![]() |
مهارة الكتابة العربية=6
الفصل الخامس: الصَّرْفُ
[24] تنبني من أصوات اللغة العربية كلماتُها، على وفق جدول منسق العيون، بحيث يكمل بعضُها بعضًا ويضبطه؛ فيختص لكل بِنْيَةٍ من بِناها معنًى تُشارك به غيرها في أداء رسالة مستعمل اللغة. فإن غَمَضَتْ بِنْيَةٌ غَمَضَ مَعناها فَتَعَثَّرَ أداء الرسالة. وإنما تغمض بنية الكلمة العربية بأحد أمرين: الأَوَّلُ = التَّغْييرُ: أَنْ تُغَيَّرَ عما هي عليه في جدول البِنى. الآخَرُ = التَّوْليدُ: أَنْ توضَعَ بعد أنْ لم تكن في جدول البِنى. وهما في الغموض على الناس سواء، إلا أن يَهْدِيَهُمْ من السِّياق دليلٌ، أو تَتَأَصَّلَ البِنْيَةُ الغامضة. [25] ولقد أدَّتْ تنبيهاتُ الصرف بورق البحث، إلى ما يبينه الجدول التالي: الصواب نماذج الخطأ المقدار النوع المُرَوِّع، يَقْسو، هَوِيَها، خَلَعَ، سَكَبَ. المُريع، يَقسى، هَواها، أَخلع، أسكب. 4/26 {3، 14، 16، 19} = 15.38% التغيير تَسْويغ، يُشْعِر، عَدَم الوَعْي، عَدَمٌ. تَبْرير، يُحَسِّس، اللّاوَعْي، لا شيءٌ. 10/26 {2، 5، 6، 7، 8، 12، 17، 22، 25، 26} = 38.46% التوليد [26] ولما كانت الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية، لزم العربي أن يعالج مادته التليدة لتكافئ معانيه الجديدة؛ فاصطنع " التَّوْليدَ " 57، حتى صار " المُوَلَّدُ " مصطلحا على ما كان من ذلك بعد عصر الاستشهاد 58. وعلى رغم تَوَقُّفِ أَثْباتِ اللغويين دَوْمًا فيما يقبلون من المولد، لم يملكوا للبنى الجديدة الناشئة عن مَسيس الحاجة الجارية على سَنَنِ العربية، إلا القَبولَ والاستعمال والتعليم. ولكنهم لم يجتمعوا قط على قبول مولدٍ لم تمسَّ إليه الحاجة، أو لم يجر على سنن العربية، بل هم فيه بين أن يجتمعوا على رفضه، وأن يفترقوا رفضا وقبولا. وحَسْبُ ما تقدم أنه تفسير صالح لزيادة فَرَطاتِ التَّغْيير. أما " تَبْريرٌ " ومشتقاته التي وردت في ثماني ورقات من تلك العشرة، فمن الثلاثي المزيد بحرف، المولد من الثلاثي المجرد " البَرّ " أي القبول، لم يحتج العربي إليه من قبلُ، استغناءً بالمجرد الذي استعمله لازما " بَرَّ حَجُّكَ"، وبالمزيد بهمزة التعدية " أَبَرَّ اللهُ حَجَّكَ"، ولا سيما أن أصل هذا الباب يدور حول التَّحْسين 59، والمراد هنا التَّسْويغ. ولقد صَحَّحَتِ " التَّبْريرَ " ومُشتقاتِه، لجنةُ الأصول، واعتمد المجمع رأيها بنص قراره: " في المعجم: بَرَّ حَجُّهُ: قُبِلَ، وتضعيفه بَرَّرَهُ: جَعَلَهُ مَقْبولًا، ومن ثم ترى اللجنة إجازة ما شاع من استعمال (التَّبْرير) في معنى (التَّسْويغ)، استنادا إلى قرار المجمع في قياسية تضعيف الفعل للتكثير والمبالغة " 60، وفيما استندت إليه اللجنة نظر من جهة أن