![]() |
مَعركَةُ ابنِ مالك..!! (كاملة) د. عبد العزيز بن علي الحربي
مَعركَةُ ابنِ مالك..!! الفتوى 125 : عرضتُ لهذه المسألة المثيرة قبل حين في بعض دروسي على ألفية ابن مالك، وأول من يعرف أنه أشار إليها مجرّد إشارة: د. طه محسن العاني ثم نعيم سلمان البدري بدراسة واسعة اتهم فيها ابن مالك بوضع مئات من الشواهد، تلاها دراسة منشورة عام 1433 للدكتور جواد الدخيل، وجاء من بعدهم الباحث فيصل المنصور في بحث ماجستيريٍّ تكميلي، وانتهى إلى ما انتهى إليه البدري من حيث ثبوت التهمة (هذه المعلومات نقلتها من رسالة بعثها إلى منتدى مجمع اللغة الشبكي عضو المجمع، د: سليمان خاطر) والحكم في هذه المسألة يحتاج إلى نقل ونظر، فأما النقل: فإنه لا يعلم أنَّ أحدًا ممن جاء بعد ابن مالك ألمح إلى شيء من ذلك، وفيهم الدّراكة الفطن، كابن هشام، ومتتبع عثرات النحويين بالمناقيش والرّد عليها، كأبي حيّان، والمعنيّ بعلمه وتصانيفه، كابن عقيل، هؤلاء وغيرهم لم يذكر أحد منهم ما يشير إلى تدليس بن مالك، أو وضعه، فليس –إذًا- في النقل سوى العدم. وأما النظر وما يعضده من قرائن، فليس فيه ما يمنع، وذلك من وجوه: أولها: أنه من الممكن أن يضع العالم بالشرع والعربية أو أحدهما كلامًا منسوبًا إلى غيره، أو غير منسوبٍ تقوية لحجّته، أو يضعه في مسألة لا يقول بها؛ طلبا للتفرّد، أو يصنع ذلك متأولا، وكلّ بن آدم خطّاء. يوضحه (الوجه الثاني): وهو أنّ في تراثنا شواهد لا تحصى كثرة لعلماء، بل لأئمّة زهّاد، كانوا من الوضّاعين، ولعلّك تذهل حين تنظر فيما قاله أئمة الجرح والتّعديل في حفصٍ بن سليمان القارئ، الذي يقرأ عامة أهل الأرض في العصور المتأخرة بروايته، فقد رمي بأغلظ عبارات الجرح، واتفقوا على تركه، وقالوا عنه: كذّاب ووضّاع، وهو عدل في القراءة، كما قال الإمام الذهبي باتفاق، ولا أستطيع أن أصدّق أنّ العدالة تنشطر إلا في مثل هذه الصّورة، التي تثبت أن كتاب الله محفوظ، سواء رواه العدول أم غيرهم، وفي هذه المسألة تفصيل يأباه هذا الموضع، خلاصته أنّ موضوعات حفص –رحمه الله- أحاديث قليلة، معناها يوافق نصوصا صحيحة. (الثالث): إذا كان الوضع قد وقع من الكبار في الحديث، وهو إسناد كلام إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يقله، فلأَن يضع النحويّ -واحتمال الورع عنده أقل- أقرب إلى الإمكان وأولى، لاسيما أن النحويين لم يكن لديهم من الصَّيارفة النُّقاد أمثال يحيى بن معين ولا علي بن المديني، وفي شواهد النحو واللّغة أبيات عن مجاهيل لا يُدرى من قائلها. الوجه الرابع: أنه لا برهان على صحة ما نسب إلى بن مالك من الوضع أو التدليس، والبرهان لا يُماري فيه العقلاء، وإنما هي أدِلّة رجحانية اقتنع بها أصحابها ومن صدَّقهم، وليس في الباحثين –فيما أعلم- من انتهى في خاتمة بحثه إلى يقين أو رجحان يُقنعنا نحنُ بأنّ تلك الشواهد كلها أو جلّها ذكرها أحد قبل ابن مالك، بل جميعهم يقرّ بأنها من قلمه؛ وضعا، أو تدليسا، أو تمثيلا، وأما اقتناعه هو فهذا أمر يعود إليه، ففي الناس من يقتنع بأدنى سبب ولو كان حَدْسًا. الوجه الخامس: يَثْبتُ الحكم بالوضع أو التدليس على الرجل بحكم الثقات من أهل عصره، وبما يقوله الأئمة العارفون المعروفون بالعلم والرواية من بعده، وليس في ترجمة ابن مالك ولا غيرها إلّا الشهادة له بسعة الرواية، وقوة الدين، وصدق اللهجة، والتبحر في علوم اللّغة، والاطلاع على مالم يطلع عليه غيره من شواهدها، ويجعلونها موضع تحيّر وتعجّب، كما في ترجمته في الطبقات وغيرها، و قال صاحب نفح الطيب: "وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللّغة فكان أمرا عجيبا، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره" كأنهم يردّون ذلك إلى قوة تضلّعه وسعة علمه، ولم يجعلوا ذلك علامة على وضعه أو تدليسه، لما عرفوه من حاله وصدقه، وكلام أهل عصره ومصره، وهو نهج معروف لدى علماء الجرح، كما قال بن عديّ في "سلّام بن أبي مطيع": " لم أر أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وله أحاديث يرويها عن قتادة ليست بمحفوظه، وهو مع ذلك كلّه عندي لا بأس به". ولكن الشواهد المنسوبة إلى ابن مالك ليست عشرين ولا مئتين، بل هي مئات، تنبّه الوَسنان، وتزعج اليقظان، وتقضّ المضاجع، ولولا يقين القوم بعدالته لما بقيت ثاوية يقولونها بأفواههم ويكتبونها بأيديهم، وتدوي في الآفاق وهم رقود. الوجه السادس: إنّ ابنَ مالك –رحمه الله- كان من المتوسّعين في الاستشهاد، المتساهلين في الجرح والرّواية، وهو بمنزلة ابن حبان عند أهل الحديث حتى إنهم حذّروا من تساهله، وتوسع ابن مالك في الاستشهاد بالحديث مشهور، وكذلك بالشاهد الشعري ولو لم يعرف قائله. ومن ذلك انتصاره لرواية "توضأت قط" واستدلاله