عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
محمد بن مبخوت
عضو جديد
رقم العضوية : 210
تاريخ التسجيل : May 2012
مكان الإقامة : الجزائر
عدد المشاركات : 85
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

محمد بن مبخوت غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-01-2014 - 12:45 AM ]


علم البيان هذا العلم حادث في الملة بعد علم العربية واللغة ، وهو من العلوم اللسانية ، لأنه متعلق بالألفاظ وما تفيده . ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني. وذلك أن الأمور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي: إما تصور مفردات تسند ويسند إليها ويفضي بعضها إلى بعض، والدلالة على هذه هي المفردات من الأسماء والأفعال والحروف، وإما تمييز المسندات من المسند إليها والأزمنة، ويدل عليها بتغير الحركات وهو الإعراب وأبنية الكلمات . وهذه كلها هي صناعة النحو. ويبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال المتخاطبين أو الفاعلين، وما يقتضيه حال الفعل، وهو محتاج إلى الدلالة عليه، لأنه من تمام الإفادة ، وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الإفادة من كلامه . وإذا لم يشتمل على شيء منها فليس من جنس كلام العرب، فإن كلامهم واسع، ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة. ألا ترى أن قولهم: " زيد جاءني " مغاير لقولهم " جاءني زيد " من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم. فمن قال: جاءني زيد، أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه ، ومن قال: زيد جاءني، أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند . وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام من موصول أو مبهم أو معرفة . وكذا تأكيد الإسناد على الجملة، كقولهم: زيد قائم، وإن زيداً قائم، وإن زيداً لقائم، متغايرة كلها في الدلالة ، وإن استوت من طريق الإعراب ، فإن الأول العاري عن التأكيد إنما يفيد الخالي الذهن ، والثاني المؤكد بإن يفيد المتردد ، والثالث يفيد المنكر، فهي مختلفة . وكذلك تقول: جاءني الرجل، ثم تقول مكانه بعينه : جاءني رجل إذا قصدت بذلك التنكير تعظيمه ، وأنه رجل لا يعادله أحد من الرجال . ثم الجملة الإسنادية تكون خبرية ، وهي التي لها خارج تطابقه أولاً، وإنشائية وهي التي لا خارج لها كالطلب وأنواعه . تم قد يتعين ترك العاطف بين الجملتين إذ كان للثانية محل من الإعراب: فينزل بذلك منزلة التابع المفرد نعتاً أو توكيداً أو بدلاً بلا عطف ، أو يتعين العطف إذا لم يكن للثانية محل من الإعراب . ثم يقتضي المحل الإطناب أو الإيجاز فيورد الكلام عليهما. ثم قد يدل باللفظ ولا يراد منطوقه ويراد لازمه إن كان مفرداً، كما تقول : زيد أسد ، فلا تريد حقيقة الأسد المنطوقة ، وإنما تريد شجاعته اللازمة وتسندها إلى زيد ، وتسمى هذه استعارة . وقد تريد باللفظ المركب الدلالة على ملزومه، كما تقول : زيد كثير الرماد ، وتريد به ما لزم ذلك عنه من الجود وقرى الضيف ؛ لأن كثره الرماد ناشئة عنهما، فهي دالة عليهما. وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الألفاظ من المفرد والمركب ، وإنما هي هيئات وأحوال للواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيئات في الألفاظ كل بحسب ما يقتضيه مقامه، فاشتمل هذا العلم المسمى بالبيان على البحث عن هذه الدلالات التي للهيئات والأحوال والمقامات ، وجعل على ثلاثة أصناف : الصنف الأول يبحث فيه عن هذه الهيئات والأحوال، التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال ، ويسمى علم البلاغة ، والصنف الثاني يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمى علم البيان. وألحقوا بهما صنفاً آخر، وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق: إما بسجع يفصله، أو تجنيس يشابه بين ألفاظه، أو ترصيع يقطع أوزانه، أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه لاشتراك اللفظ بينهما أو طباق بالتقابل بين الأضداد وأمثال ذلك ويسمى عندهم علم البديع. وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم البيان، وهو اسم الصنف الثاني ؛ لأن الأقدمين أول ما تكلموا فيه . ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى ، وكتب فيها جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم إملاءات غير وافية فيها. ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئاً فشيئاً إلى أن محص السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه، على نحو ما ذكرناه آنفاً من الترتيب ، وألف كتابه المسمى بالمفتاح في النحو والتصريف والبيان، فجعل هذا الفن من بعض أجزائه. وأخذه المتأخرون من كتابه، ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد ، كما فعله السكاكي في كتاب التبيان ، وابن مالك في كتاب المصباح ، وجلال الدين القزويني في كتاب الإيضاح والتلخيص ، وهو أصغر حجماً من الإيضاح ، والعناية به لهذا العهد ، عند أهل المشرق ، في الشرح والتعليم منه أكثر من غيره . وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة ، وسببه والله أعلم أنه كمالي في العلوم اللسانية، والصنائع الكمالية توجد في وفور العمران . والمشرق أوفر عمراناً من المغرب كما ذكرناه . أو نقول : لعناية العجم وهم معظم أهل المشرق ، كتفسير الزمخشري، وهو كله مبني على هذا الفن وهو أصله. وإنما اختص بأهل المغرب من أصنافه علم البديع خاصة ، وجعلوه من جملة علوم الأدب الشعرية ، وفرعوا له ألقاباً وعددوا أبواباً ونوعوا أنواعاً. وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب ، وإنما حملهم على ذلك الولوع بتزيين الألفاظ ، وأن علم البديع سهل المأخذ . وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما وغموض معانيهما فتجافوا عنهما . وممن ألف في البديع من أهل إفريقية ابن رشيق، وكتاب العمدة له مشهور. وجرى كثير من أهل إفريقية والأندلس على منحاه . واعلم أن ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن ؛ لأن إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة ، وهي أعلى مراتب الكمال مع الكلام فيما يختص بالألفاظ في انتقائها وجودة رصفها وتركيبها ، وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه . وإنما يدرك بعض الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته ، فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه . فلهذا كانت مدارك العرب الذين سمعوه من مبلغه أعلى مقاماً في ذلك ، لأنهم فرسان الكلام وجهابذته، والذوق عندهم موجود بأوفر ما يكون وأصحه . وأحوج ما يكون إلى هذا الفن المفسرون ، وأكثر تفاسير المتقدمين غفل منه ، حتى ظهر جار الله الزمخشري ووضع كتابه في التفسير، وتتبع آي القرآن بأحكام هذا الفن، بما يبدي البعض من إعجازه، فانفرد بهذا الفضل على جميع التفاسير، لولا أنه يؤيد عقائد أهل البدع عند اقتباسها من القرآن بوجوه البلاغة . ولأجل هذا يتحاماه كثير من أهل السنة، مع وفور بضاعته من البلاغة . فمن أحكم عقائد السنة وشارك في هذا الفن بعض المشاركة، حتى يقتدر على الرد عليه من جنس كلامه، أو يعلم أنها بدعة فيعرض عنها ولا تضره في معتقده، فإنه يتعين عليه النظر في هذا الكتاب ، للظفر بشيء من الإعجاز، مع السلامة من البدع والأهواء. والله الهادي من يشاء إلى سواء السبيل.

