منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   بين فصاحة «العربية» وعامية اللهجة (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=68639)

شمس 12-02-2024 10:30 AM

بين فصاحة «العربية» وعامية اللهجة
 
بين فصاحة «العربية» وعامية اللهجة


د. سعود محمد العصفور


صراع حتمي بين الفصاحة واللهجة العامية، فالعامية تأخذ من الفصاحة ما تريد، وتدع ما تريد، وما تدعه يصبح لازماً لا يمكن أن ينحىٰ جانباً، لأنه يعبّر عن معانٍ لا يمكن استحضارها في عامية اللهجة، ولكونها لا يمكن أن تستوعب كل ألفاظ العربية اشتقاقاً وبلاغة.

ما نتعلمه في اللغة العربية القليل منه نتحدث به، وهذا نابع من كون اللهجة العامية قد أخفته، فصار حديث المؤتمرات وخطب المنابر والقاعات، ولو حاولنا أن نتحدث به في الأحاديث الاعتيادية، لنظر إلينا الناس نظرة المتشدق، الذي يريد أن يستعرض قدرته على الكلام، وفق ما تستلزمه العربية الفصحى من ألفاظ.

البعد عن الفصحى ألزمنا الانقياد إلى اللهجة العامية، وما فيها من تعابير، قد تخرج عن نطاق السلامة، بل تكون ألفاظاً نشازاً لو قيست بمقاييس الفصحى، ولتبعدنا عن جمال العربية في محسناتها البديعية وألفاظها الرائقة، التي يعرفها أهل الأدب، ويألفها أهل الفصاحة وطلاب الرتب.

فصاحة العربية تزيّن المعاني، وتعينك ألفاظها على استحضار الصور البديعية، جزالة في اللفظ، وروعة في التصوير، ويأخذك الاشتقاق لكل مفردة عزيزة المنال، فتتولد عنها بناتها تترى كزخات المطر في تتابعها، ويأخذك الترادف كمن أكثر من البنين والبنات، فجاؤوا مماثلة ومطابقة في حسن ترتيب وجمال هندام.

مهما حاولت اللهجة العامية أن تماثل الفصاحة عذوبة ورقة، سابقتها الفصاحة فنالت فوزاً ورفعة، هيهات هيهات أن تقف في وجه الفصحى ما تمليه اللهجة من ألفاظ لا تروق للسامع ولا الراقب، فالكلام يقف عند المفردة حائراً لا يجد له المعين، الذي يأخذ المفردة إلى فساحة اللفظ اشتقاقاً وترادفاً وطباقاً وبلاغة.

تبقى اللهجة العامية في انتشارها محدودة، قاصرة على البلد الذي أوجدها، وقد تتنقل إلى بلد آخر، ويتأثر بها، لكن يبقى تأثير الفصحى هو الشائع والذائع، فلا تحده حدود المكان ولا الزمان، فقد تكفل الله بحفظها في كتابه، ولهج الحاضرون بها في صلواتهم ومحافلهم، فكانت مائدتهم وما حوت، وحيثما حلوا حلَّت، وكانت فاكهتهم اليانعة في كل اجتماع ومحفل.

ومن يتقن العربية يألف غيره من الفصحاء والبلغاء، ويستعذب الأدب نثراً ونظماً، ويسعى إلى وصلهم قراءة وسماعاً، ويتتبع مراسيهم ومحافلهم، أما من يجد في الفصحى سآمة ومللاً، فلن يصطبر على سجع الكلام، وما يُصاغ من مجاز وكناية واستعارة وطباق وترادف، وغيرها من المحسنات البديعية، بل يعتبر صاحبها قد خرج عن السياق وحسن الترتيب.

طبتِ يا عربية لغة، ودمتِ بين بنات سام الفائزة، بكل قدر أنت رائقة رائعة، فقد تربعت على عرش اللغات، ونلت شرف العزة والرشاد، فلا لغة تدانيك براعة، ولا لغة هي أكثر منك نفاسة وبضاعة



القبس


الساعة الآن 11:20 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by