به على مجيء "قَطْ" في الإثبات. وكذلك احتجاجه بقول الشاعر –وهو مما اتُّهم بوضعه- : جوابًا به تنجو اعتمدْ فوربّنا *** لَعَن عملٍ أسلفتَ لا غيرُ تُسألُ - الوجه السابع: كما أنه –رحمه الله- له مصادر يجهلها أعلام النحاة من بعده، بما يدل على أنه اطلع على ما لم يطلع عليه غيره. فقد نقل كلامًا عن ابن أفلح في أنه يقال: أَكَان، بمعنى أصار. فقال أبو حيان معلقا عليه: ((لا أعلم في النحاة من يقال له: ابن أفلح))، ويقول أبو حيان في موضع آخر: (( وابن مالك حاشد لغة، وحافظ نوادر)) وقال في قول الشاعر: تعزَّ فَلا شيء على الأرض باقيا... " لا أعرفه إلا من جهته" قاله في البحر (2/282). وربما قال ابن مالك عن المسألة من المسائل: ((وهذا لا يصح لأنه غير مسموع)) الهمع (1/544). كما اختار أن يقال: (فسافلاً) قياسًا على (فصاعدًا) فعلق عليه أبو حيان بقوله: ولم أرها لغيره، فإن لم ينقل عن العرب فهي ممنوعة (الهمع: 2/335). بل إنه يصرّح أحيانا بأنه لم يظفر بشاهد على ما اختاره، ومن ذلك: إجازته أن يُردَّ اللام إلى ( أَخِيّ) عند الإضافة إلى الياء، فيقال: أَخِيّ، كأبِيّ، قياسًا عليه، وذكر شاهدا على (أَبِيّ) ثم قال: ولم أجد لذلك شاهدًا أي (لأَخِيّ) لكن أجيزه قياسًا. الوجه الثامن: إن النحاة من بعده حين يرتابون في بيت من الأبيات يسارعون بالطعن فيه، فهذا بدر الدين وهو ابن ابنِ مالك يقول في غير بيت: هذا من صنع النحويين، كقوله عن البيت المشهور: أيها السّائل عنهمْ وعَني *** لستُ من قيسٍ ولا قيسُ مِني أكثرت في العذل مُلحًّا دائما *** لا تكثرنْ إني عسيتُ صائما - الوجه التاسع: الشواهد التي اتُّهم بها ابن مالك أرى أنها تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: شواهد اتُّهم بوضعها ظلما، لبحث قاصر لدى المتّهِم، وثبت وجودها منسوبة أو غير منسوبة لغير ابن مالك.. ومما وجدته من ذلك، قول الشاعر: - كَرَبَ القلبُ من جواه يذوبُ *** حين قال الوشاة: هندٌ غضوبُ بِكا اللّقوة الشَّغْواء جلتُ فلم أكن *** لأُولعَ إلا بالكميِّ المقنَّعِ ومن ذلك قوله: - نَدِمَ الْبُغاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ *** والبغيُ مرتعُ مبتغيه وخيمُ ومن ذلك قول الآخر: خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلاتك ملغيًا *** مقالة لِهبيٍّ إذا الطّيرُ مَرَّتِ - القسم الثاني : أبيات عاضدة لشواهد نثرية أو شعرية، أو لكليهما، فهذه لا مضرَّة فيها ولا أثر ذا بالٍ فيها، وحينئذ إما تكون من شعره أو شعر غيره، وذكرها ابن مالك على سبيل التمثيل، واللّوم ههنا خفيف. ولذلك عندي أمثلة كثيرة يضيق بها هذا اللّحْدُ الضَّيق. - القسم الثالث: أن يكون في تلك الشواهد أبيات لمسائل قد قال بها من قبله، كمسألة (لا غيرُ) المذكورة في الشاهد السابق، فهذه قال بها طائفة من النحويين قبله، منهم المبرّد، والخطب في ذلك هيّن، ولم يأت بجديد، والمسألة ثابتة عن قياس أو سماع، وقد يكون ذلك البيت مما سمع ولم يُذكر أو يُعرف قائله. - القسم الرابع: أن يكون في تلك الأبيات ما احتج به ابن مالك نصرةً لقول قاله، لم يقل به أحد قبله، ولم يعرف صاحب الشاهد، ولم يستشهد بهمن قبله، أو بعبارة أخرى: أن تكون صحة المسألة مبنيةً على ثبوت الشاهد ، فهذا يردّ عليه، ولا أعرف له مثالا، بل الظاهر من صنيعه وكلام من بعده أنه لا وجود له، فكم من مسألة اعتاصت عليه، ولم يجد لها شاهدا إلا أن يسكت، ويصرّح بأنه لم يجد لها ما يشهد لها من كلام العرب، وربما خرق الإجماع بقول يقوله، ومذهب يذهب إليه، ويعترف بأنه لم يجد له شاهدا، والمطلع على كتبه يجد ذلك واضحا بيّنا. والحاصل: أنني لا أستطيع أن أجزم بشيء في هذه المسألة، وأعمل بالبراءة الأصلية، وبراءة ابن مالك حتى تثبت إدانته، وأتّهم بَصِري بالقِصَر، وبأنه لم ير الهلال بالبصَر، ولا أسلّم لمن زعم أنه رآه، وقطع بتدليسه أو وضعه، لأن حكمه مبنيٌ على ظنّ، ولا أتَّبع الظّن في مثل هذا، وقد يكون للمخالف ظنّ يصدّقُه هو لقرائن اجتمعت عنده قربت من اليقين فيعذر، لكنه لا يجوز أن يعلن ذلك إلا ببرهان ينجيه من الله ومن الناس، وهذه مسألة تحتاج إلى بحث ومباحثات طويلة، وأنا لم أَقرأ البحوث المكتوبة في ذلك، سوى بحث فيصل المنصور، وهو آخرها، وأرى أنه قد تعجّل في الحكم، وكان الأولى أن لا يجعل العنوان حاكما على الموضوع، لما في ذلك من استفزاز، وفتح باب للجدل العقيم الذي رأينا مثله في المواقع، ولو ترك الباحث الفاضل للقارئ أن يقرأ ويحكم بنفسه لكان ذلك أقوم قيلا، وأقوى قبيلا. ولأستاذ النحو المعروف (عضو المجمع): أ.د/ رياض الخوام مقال نفيس في هذا، مصيب في عنوانه وموضوعه، منشور بمنتدى المجمع. والله من وراء القصد. |
جزاك الله خيرا أيها الحبيب، ونفع بك.
