منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   #شيء من اللغة: معنى الأسف (1) (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=59285)

مصطفى شعبان 11-22-2021 02:38 PM

#شيء من اللغة: معنى الأسف (1)
 
#شيء من اللغة: معنى الأسف (1)
د. هادي حسن حمّودي




الأستاذ عزيز محمد من الجزائر من المدققين في الاستعمالات اللغوية، كتب: (وددت لو تبسط لنا القول في مدى صحة هذه الاستعمالات: للأسف، مع الأسف، مع الأسف الشديد، مع شديد الأسف، مع كل الأسف). وأضاف سؤالين نعرض لهما في حلقات أخرى.
الجواب:
أعجبني قوله: (وددت لو) فأقول: لمعرفة ميادين تلك الاستعمالات أرى أن نفهم أولا معنى الأسف وانتقالات حقوله الدلالية. ولما كانت كلمة الأسف قد وردت في التنزيل العزيز فيجب أن نتأنّى في فهمها بناء على حقيقة أن الكلمة القرآنية دقيقة في التعبير عن المعنى المراد. فالغضب تعني الغضب والسخط تعني السخط والأسف تعني الأسف. فلا يحق لأحد أن يُلبس كلمة معنى كلمة أخرى، فلو أراد القرآن تلك الكلمة الأخرى لقالها بدلا من هذه التي ذكرها. أما لفظة (الأسف) فقد وردت عدة مرات في التنزيل العزيز:
* (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ)(سورة الزخرف 55). فسّروها بأغضبونا، أسخطونا.
المشكلة في هذا التفسير أنه يخلط بين مراحل الحادثة، ففي الآية الكريمة: (آسَفُونَا) و (انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ) لا وجود لكلمة أغضبونا. فتكون (آسَفُونَا) سبب (انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ) فإذا اعتبرنا هذا القسم الأخير تجسيدا لغضب الله عليهم، فإن آسفونا هي سبب ذلك الغضب. وليست هي الغضب بحد ذاته. فغضب الله عليهم، أي: (انتقمنا منهم...) نتيجة وليس سببا. أما (آسفونا) فهو السبب وليس النتيجة. ولا يصح تقدير: فلما أغضبونا أغضبونا.
ولأقرب المسألة بمثال: تقول لأبيك: لقد آسفتك يا أبي، فسامحني. تعني أنك قصّرت في حقه. فآسفتك: انتقصتُ منك، لأني لم أُطعك، ما كنتُ بارّا بك. وربما لم يكن أبوك غاضبا منك. فمعنى قوله تعالى: (فَلَمَّا آسَفُونَا) لمّا انتقصوا منا بعصيان أوامرنا كان الانتقام هو النتيجة.
* آية (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)(سورة يوسف 84) فسروها: يا جزعاه. وقالوا: هو أشدّ الحزن. هنا أيضا: الأسف هو السبب، والنتيجة: ابيضت عيناه من الحزن، وحالته: فهو كظيم. لا أدري كيف يمكن تركيب: يا حزناه أو ياجزعاه على يوسف وابيضت عيناه من الحزن. هنا عبّر يعقوب عن حالته النفسية إذ سمح لإخوة يوسف أن يأخذوه معهم. فهو آسف من هذا، كأنه نقيصةٌ، شيء ما كان يصحّ أن يحدث. ونتيجة ذلك حزن، وأدّاه الحزن إلى أن ابيضت عيناه. وأما كظيم فتأكيدٌ لحالته تلك. إذ جمعت السبب (الأسف) والنتيجة: الحزن الذي اشتدّ حتى ابيضّت عيناه منه.
* ونصل إلى الآية (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (سورة الكهف 6). قالوا: إن المعنى أنك تهلك نفسك حزنا وتلهفا ووجدا وجزعا. ولكننا نرى أن ما لاحظناه سابقا يتكرر هنا. فالنبي الكريم يريد إبلاغهم رسالته التي هي في صالحهم، فلماذا لم يستجيبوا له؟ هل كان عدم إيمانهم ناتجا عن تقصير منه في أداء الرسالة؟ هل كان عليه أن يلجأ إلى أسلوب آخر؟ هذه المشاعر وأمثالها هي التي شخّصتها كلمة (أَسَفًا) في الآية. فيخبره الله أنه لا تقصير منه، (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)(سورة فاطر).( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(سورة القصص 56). (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ)(سورة الأنعام 107). هذه الآيات وغيرها تطمئن النبي أنْ لم يظهر منه نقص أو تقصير أو خطأ في أداء رسالة ربه.
هذا هو المعنى الأصل والأفصح. ثم تغيرت الدلالة بمرور الزمن.. وهذا ما سنتابعه في القسم الثاني، بإذن الله.

المصدر


الساعة الآن 12:17 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by