![]() |
المقال الثالث : هكذا يبدو لي كواكب صالح مهدي /العراق
تعددت تعريفات الخطاب وحيثياته بين القدماء والمحدثين وتعدد المدارس والدارسين من انه ((مراجعة الكلام))(١ ) أو هو ((سبب الأمر)(٢ ) كما عرفه الفراهيدي ، وهو ((الكلام بين أثنين ...والخطب الأمر يقع ، وإنما سمي بذلك لما يقع فيها من التخاطب والمراجعة))(٣ )،على رأي ابن فارس، وارتبط مفهوم الخطاب عند المحدثين على مبدأ التفاعل بين طرفي الخطاب ، المنشئ والمتلقي ويتضمن الإقناع والحجاج ، لغرض الإفهام والتواصل والتوجيه نحو القصد بين طرفي الخطاب(٤ )،واتسع المفهوم باتساع المعارف والعلوم ، فقد جعل جاكبسون ست وظائف للخطاب بعضها يعنى بها المنشئ كالوظيفة الإنفعالية والتعبيرية، وبعضها خصت بالمتلقي كالوظيفة الإفهامية،وهناك وظائف أخرى تفرزها سياقات الخطاب كالوظيفة الاجتماعية والمرجعية، والوظيفة التداولية ( التواصل والإنتباه )، ووظيفة تخص الرسالة ولغتها كالوظيفة الإنشائية والوظيفة المعجمية( ٥)، ولو تفحصنا النص القرآني واستعمالات هذه المفردة على مختلف اوزانها من (خطب ،خطاب ، خاطب ،خطبة )، نجد ان الاستعمال القرآني لهذه المفردة مخصص، ينبي عن قول فيه نوع من التوسل ، أو طلب الفرصة من أجل التبرير لإمر ما ، فقول العزيز الجبار للنبي نوح عليه وعلى نبينا أفضل التحية والسلام : (( وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ )) (٦ ) يدل على أن النبي أراد معرفة سبب صنع الفلك وحاول استعطاف الحق تبارك وتعالى من أجل نجاة قومه، والتبرير لهم، وكذلك في قوله تبارك وتعالى:(( رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلرَّحْمَٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا))( ٧) لدليل واضح على ان الملائكة والروح قائمون لا يؤذن لهم بالتبرير والشفاعة ذلك لأنهم في يوم الفصل يوم لا ينفع خلة ولا شفاعة والآمر يومئذ لله ، وفرصة الأنسان كانت في الحياة فحسب ، ويبدو لي الأمر سيان في مسألة فصل الخطاب ،وهو البت في خصومة تقع بين فريقين ، الكل يحاول الاستعطاف والتبرير كما في قوله تعالى :(( إِنَّ هَٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَٰحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ))(٨ ) فقد نجح الأخ في تبريراته وأخذ ما ليس له بحق ولم يجد الآخر بدا من اللجوء الى القضاء إلى سيدنا داود عليه السلام الذي كرم بفصل الخطاب ؛ وهو معرفة الحقيقة وفهمها من كلام المتخاطبين والقضاء بالحق، وهذه ملكة ربانية جعلها في انبياءه ورسله كما هو واضح من الآية المباركة :(( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ))( ٩) ،وكذلك الأمر في خطبة النساء ففي الآية : ((وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ))( ١٠) لدليل واضح على كشف الأمر بصعوبة وبتوسل ، ولم تستعمل هذه المفردة في غير هذا الموضع في قضية النكاح، أما قوله تعالى: ((وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمًا))( ١١) ، فيها إيحاء عن الإزعاج والمداهنة للمؤمنين وليس كلاما عابرا لذا أمروا بالسلام وعدم المداهنة لما ستخلقه من ردود أفعال ، وأما بالنسبة لقضية النساء اللواتي راودن النبي يوسف عليه السلام فقضيتهن صعبة ولا ينفع معها التبرير لذا استعملت هذه المفردة كما في قوله تعالى على لسان الملك : ((قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ))( ١٢)، وكذلك ما رآه النبي موسى عليه السلام من ابتعاد بنتي الرجل الصالح عن الناس وعدم سقي الأغنام يحتاج الى افهام وتبرير لذا استعملت المفردة نفسها في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام : (( قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ))(١٣ ) ، فقد بررتا وجودهما في المكان ،وتحاشيهما الرعاء، وبهذا نخلص إلى أن الخطاب ليس أي كلام أو قول وإلا لم لم يستعمل في مواضع أخرى كما في قوله تعالى مثلا للنبي موسى وهارون عند أرسالهما إلى فرعون : ((فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا))( ١٤)، وقول الله عز وجل لنبيه الأكرم في قضية التبليغ في الرسالة وعند الأجابة عن التساؤلات بـ (قل) ، وفي الكلام رفق وعناية كما هو واضح من الآية المباركة :(( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا))(١٥ )،وتحول هذه المفردة من الاستعمال اللغوي الخاص الى المصطلح لا يختلف عن جل المفردات العربية ؛بسبب التطور اللغوي والحاجة الى مصطلحات جديدة ، لذا أصبحت الخطبة ذات طابع خاص لها شرائطها ، وعدت مهنة يطلق على صاحبها (الخطيب) الذي ينماز عن غيره بميزات خاصة كاللغة ، واللباقة، والحجة ، والُزم ببعض الأمور، كالمظهر من لباس وشكل ، وأصبح لكل قوم خطيب ـ ونخصص الخطباء في خطبهم ، فخطيب الجمعة له شرائطه الخاصة ، والخطيب الحسيني له ميزات أخرى وهكذا .ٍ
------------------------------- (١)كتاب العين : الخليل بن أحمد الفراهيدي ت(170هـ) :4/222. ( ٢) المصدر والصفحة أنفسهما . (٣ ) معجم مقاييس اللغة :إبن فارس ت(395هـ):2/198. (٤ ) ينظر :المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم ، د.خليفة الميساوي :179، وتأسيس اللسان في خطاب الراوي- الراني- النبوة ، د. بيان البكري :9. ( ٥) ينظر:الاسلوبية والأسلوب :عبد السلام المسدي:154-156. ( ٦) سورة هود :37. ( ٧) سورة النبأ : 37. ( ٨) سورة ص:23. (٩ ) سورة ص ،20. (١٠ ) سورة البقرة :235. (١١ ) سورة الفرقان :36. ( ١٢) سورة يوسف :51. ( ١٣) سورة القصص:23. (١٤ ) سورة طه:44. (١٥ ) سورة النساء :164. |
| الساعة الآن 02:31 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by