|
لا أدري بأيهما نفرح: أبالانتصار لابن مالك الطائي الجياني، أم بتوبة أخينا أبي حيان الكهلاني؟ وحتى تكتمل الفرحة، وتزول الترحة؛ ينبغي أن تخرّج كلمة "الثقاه" في " معركة ابن مالك" على لغة طيّء التي انتصرت على صاد ولام ابن علي، ونخاطبه بلسان حالها: "هيهاه" "دفن البناه من المكرماه"، وأنت في كل حال على خطأ وهناه! |
سقى الله رب الْعَرْش قبر ابْن مالكٍ ** سحائب غفران تغاديه هطلا فقد ضم شَمل النَّحْو من بعد شته ** وَبَين أَقْوَال النُّحَاة وفصلا بألفيةٍ تسمى الْخُلَاصَة قد حوت ** خُلَاصَة علم النَّحْو وَالصرْف مكملا كافيةٍ مشروحةٍ أَصبَحت تفي ** لعمري بالعلمين فِيهَا تسهلا ومختصر سَمَّاهُ عُمْدَة لاقط ** يضم أصُول النَّحْو لَا غير مُجملا وَبَين مَعْنَاهُ بشرحٍ منقحٍ ** أَفَادَ بِهِ مَا كَانَ لولاه مهملا وَآخر سَمَّاهُ بإكمال عمدةٍ ** فَزَاد عَلَيْهَا فِي البحوث وعللا وصنف للإكمال شرحاً مُبينًا ** مَعَانِيَه حَتَّى غَدَتْ رَبّةَ انْجِلا وَلَا سِيمَا التسهيل لَو تمّ شَرحه ** لَكَانَ كبحر ماج عذباً وسلسلا ونظّم فِي الْأَفْعَال أَيْضا قصيدةً ** فسهّل مِنْهَا كل وعر وذلّلا وأرجوزة تحوي المثلث بَيّنا ** مربعة المصراع غراء تُجتلى وصنّف فِي الْمَقْصُور أَيْضا قصيدةً ** وضمنها الْمَمْدُود أَيْضا فكملا وأتبعها شرحاً لَهَا متضمّناً ** بَيَان مَعَانِيهَا بهَا متكفّلا وأعرب توضيحاً أَحَادِيث ضمنت ** صَحِيح البُخَارِيّ الإِمَام وسهّلاً ويكفيه ذَا بَين الْخَلَائق رفْعَة ** وَعند النَّبِي الْمُصْطَفى متوسّلا فيا رب عَنَّا جازه الْآن خير مَا ** جزيت وليا لم يزل متفضّلا وَفِي الضَّاد والظا قد أَتَى بقصيدةٍ ** وأتبعها أُخْرَى بوزنين أصّلا وَبَيّن فِي شرحيهما كل مَا غَدا ** على الذِّهْن مُعْتاصاً فَأصْبح مُجتلى ونظّم أُخْرَى فِي الَّذِي يهمزونه ** وَمَا لَيْسَ مهموزاً بشرح لَهَا تَلا وَجَاء بنظمٍ للمفصل بارعٍ ** رفيع على المنظوم يدعى المؤصّلا وَعرّف بالتعريف فِي الصّرْف أَنه ** إِمَام غَدا فِي كل فضلٍ مُفضّلا وَفِي شرح ذَا التَّعْرِيف فَصّل كل مَا ** أَتَى مُجملا فِيهِ وَبَيَّنَ مُشكلا وصنّف فِيمَا جا بأفعل مَعَ فعل ** كتابا لطيفاً للمهم محصّلاً وَألّف فِي الْإِبْدَال مُخْتَصرا لَهُ ** دَعَاهُ الْوِفَاق فاق تصنيف من خلا ونظّم فِي علم الْقرَاءَات موجزاً ** قصيداً يُسمَّى الْمَالِكِي مبجّلا وأرجوزةً فِي الظَّاء وَالضَّاد قد حوى ** بهَا لَهما معنى لطيفاً وحصّلا وَآخر لم أدر اسْمه غير أَنه ** على نَحْو نظم الْحَوْز منظومة انجلا فجملتها عشرُون تتلو ثمانيا ** فدونكها نسخا وحفظاً لِتَنْبُلَا "بغية الوعاة" (1 /131-132) عن "التذكرة" لابن مكتوم القيسي. |
مقال في غاية الجمال والجلال والإحكام.. فصل في قضية شائكة.. وخلص إلى منهجية الحكم.. وعدل القضاء.
|
أين الشيخ الموقر / فيصل بن علي المنصور ليستمع إلى هذا التأصيل ، لكن الله المستعان ...
|
جزيتم من الرحمن كل خير على هذا البيان والإيضاح
نفع الله بكم وزادكم من فضله |
اقتباس:
لستُ أريد أن أناقش أحدا في هذه المسألة، لكني أردتُ أن أبيِّن أن الأمر ليس كما تقول، فلا تنسب إليَّ ما لم أقل، وما زلتُ أجزم جزما ليس معه شك ولا ريب أن ابن مالك -رحمه الله- هو واضع هذه الأبيات، وما رأيت هنا شيئا يهدم يقيني ولا شيئا يضعفه، وليس في كلام الشيخ عبد العزيز -حفظه الله- ما يبطل قول القائلين بالوضع، مع محبتي للشيخ عبد العزيز وتوقيري له، وأحسن ما في كلام الشيخ قوله: اقتباس:
وهب أن هذه الأبيات ليست لابن مالك -وهذا مستحيل- فإنه لا يجوز الاحتجاج بها بحال من الأحوال، ويجب حذفها من كتب النحو. |
اقتباس:
أكثَرْتَ فِي اللومِ ملحّا دائماً ** لَا تُكْثِرَنْ إنَّي عَسَيتُ صَائِما! عسى الغوير أبؤسا يا كهلاني، إن ما تزعمه هو عين ما زعمه الدكتور الرافضي نعيم سلمان غالي البدري رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة واسط العراقية في مقاله "جناية ابن مالك الأندلسي على النحو العربي"، مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد الرابع، السنة الثانية، العراق، 2010م. قال- عليه من الله ما يستحق-: « إن هذا البحث يثير موضوعا خطيرا في الدرس النحوي، ويقدم رؤية جديدة، وإني إذ أضعه بين أيدي الدارسين أدعوهم إلى إعطائه حقه من العناية والاهتمام والنقد، وبذل الجهد الممكن لإصلاح الإفساد الذي ألحقه ابن مالك في نحونا، وإن أقل ما يمكن أن نفعله لإصلاح ذلك الإفساد الذي الحقه بالنحو العربي أن نحذف شواهده المصنوعة ومخترعاته وأكاذيبه»! ألا لعنة الله على الظالمين، إن الكلب إذا ولغ في الإناء وجب أن نغسله سبعا إحداهن بالتراب، فكيف إذا كان كلبا عقورا، وما أراك يا ألح إلا قد أصبت بداء الكلب الرافضي! قال ابن منظور الإفريقي: « وفي حديث الشعبي- وذكر الرافضة، فقال-: « لو كانوا من الطير لكانوا رخما»، الرخم: نوع من الطير، واحدته رخمة، وهو موصوف بالغدر والموق، وقيل: بالقذر»! قلت: والموق: الحمق، وفي المثل: « أحمق من باقل »، وكان اشترى عنزاً بأحد عشر درهماً فسئل: بكم اشريت العنز؟ ففتح كفيه، وفرق أصابعه، وأخرج لسانه - يريد أحد عشر درهماً - فعيروه بذلك، قال الشاعر: يلومون في حمقه باقلا ** كأن الحماقة لم تخلق فلا تكثروا العذل في عيه ** فللصمت أجمل بالأموق خروج اللسان وفتح البنان ** أحب إلينا من المنطق فهي إذن عنزة ولو طارت! |
يقول أبو العلاء :
إذا عير الطائي بالبخل مادر ** وعير قساً بالفهاهة باقل وقال السهى للشمس أنت كسيفة ** وقال الدجى للبدر وجهك حائل فيا موت زرْ إن الحياة ذميمة ** ويا نفس جدي إن دهرك هازل |
بارك الله فيكم، ووفقكم لكل خير.
