ذات الخمار الأسود
قدم بعض التجار مدينة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومعه حِمْلٌ من الخُمُر (1) السود، فلم يجد لها طالباً ولا شارياً، فكسدت عليه وضاق صدره. فقيل له: ما يُنفقها لك إلّا ((مسكين الدارمي)) (2) وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالظرف والخلاعة.
فقصده فوجده قد تزهّد وانقطع في المسجد، فأتاه وقص عليه القصة.
فقال له: وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال؟
فقال له التاجر: أنا رجلٌ غريب، وليس لي بضاعة سوى هذا الحِمل، وتضرَّع إليه، فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول وعمل هذه الأبيات وشهرها، وهي:
قُلْ للمليحةِ في الخمار الأسودِ *** ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبّدِ
قد كان شمّــر للصلاة ثيابه *** حتى قعدتِ له ببابِ المسجدِ
ردّي عليه ثيابه وصلاتـــه *** لا تقتليه بحقّ دين محمّدِ
فشاع بين الناس أن ((مسكينا الدارمي)) قد رجع إلى ما كان عليه، وأحبَّ واحدة ذات خمار أسود، فلم يبق في المديمةِ ظريفة، إلّا وطلبت خِماراً أسود.
فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه، لكثرة رغباتهم فيه، فلما فرغ منه عاد ((مسكين)) إلى تعبّده وانقطاعه ! .
_________________
(1) الخُمُر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة وجهها،
(2) مسكين الدارمي: هو ربيعة بن عامر، توفي سنة 89 هــ
* طرائف من التراث العربي
عبدالأمير علي مهنا
دار الفكر اللبناني