منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   مقالات أعضاء المجمع (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=34)
-   -   سلسلة دروس "العربية لغة العلم والتواصل" حلقة "1" (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=60206)

د.عبد الله الأنصاري 04-13-2022 11:05 AM

سلسلة مقالات"العربية لغة العلم والتواصل" حلقة "1"
 
طبيعة اللغة وأهميتها
مِن أعظم نِعم الله على الإنسان أنْ علَّمه، وفضَّله بالعلمِ، وكان أوَّل ما علمه اللغة، قال الله تعالى:
{وعلَّمَ آدمَ الأسماءَ كلَّها ثمَّ عرضَهُم على الملائكةِ فقال أنْبِئوني بأسماءِ هؤلاءِ إنْ كُنْتم صادقِينَ} ومِن الْمسلَّم به أنّ علم أسماء الأشياء أهم علوم اللغة؛ لأنه الأساس الأول الذي تنطلق منه العلوم اللغوية كلها، وقد أخبرنا الله تعالى أنّه علم جنس البشر اللغة البيانية التخاطبية تعليمًا مقرونًا بالنشأة الأولى، فقال تعالى: {الرحمنُ عَلَّمَ القُرْآنَ خَلَقَ الإنسانَ عَلَّمَهُ البَيانَ}، أي عَلَّم جنس الإنسان الإبانةَ عن المعاني التي يريدها، والتعبيرَ عما في نفسه ليفيدَه غيرَه ويستفيد هو( انظر التحرير والتنوير لابن عاشور27/233)، فاللغةَ هي البيانُ الذي علمه الله للإنسان إذْ خلقه، وبهذا البيان تميز جنس الإنسان عن سائر الحيوان، وذلك أن البيان هو المنطق الذي هو الصلة بين الإنسان وبني جنسه، وبه يُعبِّر عن عقله وتصرفاته وحكمته، فعلمه الله ما ينطق به ويُفهم غيره ما عنده، وفيه إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره( انظر تفسير الرازي 29/ 76).
واللغةُ هِيَ شَريانُ حياةِ أهلها؛ بما تمدهم به من علوم ومعارف، وباستعمالهم لها في تواصلهم وأنشطتهم في كل مجالات الحياة، وبها يُدونون تاريخهم ومآثرهم، وبها يتصل آخرُهم بأولهم، وباللغة تنطلق الألسن من خرسها وعِيِّها وحَصَرِها، والعقولُ من ركودها، والفِكْرُ من جمودِه، فهي أهم مقومات بناء الأمم وتنميتها، وارتقائها وتطورها، وبناءِ العلاقات بين شعوبها، وهي وعاء العلم والمعرفة.
ومن شأن اللغات التطورُ من حال إلى حال، بتأثير ما يحيط بها من صُروفِ الحياة وشؤونِ أهلها، وما يطرأ على مجتمعاتها من عوامل خارجية، أو بيئيةٍ، أو اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وجغرافية، ونحو ذلك، كما تتطور بتأثير ما يكون لها من خصائص ومقومات داخلية في اللغة نفسها، تتعلق بدلالات ألفاظها، أو بأبنيتها، أو بتراكيبها، أو بمجازاتها وآفاق استعمالها، أو أنظمتها التداولية والخطابية.
ولَقَدْ تطورت اللغة العربية تطورًا هائلاً بعد نزول القرآن الكريم، حتى استنارتْ بها الدنيا كلُّها، بما صاحبها من نور الوحي الذي نزل بها، وبما تأيدتْ به من سلطانِ المسلمين وغَلَبتِهم على سائر الأمم، فتفتقت العلوم والمعارف عند أهلها، فأبدعوا فيها وبرعوا في كل فنٍّ، واقتبس منها العالَم فجعلوا يطورون الدراسات في لغاتهم، حتى إذا ضعُف المسلمون وانحسر سلطانُهم، بدأ الضعف يدبّ في جسم اللغة العربية شيئًا فشيئًا، وجعلتْ معاول الهدم تتناولها وتضرب بُنيانها، وتثير عليها القتار، وتتجاذبها وتُهيل عليها التراب من كل صوبٍ، رغبة في طمس معالمها وزعزعتها عن مكانتها، غير أنهم ألفوها قارَّةً رزينةً غير مستكينة، فما فَلَّ حدُّها، ولا انثلم حوضُها؛ لأنها في حِمى القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والتراث الإسلامي الزاخر الفاخر، والموروث العربي من الآداب الوافرة الزاهرة النادرة.
ولكن أعداء الإسلام ما فَتِئُوا يحاولون عزل العربية عن المجالات الحيوية المؤثرة في الحضارة الإنسانية، ولا سيما المجال العلمي التطبيقي، فحينما تغلَّبوا على العالَم الإسلامي فرَضُوا لغاتِهم الأعجميةَ في التعليم وشؤون الحياة العامة، واضطهدوا اللغة العربية لأجل أن يتمكنوا من السيطرة على الإنتاج الفكري، فإن اللغة أكبر مؤثر في الفكر الإنساني.

عبد الله بن محمد بن مهدي الأنصاري


الساعة الآن 02:34 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by