ليس في هذا التضعيف من التكثير والمبالغة شيء، بل من التعدية ولها كان، ولكن لما لم يَقِسِ المجمع للتعدية غيرَ زيادة الهمزة 61 وهي واردة في هذه المادة كما سبق، ادعت اللجنة ذلك؛ فربما بقيت في النفوس عليها لذلك، حَسيكَةٌ 62! وليست " يُحَسِّسُ " ببعيدة من ذلك؛ فلدينا " الحَسُّ " و" الإِحْساسُ " أي الشعور 63، أفعالهما تلزم وتتعدى، ولكنها لا تدل على الإشعار وأفعاله؛ فوَلَّدَ العربي بلهجته من تلك المادة على " التَّفْعيل " وما إليه، وهو ما تسرب من باب الخلط الآنف ذكره في الفقرة الثانية والعشرين، إلى لغة الطلاب، وإن أوحى بجوازه بعضُ الباحثين 64. أما " اللاوعي، لا شيء"، فمركب مزجي من " لا " التي بمعنى " غير"، وما تدخل عليه، مأخوذ من مثل " بلاوعي"، و" بلاشيء"، لا من الصفة المنفية " بلا " غير المعطوف عليها، التي عثر لها الدكتور شوقي ضيف على من جَوَّزَها، نحو " قَهَرْتَ العِدا لا مُسْتَعينًا بِعُصْبَةٍ " 65، ثم قال في موضع تال: "يمكن أن نسوغ مثل اللا معقول واللا شعور، بأن الكلمة مع لا النافية عوملت معاملة اسم واحد فدخلت عليها أداة التعريف، وأصبحت مع ما بعدها كلمة واحدة يوصف بها في مثل: هذا العملُ اللا أخلاقيُّ سيءُ النتائج، وتقع مبتدأ في مثل اللا معقولُ خارقٌ للمعتاد المألوف " 66، ثم حصر ذلك التسويغ فيما يقتضيه اصطلاح العلم والفلسفة 67. إن مثل هذا التركيب الذي تبقى فيه الكلمة الأولى على حالها الأولى، غير صالح؛ إذ ينبغي أن تذوب في الكلمة الأخرى، ثم إن " لا " بمعنى " غير " تكاد تنحصر في هذا الموضع: جرها بالباء ودخولها على نكرة. وَلَئِنْ وَرَدَتْ كلماتٌ جَرَتْ على مثل ذلك، لقد كانت من باب الاصطلاح العلمي الذي تُراعى فيه ضرورة العلم 68. ثم إن العربي لم يقف في لهجته عند ذلك، بل وَلَّدَ من " لا شيء " كلمات أخرى، مثل: تَلاشى يَتَلاشى مُتَلاشٍ، أي فَنِيَ يَفْنى فانٍ، أو عَدِمَ يَعْدَمُ عَديمٌ، حتى لقد تسربت إلى لغته من قديم 69. إن مشكلة غموض التوليد من ضعف مَذْخور اللغة؛ إذ لو كان مستعمل اللغة الآن غني المذخور، ما لجأ إلى توليد ما لا حاجة به إليه أو ما لا يجري على سنن العربية، ولانْفَتَحَتْ له أبواب الفهم والإفهام 70، فأما إهمال المولد الغامض حتى يتأصل، فمنهج من الفُسوق اللُّغويِّ مُفْضٍ إلى الهلاك! أما غموض التغيير الذي بينه الجدول، فكان من جهتين سبق ذكرهما في الفقرة الثانية والعشرين: الأولى = الخَلْطُ: وفيها تغير بنية الكلمة من اللغة، إلى ما هي عليه في اللهجة، ومنها الكلمتان " يَقْسى، هَواها"، وقد جعل أستاذنا الدكتور أحمد مختار عمر عضو مجمع اللغة العربية، خطأ الثانية، من التباس الفرق بين " هَوى"، و" هَوِيَ " 71. الثانيةُ = التَّوَهُّمُ: وفيها تغير بنية الكلمة من اللغة المظنونة خطأ، إلى وجه الصواب، والعكس الصحيح 72، ومنها الكلمات " المُريع، أَخْلَعَ، أَسْكَبَ"، وأصل المشكلة قديم، من جهة التباس باب " فَعَِلَ " وباب " أَفْعَلَ"، حتى لقد ألفت فيما بينهما كتب وفصول من كتب 73؛ فربما قيل " فَعَِل " والصواب " أَفْعَلَ"، أو قيل " أَفْعَلَ"، والصواب " فَعَِل"، لكثرة استعمال " أَفْعَلَ " فيما ينبغي أن يؤدى " بفَعَِلَ " كما في " أَقْدَمَ وقَدَِمَ " مثلا. قال ابن الحاجب: "(أَفْعَلَ) للتعدية غالبا... وبمعنى (فَعَلَ)"؛ فقال الرضي في شرحه: "وقد ذكرنا أنه لا بد للزيادة من معنى، وإن لم يكن إلا التأكيد " 74. لقد ظن الطالب هنا أن المجرد " راعَ يَروعُ رائِعٌ، خَلَعَ يَخْلَعُ خالِعٌ، سَكَبَ يَسْكُبُ ساكبٌ " من اللهجة، وأن المزيد بالهمزة " أَراعَ يُريعُ مُريعٌ، وأَخْلَعَ يُخْلِعُ مُخْلِعٌ، وأَسْكَبَ يُسْكِبُ مُسْكِبٌ"، هو اللغة، ولا سيما أنه يستعمل كلمة " رائِع " في البديع، وهو يريد المخيف، و" المُريع " من وزن " المُخيف"؛ فاستعملها على رغم أنه لا يستعمل أخوات بابها. ولقد جالد الأستاذ محمد شوقي أمين عضو مجمع اللغة العربية ، عن زيادة همزة الإفعال في الأفعال الثلاثية المتعدية، باعتماد رأي بعض العلماء القدماء، ثم بتقديم سبعين فعلا أربعة أخماسها من المتعدي بنفسه، مثل: "رَجَعَ الشيءَ وأَرْجَعَهُ"، وخُمْسُها من المتعدي بالحرف، مثل " ذَعَنَ له وأَذْعَنَ له"، ثم ببيان حاجة الاستعمال العصري أو ضرورة المصطلح العلمي، إلى صيغ واضحة سهلة مألوفة ، يتيحها الثلاثي المزيد بهذه الهمزة، أكثر مما يتيحها الثلاثي المجرد، كما في كلمة " الإيقاف " بدل " الوَقْف"، و" مُرْبِك " بدل " رابِك"، على رغم أن المتكلمين يقولون: "رَبـَكَهُ العَمَلُ " 75. لَكَأَنَّ الأستاذ الجليل قرأ لطلابي ما قرأت! ولكنني لا أرى لهم ما رأى، وإن جاز أن أقبله من موظفي المؤسسات العامة كما سبق أن ذكرت؛ ففي اللغة ذخيرة لو بقينا نُعرض عنها لأفضينا إلى لغة أخرى، وما نحن وطلابُنا لِلنّاس، إلا كهذه اللغةِ لِلّهجات، على ما ذكرتُ من قبل - فضلا عما يكون بين المجرد والمزيد، من فرقٍ يُعَلِّقُنا به ما نَرعاه فيهم من بصيرة، كما فيما بين" شَرِكَ " و" أَشْرَكَ"، اللَّذَيْنِ سوّى بينهما الأستاذ الجليل؛ فلا ريب في أنه نظر إلى قول ابن منظور: "شَرِكه في الأَمر بالتحريك، يَشْرَكُه: إذا دخل معه فيه وأَشْرَكه معه فيه. وأَشْرَك فلانٌ فلاناً في البيع، إذا أَدخله مع نفسه فيه " 76 وهو كما لا يخفى، لا يسوي بينهما. ولأمرٍ ما اشْتَجَرَ بين أعضاء المجمع عندئذ الخلاف 77! |
| الساعة الآن 06:59 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by