علم الأدب هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها. وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة[لعله الملكة]، من شعر عالي الطبقة وسجع متساو في الإجادة ومسائل من اللغة والنحو، مبثوثة أثناء ذلك، متفرقة، يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية ، مع ذكر بعض من أيام العرب، يفهم به ما يقع في أشعارهم منها . وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة . والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه ، لأنه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه ، فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه. ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط، وهي القرآن والحديث . إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية، فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ، ليكون قائماً على فهمها. وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة وكتاب الكامل للمبرد ، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي . وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها. وكتب المحدثين في ذلك كثيرة. وكان الغناء في الصدر الأول من أجزاء هذا الفن، لما هو تابع للشعر، إذ الغناء إنما هو تلحينه. وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به، حرصاً على تحصيل أساليب الشعر وفنونه ، فلم يكن انتحاله قادحاً في العدالة والمروءة . وقد ألف القاضي أبو الفرج الأصبهاني كتابه في الأغاني، جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم. وجعل مبناه على الغناء في المئة صوتا التي اختارها المغنون للرشيد ، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم ، في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال ، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه ، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنى له بها. ونحن الآن نرجع بالتحقيق على الإجمال فيما تكلمنا عليه من علوم اللسان.
والله الهادي للصواب.اهـ

رد مع اقتباس