اقتباس:
|
ليس من المنهجية العلمية رد القول واطراحه لأن صاحبه متشيع،فهذا الإمام البخاري يحدث عن الإمام الصنعاني -رحمهما الله تعالى- مع أنه رمي بالتشيع،فالرد يجب أن يتوجه للقول لا للشخص.
|
قرأت ما تفضل به الدكتور عبدالعزيز وفقه الله إلى كل خير؛ ولكن ابن مالك غفر الله له إما أنه واضع تلك الأبيات أو راوٍ لها من مصدر مجهول لا يعلمه معاصروه حتى ابنه، وفي كلتا الحالين لا يعذر وقد تصدر للتقعيد وإمامة النحو في عصره وتلقى من جاء بعده ما أفضى به بالقبول، وأما سكوتهم ورضاهم وإن بدر من بعضهم العجب من صنيعه فليس بدليل يدفع عنه التهمة ولا يدرأ عنه اللوم ولا يرفع العتب، وأما الأستاذ فيصل المنصور فهو باحث شجاع أحييه لشجاعته ولصدوعه بما تبين له من غير جمجمة، وهذا الموقف من صنيع ابن مالك حتى يتبين غيره.
|
اطلعتُ على مَقالَة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن علي الحربي، في الرّدّ على مَن اتّهمَ ابنَ مالك، بوضعِ الشواهد الشعرية لتقوية مذهبه في النحو.
ووجدتُ أنّه أفادَ واجادَ في بيانِ الموضوعِ من نواحيه الكثيرَة، فأشارَ إلى شهادات العلماء في ابن مالكٍ؛ وبيّن أنّه لو كانَ مُتّهماً بوضعِ الشّواهد لنبّه على ذلكَ نَقَدَةُ الرجالِ وعلماءُ النحو من بعدِه ، وأن احتمالَ وضع ابنِ مالكٍ بعضَ الشواهدِ المعدودة -منسوبةً أو غير منسوبةٍ- أمر غيرُ مُستبعدٍ، ولكنّه لم يكنْ ظاهرةً غالبةً بارزةً مثيرةً لانتباه الباحثين، وإنّما الغالبُ المشهورُ أنّ ألفيةَ ابن مالكٍ سارت بها الرّكبانُ وتعلّم منها العربيّةَ الخاصُّ والعامُّ ، وباتَ نفعُها المتيقَّنُ، أكبرُ من احتمالِ ما قد يكونُ لحقَها من وضعٍ في شواهدها، ولا يبدو أنّه من المُفيد للبحث العلمي أن يعالجَ موضوعاً محتملاً غيرَ يقين مثل هذا ، وشكّه أكبر من يقينه ، والاحتمالُ فيه أكبر من الإدلاءِ بالبراهين القاطعة لتقوية الحجّة. وحتّى وإن كانَ احتمالُ الوضع وارداً فهو أمرٌ لم تخلُ منه كثيرٌ من مصادرِ النّحو المُعتَمَدة، قبلَ ألفية ابنِ مالك، ولم يرْقَ الموضوعُ ليصيرَ ظاهرةً أو واقعاً ليسَ له دافعٌ. والرأيُ عندي أن كلمةَ رئيس المَجمَع، في موضوع الطّعن على ابن مالك، كلمة كافيةٌ شافيةٌ مُستقصيةٌ مُحيطةٌ بما ينبغي الرّدّ به على مُرسِله، ومُفيدةٌ في بابِها لمنهج تصحيح النّقد |
اقتباس:
بارك الله فيكم ، وحفظكم في كل مغيبٍ ومشهدٍ . |
أخي وصديقي الحبيب الكريم عرف العبير: جزاك الله خيرا على التوضيح.
وقد أعجبني كلام الأستاذ أبو أوس الشمسان، وكلام الأستاذ بو درع كلام جيد، لكني لا أدري ماذا يعني بالظاهرة، وما حد الظاهرة المعتبر؟ إن كان يعني الكثرة فإنا نتكلم عن زيد على ست مائة بيت، فهل هذا في العرف شاذ نادر؟ ثم إن أكثر المنكرين ينكرون أن يكون فيها شيء موضوع، ولو كان بيتا واحدا، ويحتدون على من نسب إليه وضع بيت واحد حدة لا مزيد عليها، ويبغضونه أشد المقت، وبعضهم يوشك أن يبدعه ويفسقه، وأخشى أن يصل الأمر ببعضهم إلى التكفير، ويجعلونه مبغضا للعرب والعربية، معاديا لها، عميلا للغرب، وليا للرافضة والزنادقة، محاربا للكتاب والسنة! |
اقتباس:
أية منهجية علمية هذه التي لا تعتبر مذهب الباحث؟ نعم هي منهجية أعدائنا التي يريدون بها القضاء علينا. إننا معشر المسلمين المعتدلين لنا منهاجنا، ولا نأخذ العلم إلا بالإسناد الصحيح إلى أهله، كما قال محمد بن سيرين - رحمه الله -: « إن هذا العلم دين، فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه»، واللغة العربية من الدين، ولا نأخذ الحكم على أئمتها إلا عمن نثق فيه، ونرضى به. ونعيم سلمان غالي غير موثوق فيه، ولا مرضي عنه، وقد حكى في كتابه "صناعة الشاهد" - وهو شاهد مصنوع - أنه لم يجد من بين الدارسين القدماء والمحدثين مَنْ يشكك في نزاهة ابن مالك أو يطعن في أمانته. ورغم ذلك اتهم ابن مالك بالكذب والتزوير والوضع استنادا إلى زعمه الكاذب باستخراج شواهد ابن مالك الشعرية فقط[!]من كتب أربعة فقط[!]، والحكم عليه من خلال ذلك. وكما هو معلوم فإن أكثر كتب ابن مالك شواهد "تسهيل الفوائد" فيه ما يربو على ألفين وخمسمئة شاهد، ولم يتمه صاحبه، وإنما أتمه من بعده[!]. فهل متموه وضاعون أيضا؟ وهل ابن مالك – رحمه الله - يضع الشواهد الشعرية المجهولة القائل فقط؟ ولما لا يضع الشواهد وينسبها إلى قائلين موهومين؟ ولماذا لا يضع الشواهد النثرية أيضا؟ ولماذا سكت عنه العلماء وانتبه له هذا الرافضي الخبيث؟ وقد حدثني عن نعيم سلمان البدري من استأمنني على عدم ذكر اسمه، وقال لي - لما سألته: هل يلحقك الضرر بذكر اسمك صريحا: د ... في توثيق مذهب نعيم سلمان البدري العقدي ونشره منسوبا إليك؟ - بلفظه: « اخي المكرم ، نعم يلحقني ضرر كبير واحتمال ان انحى عن وظيفتي لأن وزير التعليم العالي شيعي ، ورئيس الحكومة شيعي ، وبمجرد تداول هذا الخبر احتمال كبير بل واكيد ان انحى من وظيفتي ذلك انني سني ابن سني ». فأين المنهجية العلمية التي تحكي عنها يا صاح، وأين تشيع الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني – رحمه الله – من تشيع هؤلاء الرافضة المجوس اليوم؟ إن التشيع في عرف السلف هو تفضيل علي بن أبي طالب على عثمان بن عفان - رضي الله عنهما - فقط. ونحن إنما ننازع متهمي ابن مالك في خرقهم لإجماع العلماء السالفين على إمامته وأمانته وعدالته، وتعديهم إجماعهم أيضا على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد سوى النبي - صلى الله عليه وسلم-. فنحن نحفظ لابن مالك – رحمه الله – إمامته وعدالته وأمانته، ونرد خطأه بأجمل الألفاظ، ونعتذر له بأحسن المعاذير، ويسعنا – والحمد لله – ما وسع علماء المسلمين على مر أكثر من سبعة قرون. |
اقتباس:
«أدهشني الدكتور جواد بن محمد بن دخيّل بموضوع(1) مثير عن جملة من بيوت الشعر التي وجدها في كتب ابن مالك وبخاصة كتاب شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، وتنبه بذكائه المعهود إلى أن هذه البيوت ليست من الشواهد التي وردت في كتب السالفين قبله، ولما دقّق في أمرها وجد أنها ترد أول ما ترد في كتب ابن مالك، وهي بيوت لا تنسب إلى شاعر من الشعراء السابقين ابن مالك؛ فهي إما غير منسوبة وإمّا منسوبة إلى أحد الطائيين، ولما كان ابن مالك طائيًّا استنتج الدكتور جواد من ذلك أن هذه البيوت من نظم ابن مالك نفسه، ويسوغ هذا أن ابن مالك شاعر نظم الكافية الشافية في ألفين وسبع مئة وسبعة وخمسين بيتًا، ولو أن الأمر بقي رهن كتب ابن مالك لهان الأمر؛ ولكنّ من جاء بعده ردّدوا هذه البيوت شواهد من غير شكّ أو مراجعة، وهو أمر دعا الدكتور جوادًا إلى التنبيه إليه لأهميته عند من يلتزم بالشواهد التزام النحويين القدماء من حيث الزمان والمكان، وخشي الدكتور أن يظن ظانٌّ الوضع في ابن مالك فدفع عنه هذه الظنة بأن شأنه شأن أبي علي الفارسيّ الذي مثّل لمسألة نحوية بشعر أبي تمام، وهو ليس من شعراء الاستشهاد، فابن مالك في إيراده تلك الأبيات كان يمثّل للظواهر لا يستشهد لها، واستدل بأنّه يصدّرها بقوله "كقول الشاعر" و"مثله قول الشاعر" و"منه قول الشاعر" وبأنّه لم يقل و"من شواهد ذلك قول الشاعر" أو "يشهد على ذلك قول الشاعر"، وبيّن الدكتور أن المشكلة تكمن في وهم النحويين الخالفين أن هذه البيوت من الشواهد فأوردوها في كتبهم على هذا الأساس. والأمر على طرافته يحوك في النفس لأمور: الأول أنّ كثيرًا من كتب العربية لمّا تحقق بعدُ، فلعل هذه البيوت واردة فيها، والأمر الثاني استبعاد غفلة النحويين الخالفين ابن مالك عن الفرق بين التمثيل والاستشهاد، والأمر الثالث أنا نجد الشواهد في كتب القدماء لا ينص على أنها شواهد بل تساق مساق بيوت ابن مالك هذه، ومن تلك البيوت مجاهيل لا يعلم لها قائل، والأمر الرابع أن عبارة ابن مالك أقرب إلى الإشعار بالاستشهاد بالبيت لا التمثيل، كما في قوله في (ص28) من شواهد التوضيح والتصحيح "أما مخالفة السماع فمن قِبَل أن الاتصال ثابت في أفصح الكلام المنثور. كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه (إنْ يكُنْهُ فلن تسلَّطَ عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله). وكقول بعض العرب: عليه رجلا ليسي. وفي أفصح الكلام المنظوم كقول الشاعر: لجارِيَ من كانه عزّةٌ *** يُخالُ ابنَ عمٍّ بها أَوْ أَجلّ " والأمر الخامس أنه يلي هذا البيت بيت آخر صُدّر بعبارة ابن مالك "ومثله" وهذا البيت من شواهد سيبويه وما نصّ ابن مالك على أنه شاهد وما نسبه لقائله، وهو أبو الأسود الدؤليّ، ومعنى ذلك أن عبارات ابن مالك ليست قاطعة في دلالتها على التمثيل لا الاستشهاد. ووصفه البيت المذكور بأنه من أفصح الكلام المنظوم يشعر بالاستشهاد لا التمثيل مع تقديمه على شاهد سيبويه وتسويته به بقوله (ومثله).والأمر السادس أن الكتاب موسوم بأنه (شواهد) وقد نص على هذه التسمية في أول الكتاب، قال "هذا كتاب سمّيته شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح"، فالمتوقع أن يكون محتواه كذلك. ومن أجل ذلك لا أرى النحويين مخطئين في ثقتهم بابن مالك ورواية ما أورده في معرض الاستشهاد». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)نظرة في شواهد ابن مالك: كتاب شواهد التوضيح والتصحيح نموذجًا، مجلة الدراسات اللغوية، مج14، ع2، ربيع الآخر-جمادى الآخرة، 1433ﻫ، مارس-مايو 2012م. ص ص 41-63. |
نحن بحاجة لتوضيح من الدكتور الشمسان.
