![]() |
حين تمشي اللغة على إيقاعها في الوزن والتفعيلة وعلم العَروض
حين تمشي اللغة على إيقاعها في الوزن والتفعيلة وعلم العَروض http://www.m-a-arabia.com/site/wp-co...26/03/عروض.jpg بقلم: هشام فرجي تحتلّ الموسيقى منزلةً رفيعة في كيان اللغة العربية؛ فهي كامنة في أصواتها، وجارية في تراكيبها، وحاضرة في ميلها الفطري إلى الانتظام. ومن هذا الميل نشأ الشعر، فكان التعبير الأصفى عن طاقتها الإيقاعية، والمجال الذي تتجلّى فيه قدرتها على الجمع بين الدلالة والنغم. فالبيت الشعري في العربية كيانٌ متماسك، يقوم على توازن دقيق بين أجزائه، ويستند إلى نسقٍ صوتيّ يمنحه سمةً خاصة. حيث إن الأذن العربية اعتادت هذا النسق حتى صار جزءًا من ذاكرتها الجمالية؛ إذ تستشعره وإن لم تُحِط بقوانينه. ومن هنا كانت الحاجة إلى علمٍ يكشف سرّ هذا الانتظام ويضبط حدوده. في القرن الثاني الهجري، نهض الخليل بن أحمد الفراهيدي بهذه المهمة. نظر في الشعر العربي نظرة المتأمل الفاحص، فرأى أن تنوّع القصائد يستند إلى أصول محدّدة، وأن الإيقاع يجري وفق أنماط يمكن استقراؤها. فجمع تلك الأنماط في نظامٍ متكامل عُرف بعلم العَروض، وبه استقرت دراسة الوزن على قواعد واضحة. واختار العرب للوزن اسم «البحر»، وفي ذلك إيحاءٌ بالسعة والحركة. فالبحر الطويل يمتدّ بأنفاسه الواسعة، وقد أنشد عليه امرؤ القيس تأملاته عند الأطلال، والكامل يحمل نبرة القوة وامتلاء العبارة، والرمل ينساب في رفقٍ يقرّبه من وقع الخطى المنتظمة. لكل بحر طبيعته التي تلائم أغراضًا بعينها، وتستجيب لطبائع شعورية مختلفة. وتتكوّن هذه البحور من تفعيلات: فعولن، مفاعيلن، مستفعلن، متفاعلن…، وهي وحدات صوتية ينتظم بها الإيقاع. إذ يمنح انتظام التفعيلات القصيدة تماسكها الداخلي، ويجعل المعنى يسير في إطارٍ منضبط. وقد عرف هذا النظام قدرًا من المرونة من خلال الزحافات والعلل، وهي تحويرات محسوبة تُضفي على الإيقاع تنوّعًا دون أن تمسّ جوهره. وظلّ هذا البناء الإيقاعي ركنًا أصيلًا في الشعر العربي عبر العصور، إلى أن شهد القرن العشرون تحوّلات واسعة في شكل القصيدة. فبرز شعر التفعيلة مع أصوات بارزة مثل نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، حيث تحرّكت التفعيلة في فضاءٍ أكثر اتساعًا، واتخذ الإيقاع هيئةً جديدة تلائم حساسية العصر. لكن النبض ظلّ حاضرًا، وإن تبدّلت هندسته. ويفضي النظر في علم العَروض إلى معنى أعمق من مجرّد تقنيات الوزن؛ إنه يعبّر عن وعيٍ مبكر بقيمة النظام في الفن، وعن إدراكٍ بأن الجمال يقوم على انسجام العناصر وتآلفها. حيث يدرّب الإيقاع الذائقة على الدقّة، ويُنمّي الإحساس بالتوازن، ويجعل العلاقة باللغة علاقةً واعية تقوم على تقدير بنائها الداخلي. كما يترك الشعر الموزون في النفس أثرًا من الطمأنينة؛ فانتظامه يذكّر بتناسق الظواهر في الطبيعة، وتعاقب أنماطها في نظامٍ مطّرد. ومن خلال هذا الانتظام تكتسب العبارة قوة رسوخٍ في الذاكرة، ويغدو المعنى أكثر قدرة على الامتداد عبر الزمن. وهكذا يبقى علم العَروض شاهدًا على عمق التجربة الثقافية العربية، ودليلًا على أن العناية بالشكل كانت وجهًا من وجوه العناية بالمعنى. وفي ظلّ هذا الوعي، يظلّ الشعر فضاءً تتجاور فيه المعرفة والإحساس، ويتكامل فيه الصوت والفكر في صيغةٍ متناسقة. فتمضي اللغة، في هذا الأفق، على إيقاعها الخاص، محافظةً على نبرتها المميّزة، حاملةً في طيّاتها تراثًا من الإصغاء الدقيق والتأمل العميق. المصدر |
| الساعة الآن 09:00 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by