منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   نحو بلاغة مُستأنَفة (1) (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=70336)

شمس 02-18-2026 04:06 PM

نحو بلاغة مُستأنَفة (1)
 
نحو بلاغة مُستأنَفة (1)






http://www.m-a-arabia.com/site/wp-co...6/02/بلاغة.jpg


الدكتور بدر الحمري




لا غرو أنّ البلاغة القديمة اعتمدت على الشِّعر في توسيع مداركها ومعانيها؛ فهو يمثل ديوان العرب لا محالة، ويمثِّل اللِّسان العربي أصفَى تمثيل، ويوضِّح الصورة البيانية في أعلى توضيح، ويقرب المتلقي من مطابقة الكلام لمقتضى الحال، خاصة منه الشِّعر الجاهلي وشعر صدر الإسلام، سواء في التمثيل أو التراكيب السَّليمة أو في ميدان الأساليب البلاغية التي تخص الاستعارة أو التشبيه أو المجاز أو الكناية أو التقديم والتأخير أو غير ذلك. لذلك عدّ الشعر عند البلغاء أنسب مادّة يمكنُ أن نقعّد بها البلاغة العربيّة.

لكن السُّؤال المطروح هنا، هل يمكنُ حصر البلاغة في شعر القدماء فقط أم يمكنُ توسيعها من خلال انفتاحها على الشعر الصوفي مثلا؟ وهل في الشعر الصوفي بلاغة يمكنُ أن نستأنف بها أفق تطوير البلاغة العربية؟ بصيغة استفهامية أخرى، هل يمكنُ القول: إن الشعر الصوفي يكشف عن أسرار في البلاغة لم تكن حاضرة في الدرس البلاغي القديم؟ وهل يمكنُ الإحاطة بالمعنى من خلال الصور الحسية التزيينية فقط؟ أم يمكنُ أن نستأنف النظر في الصورة البلاغية بوصفها بلاغة ذوق روحي جمالي لا بلاغة ضبط حسي مجرد فقط، مع العلم أنّ الذوق هو كل «استعداد خاص يهيئ صاحبه لتقدير الجمال في التعبير والاستمتاع به، ومحاكاته بقدر ما يستطيع في أقواله وأعماله»(1).

أمّا الفرضية التي ننطلق منها يمكنُ صياغتها على الشكل الآتي:

إنّ البلاغة القديمة وهي تؤسس لبنيانها لم تعر اهتمامًا كبيرًا لنصوص الشِّعر الصُّوفي، بل بقيت حبيسة النُّصوص الشِّعرية المجرَّدة، والحال أنها لو انفتحت على نصوص صوفيّة لأصبحنا أمام قول جديد في البلاغة العربية، تغرف من معين التجربة الروحية، لا سلطان للغة عليها، بل المعنى سُلطان اللغة؛ لأن المقصود ليس هو اللغة في حدّ ذاتها بل صَفاء القلب الذي يدخلُ إلى حضرة الرّبّ.

للتأكد من صحة هذه الفرضية لا بدّ لنا من دراسة تجارب بلاغية عند صوفية شُعراء، وقد وقع الاختيار بداية على ديوان «الطَّواسين» لأبي منصور الحلاَّج (858م-922م )(2) الملقّب بشهيد العشق الإلهي؛ لأن الديوان بلغته الصافية يعدّ مادة بلاغية فريدة، سواء من أجل إعادة النظر في الأدوات البلاغية القديمة التي أقيمت على النموذج الشِّعري الكلاسِّيكي، أو من خلال استئناف النظر إلى ما سماه البحث بـ« البلاغة المُستأنفة ».

لم يكن أبو منصور الحلاَّج شَخصية صُوفية عِرفانية فقط، بل كان رحمة الله عليه صاحب بلاغة في مقام كبار البلغاء الشعراء العُرفاء؛ صحيح أنّ بلاغته الشِّعرية فتحت الأبواب على كثير من القراءات الضيقة التي فهمت متنه الشعري الروحي على غير مراده، فتجاوز الحكم على نصوصه مستويات النقد الفني أو الجمالي إلى نقده بخلفيات أيديولوجية أسقطت أصحابها في تكفيره، بسبب صوره البلاغية التي لم تصل إلى فهم مقاماتها آلة التكفير، فأوّلت تأويلا عقديًا بدل أن تفهم أسرار بلاغتها، وفيضها الذَّوقي، واستعاراتها العالية. فكيف يُعيد نصّ «الطواسين» النظر في تشكّل مفهوم البلاغة العربية بالموازاة مع بِنائه لبلاغة تستأنفُ صيرورة الفكر البلاغي العربي بصفة عامة؟

ما دام السُّؤال هنا حول الطريقة أو المنهج الذي يتبنّاهُ أبو منصور الحلاج من أجل بناء بلاغة تستأنف القول البلاغيّ العربيّ، فإن المنهج لا بدّ له من قواعد عبارة عن آليات معرفية بلاغية تشتغلُ بها القصيدة الحلاَّجية. هذه الآليات يمكنُ تناولها في محاور إشكالية عدة، ولنبدأ بالصور المجازية محاولين تذوّق رموزها العالية الشعرية، والغرض هو فهم كيف تنتقلُ البلاغة في الشعر الصوفي من بلاغة الصُّورة إلى بلاغة الرّوح، أي كيف تنطق الروح بدل العقل المجرد من أي تجربة روحية؟ وسنرى هل البلاغة تقفُ عند تزويق المعنى الشعري أم تخلخلُ اللّغة حتى تدفع المتلقي إلى كشف حقيقة المعاني الجمالية الروحية؟

من بلاغة الصُّورة إلى بلاغة الرُّوح:

