![]() |
الشّرطُ النّحويُّ الصرفيُّ التّركيبيُّ
الشّرطُ النّحويُّ الصرفيُّ التّركيبيُّ أ.د عبد الرحمن بودرع الشّرطُ النّحويُّ الصرفيُّ التّركيبيُّ هو الذي يتحكّمُ في طُرُقِ إخْراجٍ المَعاني من الذّهن، فَلا يُفصِحُ المتكلّمُ عَن مَعانيه غُفْلاً وإنّما يُفصحُ منها على ما قَبِلَ الانتظامَ في سلكِ التّعبيرِ السَّليمِ الذي ينضبطُ إلى القَواعدِ ويلتزمُ بشُروطِ سَلامةِ القَولِ. وإذا سألْتَ عن هذه القَواعدِ فإنَّها تكوّنَت في نفْسِه بفعلِ تَكْرارِ الجُملِ السَّليمَةِ والنّصوصِ الصَّحيحَة، حتّى أصبَحَت كالمَلَكَةِ الرّاسخَةِ في نفسِه، يصدرُ عنها عندَ كلّ تعبيرٍ وفي ذلكَ رَدٌّ على من ادّعى أنّ الكَلامَ يقومُ بالاحتياج المعنويّ و أنْ لا دَخْلَ لقواعد اللغةِ في إقامته وبنائه وتنسيقِه؛ وعلى كلِّ مَن يَتصَوَّرُ عبارَاتِ اللغةِ ألفاظاً ومراتبَ فيها تقديم وتأخير وكَفى وأنّ المتكلّمَ كلّما أراد أن يُقدّمَ قدّمَ وكلّما أراد أن يؤخّرَ أخّرَ، بحسبِ ما يعنّ له من غير دَخلٍ لقواعد اللغة، ولكنّه ينسى أو يتناسى أن الإسنادَ بنية عَميقةٌ تشدّ أركان العبارات. ولولا الإسْنادُ والتركيبُ لانهار بنيان العبارَة ولَمَا ساغَ تقديمٌ ولا تأخيرٌ ولا حذفٌ ولا ذكْرٌ: فالنظمُ والتّركيبُ والإسنادُ أولاً، ثمّ يأتي التفاضُل بين العبارات بالتقديم والتأخير والذكرِ والحذف… والحَقيقَةُ أنّ الرّجمَ بعَصا “الاحتياج المَعنويّ” ليسَ طريقةً سديدةً في الاستدلالِ العلميّ والحِجاجِ العقليّ ؛ فكلّما اعترَضَ معترضٌ كررَ المُجادلُ الكلمةَ نفسَها، وهذا ما يُدْعى بالدَّوْر المُغْلَق أي الكَلام الذي يَدورُ حولَ نفسِه دَوراً مُغلَقاً . هذا، وإذا سلّمْنا بأنّ اللغةَ أداةٌ للتواصُل والتعبيرِ عن الأفكارِ والأحاسيسِ والحاجاتِ اليوميّة، فإنّ اللّجوءَ إليْها ليسَ خبْطَ عَشْواءَ وليسَ اعتسافاً للطّريقِ وإنّما هو إعمالُ فكرٍ في طريقةِ التعبيرِ؛ لأنّ للتعبيرِ طرُقاً ومَسالكَ لولاها لَما عَبَرَ المتكلّمُ تلكَ المَسالكَ، ولَما عبَّرَ عَمّا في نفْسِه، وهذا أوضَحُ من أن يُستدلَّ عليْه. وبه يُرَدّ على حكايَةِ “الحاجةِ المعنويّة” المُهلهلةِ التي لا يحكمُها ضابطٌ ويبدو بعدَ ذلكَ أن القولَ بخلوّ اللغة من القَواعد ضربٌ من العَبَث لأنه نفيٌ للعلم أصلاً : علم اللغة وعلم النحو في القَديم والحَديثِ، ومَن يُريدُ إثباتَ ظاهرةٍ جزئيةٍ هي جزءٌ من كلّ، إنّما يُحاولُ عبثاً ويَتعامى عن التراكم المعرفيّ الذي أثبَتَه العُلَماءُ قديماً وحَديثاً في الشرق والغربِ، وضربٌ من الهَذيان المعرفيّ. حتّى المَدارس التّداوليّة في اللسانيّات العربيّة والغربيّة على السّواءِ، تُقيّدُ الوَظائفَ التّداوليّةَ بقيود تركيبيّة ، فإذا اختلّت القواعد التّركيبيّة تعذّر بيانُ المَعاني والمَقاصدِ والمَقاماتِ، والأمرُ نفسُه يُقالُ عن اللسانيّات التّوليديّة في اتّجاهها الدّلاليّ الذي يَذهبُ إلى مركزيّةِ الدّلالة واشتقاقِ التّركيبِ، لا يُتصوَّرُ قيامُ مَعانٍ دلاليّةٍ خارجَ الإطارِ اللّغويّ المَضبوطِ بضَوابطَ تركيبيّة، فكيفَ يَدّعي المُجادلُ وحدَه دونَ غيرِه خلوَّ اللغة والاستعمالِ اللغويّ من القَواعدِ، فهَب أنّنا أسْقطنا الجانبَ التنظيميّ التّركيبيّ الذي يشدّ البنيانَ اللّغويّ من حيثُ الألفاظ و تراكيبها وروابطها، فماذا سَيبْقى؟ بل مَعْنى ذلك أنّه سينهارُ كلّ شيء، وسنلجأ إلى نظامٍ تواصليّ آخَر هو الإشارات أو غيرها؛ أَلاَ تَرى أنّ الإنسانَ الذي تحكمُه المَقاماتُ والظّروفُ ومَثاراتُ المَعاني، لا يستطيعُ أن يُفْصحَ عن مَعانيه وصوره الذّهنيّةِ ودلالاته المُعْرِبَة عن حاجاتِه إلاّ بلُغةٍ ذاتِ قَواعدَ وضَوابطَ وقُيودٍ، فإذا أخلَّ بتلكَ القَواعد والضّوابِطِ والقُيودِ اختلَّ الكَلامُ واضطرَبَ، والْتَبَسَ المَعْنى على السامعِ وضاعَ المُرادُ المَقْصودُ من الكَلام. فالإنسانُ لا يقولُ وهو يُفكّرُ، ولا يُفكّرُ وهو يَقولُ إلاّ إذا ثَقِفَ لُغَتَه وعَرَفَ شُروطَ تَركيبِها وأساليبَ السَّلامَةِ من اللّحنِ والتَّلْبيسِ و الإحالَة. |
| الساعة الآن 12:17 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by