكن دراسة بلاغة الكلام دون التعريج على النحو، لأنه قانون العلاقات التي تحكم النظم، وبه يعرف صحيح التركيب من فاسده.
وقد نبه عبد القاهر الجرجاني إلى أهمية علم النحو والإعراب في التأليف والنظم بقوله "...أن الألفاظ معلقة على مَعانيها حتى يكونَ الإعرابُ هو الذي يَفتحها، وأنَّ الأغراضَ كامنةٌ فيها حتى يكونَ هو المستخرِجَ لها، وأنه المعيارُ الذي لا يتبيَّن نقصانُ كلامٍ ورجحانُه حتى يعرضَ عليه، والمقياسُ الذي لا يُعرفُ صحيحٌ من سَقيمٍ حتى يرجع إليه"( )24.
وهو ينفي أن يكون النحو مجرد صناعة شكلية، لأن البدوي الذي لا يعرف أبوابه، يحسن النظم والتأليف، ما دام يعرف في قولهم: "زيدٌ منطلقٌ" أَنَّ "زيداً" مُخْبَرٌ عنه، و"منطلق" خَبرٌ( )"25.
بل ولم يفته أن يعقب على سيبويه في باب التقديم والتأخير، لأنه لم يمثل لقاعدة تقديم الأهم، فناب عنه في تقديم أمثلة موضحة مثل "قَتلَ الخارجيَّ زيدٌ"، حيث قدم المتكلم الخارجيَّ وهو المفعول به، على زيد وهو الفاعل "لأنه يعلم أنْ ليس للناسِ في أنْ يعلموا أنَّ القاتلَ له "زيدٌ" جَدْوى وفائدةٌ، فيَعْنيهم ذكْرُه ويهمُّهُمْ ويتَّصلُ بمسَّرتِهم ويَعْلم مِن حالِهم أَنَّ الذي هم متوقِّعون له ومُتَطلّعون إِليه متى يكونُ، وقوعُ القتلِ بِالخارجي المفْسِد، وأَنهم قد كفُّوا شرَّه وتخلَّصوا منه"( )26.
بل إنه يرى أن عدم الوقوف على النكت البلاغية للتقديم والتأخير مثلا تفقد صاحبها تذوق هذه الظاهرة إذ يقول: "وقد وَقعَ في ظنونِ الناسِ أَنَّه يكفي أنْ يقالَ: "إِنه قُدِّم للعناية، ولأنَّ ذكْرَه أَهمُّ"، مِنْ غير أن يُذْكَر، مِنْ أين كانت تلك العنايةُ؟ وبمَ كانَ أهمَّ ولِتخيُّلهِم ذلك، قد صَغُر أمرُ "التقديمِ والتأخيرِ" في نفوسهم، وهَوَّنوا الخَطْبَ فيه، حتى إِنك لتَرى أكثرَهم يَرى تَتبُّعَه والنظرَ فيه ضرباً من التكلُّف. ولم ترَ ظنّاً أَزرى على صاحبهِ من هذا وشبهه"( )27.
ونحن نرى أن سيبويه النحوي، لم يكن مقصرا حين اكتفى بعبارة "إنه قدم للعناية" وذلك ليفسح المجال لعبد القاهر الجرجاني ونظرائه من البلاغيين، ليبحثوا في توضيح النكت البلاغية لهذا التقديم، وبذلك يتكامل العلمان.

3- التكامل المعرفي بين النحو وأصوله وأصول الفقه:
يعتبر ابن الأنباري أول من أدرج علم أصول النحو ضمن علوم اللسان (علوم الأدب أو علوم اللغة) إذ يقول "فإن علوم الأدب ثمانية: النحو، واللغة، والتصريف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب وأنسابهم؛ وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما؛ وهما علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو"( )28.
أكد ابن الأنباري علاقة أصول النحو بأصول الفقه بقوله "أصول النحو أدلة النحو التي تفرعت منها فروعه وأصوله، كما أن أصول الفقه أدلة الفقه التي تنوعت عنها جملته وتفصيله"( )29.
كما أشار السيوطي إلى تأثر منهج هذا العلم بأصول الفقه بقوله "ورتبته على نحو ترتيب أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم"( )30.
ومن أهم مسائل هذا العلم: البحث في الأدلة من سماع وإجماع واستصحاب، وهي مصطلحات مقتبسة من علم أصول الفقه، تؤكد سلامة هذا الأسلوب في توثيق اللغة واستنباط أحكامها.
وتحدث ابن الأنباري عن ثمرته وفضله فقال:" وفائدته التعويل في إثبات الحكم على الحجة والتعليل والارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاطلاع على الدليل، فإن المخلد إلى التقليد لا يعرف وجه الخطأ من الصواب، ولاينفك في أكثر الأمر عن عوارض الشك والارتياب "( )31. أي أن تمرة هذا العلم وغايته محاولة الوصول إلى منهج لاستنباط الأحكام اللغوية والنحوية، والتمكن من القدرة على الاجتهاد، فهو طريقة البحث عن الخصائص العامة التي تميز اللغة، مما يهدي إلى وضع قوانينها وضعا علميا يطمئن إليه الباحث.

شبكة ضياء



التعديل الأخير تم بواسطة الهيثم ; 09-27-2014 الساعة 11:58 AM

رد مع اقتباس