نلتمِس بِداية من القارئ الكريم أن يعي بأنّ أبا منصور الحلاج الذي ولد حوالي 858م وتوفي سنة 922م، لم يظهر شعره فجأة كما تحاول بعض النصوص إقناعنا بذلك، أو أنّ شعره متوتر حدّ الخروج من الجماعة، بل إنه نتيجة مَسِير رُوحي شِعري طويل، يضرب بجذوره فيما سماه علي سامي النشار بـ«الحياة الروحية عند المسلمين»(3)؛ هناك إرهاصات لبلاغة شِعرية أخلاقية بملامِح رُوحية سبقت شِعر أبي منصور الحلاج بقرون عديدة، يمكنُ رجعها إلى صدر الإسلام، وبذلك نعدّ شعر العشق الإلهي، قد تنفَّس «أوكسجين» بلاغة المعنى الشعري من تجارب هؤلاء الشُّعراء الكبار، خاصّة منهم الشعراء الذين برعوا في مدح حضرة الرّسول الأعظم سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، نذكر منهم: حسَّان بن ثابت، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة. بل يمكنُ أن نذهب إلى أكثر من ذلك ونؤكد أنّ النص القرآني ببلاغته العالية الصَّافية هو المنبع الأصلي لكلّ بلاغة تريد أن تستأنف عملها في الفكر والعمل والرّوح؛ فالصحابة الشعراء الذي مدحوا الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، فعلوا ذلك لأنهم تذوقوا معاني المقام المحمَّديّ من النّصّ القرآني في كثير من الشَّواهد القرآنية، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ‎[القلم: 4]. والحقيقة أن تذوق البلاغة القرآنية هو فطرة في النّفوس السَّليمة، فإذا صينت هذه الفطرة بتجربة روحية على الصراط المستقيم بقي الذوق البلاغي سليمًا معافًى يغرفُ من التعبير القرآني حياته، لذلك «عندما زعمت الأعراب الإيمان، فقالوا: ﴿آمَنَّا﴾، أراد الله سبحانه أن يردهم إلى التعبير الصَّحيح، ويرشدهم إلى الكلمة التي تعبر تمامًا عما داخل نفوسهم، فقال تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 14]»(4).

بناء على ما سبق، وجب النظر في البلاغة الأخلاقية الرُّوحية بملامح روحية لما قبل الحلاج، متصلة بالبلاغة القرآنية الصَّافية، حتى نستأنف القول الرشيد في البلاغة العربية وتطورها فكرًا وعملا وترقيًا. ولا أدلّ على ذلك من الوقوف عند ملامح تلك البلاغة عند كعب بن زهير من خلال قصيدته المائزة «بانت سعاد» مثلا، بعدّه واحدًا من روّاد الرُّوح الأوائل في الإسلام؛ فمن المعلوم أن هؤلاء الرّواد «يتعلقون بالمصطلح القرآني أو بالمصطلح الحديثي، يعيشون فيه ويطلقونه على أنفسهم أو يطلق عليهم أو ينحتون مصلحاتهم منه أو ينحت عليهم، ونحن نعلمُ أن أوّل مصطلح أطلق على رواد الحياة الروحية الإسلامية الأوّلين كان مصطلح الصَّحابة، هؤلاء الذين تخلوا عن عبادة الأوثان ونأوا عن حياة الجاهلية: ملذّاتها وآثامها وشرورها وأوضارها، آمنوا بالتوحيد وأقبلوا يستمعون إلى القرآن ويتدبّرونه، ثم حين تخلّى الكثيرون منهم عن أموالهم ومتاعهم وقبائلهم، وانتقلوا إلى المدينة، سمّوا بالمهاجرين، وسمي من فعل هذا من أهل المدينة بالأنصار، وتشملهم كلمة الصحابة جميعًا»(5)، أفلا يكون الأمر كذلك في بلاغتهم؟ بمعنى: ألم تكن عندهم بداية التأسيس لبلاغة روحية شكلت إرهاصات أولى للترقي من الحس إلى المعنى، ومن ضيق التجريد إلى سعة التوحِيد، بلاغة ظهر تأثيرها بعد ذلك في نصوص شِعرية عند السيدة رابعة العدوية التي توفيت سنة 801م، والزاهد بشر بن الحارث الحافي الذي توفي سنة 841م، وذي النون المصري الذي توفي سنة 859م، وسهل التستري الذي توفي سنة 896م، من دون أن نذكر كثيرا من الأعلام الزّهاد الذين تركوا لنا نصوصًا بليغة في التربية الروحية؟

نحن هنا نتحدث عن ما قبل الحلاّج … (يتبع)

* * *

الهوامش:

(1) عبد الفتاح لاشين، صفاء الكلمة، دار المريخ للنشر، الرياض، 1983، ص: 05

(2) نعتمد في دراستنا لشعر أبي منصور الحلاج على كتاب الدكتور كامل مصطفى الشيبي، شرح ديوان الحلاج، منشورات دار الجمل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2012. ولمزيد من التوضيح يمكنُ العودة إلى كتاب: ديوان الحلاج ومعه أخبار الحلاج وكتاب الطواسين، وضع حواشيه وعلق عليه محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2013. الحلاج، ديوان الحلاج ويليه كتاب الطواسين، صنعه وأصلحه مصطفى كامل الشيبي وبولس نويا اليسوعي، منشورات الجمل، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، منقحة ومزيدة، 2007.

(3) ينظر الباب الثاني من كتاب علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثالث، الزهد والتصوف في القرنين الأول والثاني الهجريين، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، 2008، 1211-1235.

(4) عبد الفتاح لاشين، صفاء الكلمة، المرجع السابق، ص: 02.

(5) علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثالث، الزهد والتصوف في القرنين الأول والثاني الهجريين، المرجع السابق، ص: 1213.





المصدر



الساعة الآن 09:04 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by