|
اقتباس:
أحسنت أستاذنا الكريم! ذكر ديانات الكتاب وسبها عند الرد على آرائهم العلمية دليل على ضعف الحجة، وذو الحجة القوية لا يلجأ إلى ذلك قط بل يكتفي ببراهينه. قال تعالى في سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). وبخصوص ابن مالك: أشار فضيلة الدكتور عبدالعزيز الحربي في مقالته إلى أن رواة الحديث كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوا إليه ما لم يقله، فكيف لا يكذب من هو دونهم على مَن هم دون النبي صلى الله عليه وسلم في المرتبة والفضل؟ فلم كل هذه الحساسية المفرطة من مناقشة احتمال نسبة الوضع إلى ابن مالك؟ ومن شأن البحث العلمي الموضوعي أن يبين تورط ابن مالك في الوضع، أو أن يظهر براءته منه. وهذا كله لا يقدح في أهمية الألفية ولا في دورها التاريخي. فلنبتعد عن التعصب للأشخاص وتقديسهم، لأن التعصب ليس سوى حجاب يُضرب على العقل ويحول دون عمله بطريقة طبيعية، وعلى البصر فيحول دون وضوح الرؤية! تحياتي الطيبة. |
أرى والله أعلم: أن كلام الدكتور عبد العزيز الحربي تميز بالموضوعية، فهو لم يقطع بثبوت التدليس لعدم وجود الحجة الواضحة الصريحة، وإن كنت أستشعر من كلامه أنه أيضا قد يحتمل وقوع ذلك. لكنه خلص إلى أهم ما تميز به مقاله، وهو أنه أخذ بقاعدة شرعية عظيمة وهي أن الأصل البراءة إلى أن يثبت العكس بدليل كالشمس في ضحاها. ثم إنه أشار إلى تسرع بعض الباحثين في إثبات التدليس ببعض اﻷبيات، وهي أبيات كما وضح الدكتور موجودة في كتب السابقين منسوبة لبعضهم. منهج الدكتور عبد العزيز في هذا المقال منهج ينجي الإنسان في اﻵخرة. نسأل الله تبارك وتعالى الخلاص والإخلاص.
|
اقتباس:
|
اقتباس:
وإذا كان ذلك كذلك؛ فمن العدل قبل أن تكتب مقالك ابن مالك أن تكتب مقالا عن تدليس فيصل بن علي المنصور، فهو أولا مسبوق إلى هذه الدعوى بنعيم سلمان غالي البدري، وليس له منها إلا العجن بسؤر البدري، وثانيا رسالته هذه بحث تكميلي لنيل شهادة الماجستير في قسم اللغويات بالجامعة الإسلامية، وقد نوقشت سنة 1434ه، وعنوانها في الأصل "وضع ابن مالك للشواهد النحوية بين النفي والإثبات"، ولكنه دلسها عند النشر إلى عنوان "تدليس ابن مالك في شواهد النحو عرض واحتجاج". وقد قال الدكتور عبد الله الأنصاري - بعد قراءاته لكتاب تدليس فيصل المنصور- : «... قد وقفت على ما كتبه من قبل، ثم إني قرأته مرة أخرى هذه الأيام فوجدته غاية في الضعف، بل إن أكثره يمكن قلبه عليه ... ذلك أن التناقض ظاهرة فاشية في كلامه، ولم أجد له دليلا واحدا يصح الاعتماد عليه فيما ذهب إليه، ولم يأت بشيء يبرهن به ما ادعاه على ابن مالك، وليس معه إلا النفي، وأما طعنه في ابن مالك وعلماء عصره والعلماء التالين له إلى يومنا هذا وادعاؤه أنه استدرك عليهم فهذا من أعجب العجب الذي سيجده القارئ في هذا الكتاب! ولا ريب أننا لا زلنا ننتظر من الكاتب الرجوع إلى الحقائق العلمية والإنصاف لعله يتبين له ما تبين لغيره فيعود إلى ما أرشده إليه مشايخه وزملاؤه، وطالب العلم حري بأن يعود إلى الرشاد ويصحح مقالته إذا تبين له خطؤها مسترشدًا برأي أهل العلم. ومن الطريف أني وجدت صاحب مكتبة (الألوكة) التي تبيع الكتاب في معرض الكتاب في الرياض متعجبا من كثرة إنكار الناس واستغرابهم لعنوان الكتاب، بل واشمئزازهم منه، هكذا ذكر لي ، وقال لي إن هذا قد لفت نظري وأنا لا أدري ما الذي في الكتاب. كما لفت نظري شذوذ الكاتب في إملائه وبعض آرائه في كتابه، حتى إن الطابع الناشر قد اعتذر من ذلك في مقدمة الكتاب، ومن تلك الآراء الشاذة كتابته لـ(عَمْرو) بإسقاط الواو، وفصله لـ(مِما) و(فيمن) ونحوها، وإسقاط واو (أولئك) وكتابة (سيما) هكذا: (سيمى) وكتابة (لا سيما) مفصولة :(سي ما)...وهلم جرا !!! والكتابة اصطلاح في غالبها وقد لا تخضع للقياس، إن يكن هناك قياس يصح الأخذ به ». وأما مقالك يا دكتور عن العلامة ابن مالك فعلى مهلك؛ فإن العلماء قد مضوا كالمجمعين على إمامة جمال الدين بن مالك وصدقه وأمانته، وعلى أنه بشر يخطيء ويصيب، تحفظ كرامته، ويرد خطؤه بالتي هي أحسن، وأما منهج الإسقاط وتتبع العثرات فهو منهج الروافض والخوارج، وما أحسبهما إلا قد اجتمعا على ابن مالك - رحمه الله-، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام": « ... يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ - بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ تعالى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ, الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ, يُهْتَدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ. إذْ كَلُّ أُمَّةٍ - قَبْلَ مَبْعَثِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا, إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ, والمحيون لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ، بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ, وَبِهِ قَامُوا, وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ، وَبِهِ نَطَقُوا. وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ - الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا- يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ. فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ, إلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ». وقال تلميذه الإمام النقادة الذهبي (ت748هـ) في "سير أعلام النبلاء": « إِذَا كَانَ مِثْلُ كُبَرَاءِ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيْهِمُ الرَّوَافِضُ وَالخَوَارِجُ، وَمِثْلُ الفُضَيْلِ يُتكلَّمُ فِيْهِ، فَمَنِ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ، لَكِنْ إِذَا ثبتَتْ إِمَامَةُ الرَّجُلِ وَفَضْلُهُ، لَمْ يَضُرَّهُ مَا قِيْلَ فِيْهِ، وَإِنَّمَا الكَلاَمُ فِي العُلَمَاءِ مُفتَقِرٌ إِلَى وَزنٍ بِالعَدْلِ وَالوَرَعِ». وقد وصف الذهبي ابن مالك في "المعين في طبقات المحدثين" بــــ: « العلامة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك شيخ العربية ». وأدعك لتقرأ ما قاله العلامة ابن هشام الأنصاري(ت761هـ) بخط يده في العلامة ابن مالك – رحمهما الله جميعا-: |
أخي الكريم الأستاذ محمد بن مبخوت
كلام الأنصاري عام لا دليل فيه، وهو قرأ الكتاب ونحن قرأنا الكتاب، وقد وجدنا كلام المنصور ملتزمًا غاية الأدب مع جمال العبارة والصياغة العلمية، أما كون البدري سبقه فليس بمفسد لغرضه؛ فكثير من الأعمال استكمال لسابق غيرها وهذا معروف، وليس أحد من الناس ينكر فضل ابن مالك ولا يجهله، والمنصور نفسه صرح بذلك في مقدمة كتابه، ولكن هذا الفضل لا يمنع من مراجعة أعمال ابن مالك خدمة لما هو أجل وهو لغة القرآن ونحوها، وليس أحد من الناس مهما بلغ فضله مقدسًا لا يجوز أن يراجع، وبقي أمر واضح لا نختلف فيه وهو أن ابن مالك تفرد بذكر 688 بيت من الشعر لم يبين نسبتها، وليس من المعقول أن تكون من مصادر لم تصل إلا إليه وجهلها جميع معاصريه حتى ابنه شارح خلاصته، ونجده استعملها استعمال الشواهد وتابعه من جاء بعده توهمًا، فإن لم يكن هذا تدليسًا فما يمكن أن يسمى؟ وأي عذر له في هذه التعمية؟ وأما دعوتك إياي لتبين تدليس المنصور الذي غير عنوان بحثه فجعل له عنونًا آخر فلا أراك محقًا في ذلك؛ لأن المنصور أشار بوضوح إلى أصل الكتاب وما أجراه في الرسالة من تعديل وتغيير، والعملان منسوبان إليه؛ فليس من تدليس البتة، وليس بغريب أن تسمى الرسالة العلمية بعد تحويلها إلى كتاب بما يراه صاحبه أدل على المحتوى. |
أعجبني كثيرًا هذا السجال الراقي الماتع المفيد بين د. محمد بن مبخوت، وأ.د. أبو أوس الشمسان، رغم أني أميل إلى غير ما ذهب إليه الدكتور الشمسان، إلا أنه يبقى أن نحفظ لأهل العلم إجلالهم وتقديرهم.
