![]() |
#شيء من اللغة: أراني .. و.. أرى نفسي
#شيء من اللغة: أراني .. و.. أرى نفسي د. هادي حسن حمّودي سؤال من الأستاذة زينب المشرفة على صفحة (noor Qaboos) يقول: (مساء الخير دكتور هادي. كيف الحال؟ أردت طرح هذا التساؤل عليك: هل يمكن قول: (لا أفهمني) اختصارا لعبارة لا أفهم نفسي؟ وما شابهها من أمثلة) مقدمة جواب: أعادني هذا السؤال إلى هنيهة التلمذة في كلية الآداب، جامعة بغداد. فقد قال لنا أستاذ اللغويات: لا يجوز أن يكون الفاعل مفعولا في الآن ذاته. وأن الآية التي تقول: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) (سورة يوسف 36) لغة قرآنية لا يصح تقليدها في استعمالاتنا العامة، وأنّ الصواب يكون بضم الهمزة وبالياء بعد الألف في كلمة (أراني) أُرَيْني، ليكون بمعنى (أُرِيْتُ) المبني للمجهول، حسب تصوره. لم أجرؤ على مناقشته، فهو في الأحوال الاعتيادية، لطيف أنيس، ولكنه غضوب أشد ما يكون الغضب أن نوقش أو رُدّ له قول أو رأي. وسبقت لي تجارب معه غير محمودة العواقب. وقد شاركه في هذه المكرمة أستاذ النقد الأدبي، حتى ظننت أني سأقرأ سورة الفاتحة على عبور السنة الثالثة إلى الرابعة، إن (تجّرأت) فواصلت محاورتهما أو ناقشتهما. لذا عُدتُ حينها إلى مصادر التفسير والنحو وإعراب القرآن لمعرفة هل يجوز توحد الفاعل والمفعول في الاستعمال اللغوي وأن ننهج نهج الآية الكريمة أم لا يجوز؟ فإليكم ما وصلت إليه. جوابي: الذين اعتمدوا القاعدة الفلسفية: لمّا كان الخالق (وهو الفاعل) لا يمكن أن يكون مخلوقا وهو (المفعول)، انطلاقا من حقيقة أن الله خالق وهو غير مخلوق، رفضوا جملا من مثل: أراني غير قادر على عمل ذلك، إن طلب منك أبوك أن تبني جدارا، مثلا. ولكن هذا رفض غير صحيح. فأنت حين قلته كأنك قلت: أرى أني غير قادر على عمل ذلك. ومثله أن تقول: لا أظنني قادرا على السفر، فقد ظهرت أمامي موانعه. حسنا إذا اعتمدنا تلك القاعدة المنطقية بشأن الخالق والمخلوق ونتائجها النحوية، فسيكون قول ذلك الأستاذ سليما. لأنه رأى أن الآية وحدت الفاعل والمفعول في الفعل (أراني) حيث الفاعل (أنا) والمفعول (الياء) الدالة على (أنا) أيضا؟ ولكنّي أراه قولا مُخادعا، لأن سياق الآية لا يدل على وحدة الفاعل والمفعول. فهي رؤيا، أي: كان القائل نائما: و(هو) قد رأى نفسه يعصر الخمر، والآخر رأى نفسه والخبز فوق رأسه تأكل الطيرُ منه. ففي كلّ من الفعلين شخصان أحدهما في الواقع والآخر في الحلُم، وإن كانا في حقيقة الحال شخصا واحدا. ويحدث كثيرا أن يرى المرء شخصه في أحلامه. سؤال الأستاذة زينب، من سلطنة عُمان، يقترب من هذه الحالة، فهو تعبير مجازي، كأن المتكلم يفصل ذاته ليراقب سلوكا سلكته أو قولا قالته. وأي واحد منا قد يتصرف تصرفا معينا، أو قد يقول قولا لم يقصده، باندفاع أو نتيجة ضغط لم يكن يتحسّبه فلم يتحسّب له، فكان سلوكا أو قولا بلا تروّ ولا تفكير بل باندفاع عاطفي، ثم حين يهدأ يتعجب من نفسه كيف قام بذلك الفعل، فله أن يقول: لا أفهم قيامي بذلك، لم أعد أفهم نفسي، لم أعد أفهمني، ثم يصل إلى قرار: أنا لا أفهمني. ويروى عن الحطيئة أنه رأى وجهه في ماء بئر فقال يهجو نفسه: أرى لي وجها شَوّهَ الله خلقه فقُبِّح من وجهٍ وقُبِّح حامله فهو حامل ذلك الوجه، ولكنه يخاطبه وكأنه وجه شخص آخر، فهما اثنان في واحد، وواحد في اثنين. وثمة شواهد وأمثلة أخرى. فأنْ يكون الفاعل والمفعول واحدا استعمال صحيح مبنيّ على المجاز واختصار الكلام إذا أدّى المعنى بوضوح. وهو وإن لم يكن على غرار الآية الكريمة، فإنّ له ملاذا في ظلالها. ولا نرى وجها لرفضه. والله أعلم. المصدر |
| الساعة الآن 09:05 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by