ولا يفوتني الشكر للدكتور الحربي على مقاله الذي فتح بابا للحوار العلمي الجاد. والذي أذهب إليه بعد كل هذه المشاركات، هو أنني أميل إلى ما مال إليه الدكتور الحربي. |
اقتباس:
حياك الله وأحسن إليك أخي العزيز الدكتور أبا أوس حفظك الله. اقتباس:
تحياتي العطرة. |
اقتباس:
أما قولك: " كلام الأنصاري عام" فكذلك تكون الأحكام، وأما قولك: "لا دليل فيه" فلا أدري ماذا تعني بالدليل، فهو قد شهد بتناقضه وشذوذه في الإملاء، وعدم صحة أدلته، وأنه ليس معه إلا النفي، كما حكم عليه بالطعن في العلماء، والطعن في العلماء كما هو معروف من منهج الروافض والخوارج! وأما قولك: "وهو قرأ الكتاب ونحن قرأنا الكتاب"، فإني أقول: وأنا لم أقرأ الكتاب، وإنما قرأت ما كتبه المنصور في موقعه، ولذلك تراني أحتج بالأدلة العامة فقط. وأما قولك: "وقد وجدنا كلام المنصور ملتزمًا غاية الأدب مع جمال العبارة والصياغة العلمية" فلست معك فيه، فالدكتور الأنصاري قد شهد بطعنه في ابن مالك وعلماء عصره والعلماء التالين له إلى يومنا هذا وادعاؤه أنه استدرك عليهم، ثم أنا أشهد أنه في موقعه يتطاول على أهل العلم، ومنهم التبريزي فقد حكم عليه بأنه لص، وهو لا يدري أنها مقلوب نصف اسمه من الآخر! وقولك: "أما كون البدري سبقه فليس بمفسد لغرضه؛ فكثير من الأعمال استكمال لسابق غيرها وهذا معروف" فأدع الرد عليه للدكتور سليمان الخاطر فقد قال- في ضمن تأريخه لهذه الدعوى وأن حامل رايتها نعيم البدري- : "وبعد هذا جاء الأستاذ فيصل المنصور فكتب هذا الموضوع أولا في ملتقى أهل اللغة الذي هو مؤسسه ومديره، وبعد ذلك قدمه موضوعا لبحثه للماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بعنوان(وضع ابن مالك للشواهد النحوية بين النفي والإثبات) وهو بحث تكميلي نوقش سنة ١٤٣٤ه ولكن عند النشر غير العنوان إلى(تدليس ابن مالك في شواهد النحو عرض واحتجاج) وما أظن أن جامعة يمكن أن تجيز هذا العنوان الأخير الجامع بين الإثارة والاستفزاز في حكم مسبق". وأما قولك: "وليس أحد من الناس ينكر فضل ابن مالك ولا يجهله، والمنصور نفسه صرح بذلك في مقدمة كتابه، ولكن هذا الفضل لا يمنع من مراجعة أعمال ابن مالك خدمة لما هو أجل وهو لغة القرآن ونحوها"، فهو عين التناقض، فليست المسألة محصورة في كتمان قائل الشواهد، بل هو في صنع لغةٍ لم تكن عند العرب ونسبتها إليهم، وأي كذب أعظم من هذا؟! والعربية ليست مجرد لغة بل لغة الإسلام وأهله، وهي من الدين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمة - رحمه الله -. وأما قولك: "وليس أحد من الناس مهما بلغ فضله مقدسًا لا يجوز أن يراجع" فلعلك تراجعه جيدا، فإنه خطير على إطلاقه! يدخل فيه الأنبياء والرسل، بل حتى حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت الحرام كما ورد في الحديث! وأما قولك: "وبقي أمر واضح لا نختلف فيه وهو أن ابن مالك تفرد بذكر 688 بيت من الشعر لم يبين نسبتها" فأقول: بلى نختلف معك، ويختلف معك الدكتور الحربي فقد استدرك أربعة شواهد، ويختلف معك أبو مالك العوضي فقد استدرك اثنين وعشرين شاهدا كما في موقع ملتقى أهل التفسير، منها أربعة اشترك فيها مع المنصور، ويختلف معك المنصور أيضا فقد استدرك بدوره على نعيم البدري أحد عشر شاهدا كما في ملتقى أهل اللغة. ونعيم سلمان البدري قد اتهم ابن مالك بوضع 696 شاهدا شعريا، منها شاهد مكرر ثلاث مرات! وهو أعظم دليل على افتراء البدري وكذبه. ثم نعيم البدري إنما استخرج هذه الشواهد من أربعة كتب لابن مالك فقط، هي "شواهد التوضيح" وعددها عنده 218 شاهدا، و"شرح عمدة الحافظ" وعدد شواهده 514 شاهدا، و"شرح الكافية" وعدد شواهدها عند البدري 1200 شاهد، و"شرح التسهيل" وعدد شواهده بحساب البدري 2500 شاهد. فإذا طرحنا ما استدرك بمجرد النظر لم يبق إلا 660 شاهدا. فكيف لا نختلف معك؟ ولو تتبعناها شاهدا شاهدا في أصولها المخطوطة، وكتبنا صفحة فقط عن كل شاهد لكانت 660 ص! وأما قولك: "وليس من المعقول أن تكون من مصادر لم تصل إلا إليه وجهلها جميع معاصريه حتى ابنه شارح خلاصته، ونجده استعملها استعمال الشواهد وتابعه من جاء بعده توهمًا"، فلا أدري لماذا أنه ليس من المعقول، والقاعدة عند علمائنا من علم حجة على من لم يعلم، بل وما يدريك أنها لم تصل إلى غيره، فإن لغة العرب لا يحيط بها إلا نبي، وكثير من كتب اللغة لم يحقق، بل وضاع كثير منها؟! وأما قولك: " فإن لم يكن هذا تدليسًا فما يمكن أن يسمى؟" فأقول: ما سمعت بمصطلح التدليس في الشعر إلا من جهة المنصور وجهتكم، ولمصطلح الصناعة أدق كما في كتب التراث، وإن صح ما تزعمون فإن المنصور قد دلس أيضا عن البدري مصطلحه الصحيح! وأما قولك: "وأي عذر له في هذه التعمية؟" فأقول: بلى، قد عذره العلماء قبلك، وحفظوا إمامته، فعلى سبيل المثال قال ابن قيم الجوزية في شاهد: خبير بنو لهب فلا تك ملغيا ** مقالة لهبي إذا الطير مرت وقال الشاطبي في شاهد: لا أقعد الجبن عن الهيجاء ** ولو توالت زمر الأعداء وقال العيني في المقاصد الشافية في الشاهد: لا ترج أو تخش غير الله إن أذى ** واقيكه الله لا ينفك مأمونا "استشهد به ابن مالك، ولم يعزه إلى أحد، ولا وقفت على اسم قائله". وقال في الشاهد: فأما الألى يسكن غور تهامة ** فكل فتاة تترك الحجل أقصما "أنشده ولد الناظم ولم يعزه إلى أحد، وكذا أنشده والده ولم يبين قائله، ولم أقف على اسم قائله". قلت: وأظن هذا البيت قد فات صاحبيك معا وإن كان قد نسب في اللسان وتاج العروس! وقال في الشاهد: من القوم الرسول الله منهم ** لهم دانت رقاب بني معد " أنشده ابن مالك للاحتجاج، ولم يعزه إلى قائله". وهو مما استدركه المنصور على البدري. وقال في الشاهد: إن يغنيا عني المستوطنا عدن ** فإنني لست يوما عنهما بغني " قائله أيضا مجهول، وكثيرا ما يحتج ابن هشام بالأبيات المجهول قائلها، والجهالة لا تضر بالاحتجاج إذا احتج بها المتقدمون مثل سيبويه وأمثاله، فإن في كتابه أبياتا مجهولة وقد احتج بها". ولم يقل إن ابن هشام دلسها أو وضعها. وما أنا إلا من غزية إن غوت ** غويت وإن ترشد غزية أرشد راجع من هنا أنظمة ولوائح الجامعة الإسلامية بالمدينة http://www.iu.edu.sa/deanships/Gradu...s/default.aspx فالمنصور بين خيارين إما أن عمادة الدراسات العليا أذنت له، وإما أنها لم تأذن له، فإن كان الثاني فإما أن يسحب الكتاب، وإما أن تسحب منه الشهادة!». |
وفقكم الله لكل خير.
قد سرَّني جدا نقلان نقلهما الأستاذ محمد بن مبخوت، وقد كنت قلت قبل ذلك في هذا الحديث: إن هذه الشواهد كلها يجب أن تحذف من كتب النحو. فأنكر علي الأستاذ ابن مبخوت، ثم نقل الآن نقلين يؤيدان صحة ما أقول، فساق بذلك الحجة على نفسه. أما أولهما فهو كلام ابن القيم، والرجل -في ما أحسب- إنما نقله مني! فقد كتبته قبل أمد طويل في ملتقى أهل اللغة، ثم نقله الرجل مني وصار يحتج به علي! وما علم أن الحجة فيه عليه، وذلك أن ابن القيم قال عن بيت ابن مالك (خبير بنو لهب...): "أما البيت الأول فعلى شذوذه وندرته لا يُعرف قائله ولم يُعرف أن متقدمي النحاة وأئمتهم استشهدوا به وما كان كذلك فإنه لا يحتج به باتفاق" ومعنى هذا أن البيت إذا اجتمع فيه هذان الأمران سقط الاحتجاج به باتفاق العلماء، والأمران هما: 1 - أن يكون البيت مجهول القائل، لا يُعرف قائله. 2 - أن يكون غير مستشهد به في كتب متقدمي النحويين. فإذا اجتمع الأمران سقط الاحتجاج بالبيت باتفاق العلماء على ما ذكره ابن القيم. والأمران مجتمعان في أبيات ابن مالك كلها، فإنها لا يُعرف قائلها، ولم يُستشهد بها في كتب متقدمي النحويين. فقد رأيت إذن أن الأستاذ محمد بن مبخوت ردَّ على نفسه وأبطل كلامه الذي ردَّ به علي، ونقل نقلا يدل على صحة ما دعوت إليه، وهو حذف هذه الأبيات من كتب النحو، وإسقاط الاحتاج بها. * والنقل الثاني ما نقله عن العيني من قوله: "والجهالة لا تضر للاحتجاج إذا احتج بها المتقدمون مثل سيبويه وأمثاله" فما معنى هذا الكلام؟ معناه الذي يفهمه منه كل أحد أن الجهالة تضر إذا لم يحتج بها المتقدمون مثل سيبويه وأمثاله. وهذا مثل كلام ابن القيم شق الأبلمة، فإن حاصل كلام العيني أنه إذا اجتمعت في البيت الجهالة وعدم استشهاد المتقدمين به سقط الاحتجاج به. فهذا أيضا ردٌّ من الأستاذ محمد بن مبخوت على نفسه، وإبطال لقوله. فنقول: إن وافقتمونا على إسقاط الاحتجاج بهذه الأبيات انتقلنا بعد ذلك إلى النظر في واضعها أهو ابن مالك أم غيره. فهل توافقوننا على ترك الاحتجاج بها أم تعودون الآن فتناقضون أنفسكم وتبطلون كلام ابن القيم والعيني الذي نقلتموه بأيديكم؟ فإن أبطلتم كلامهما بعد ما نقلتموه مُحتجِّين به فمَن الأجدر بالوصف بالتناقض أأنتم أم فيصل المنصور؟! وبالله التوفيق. |
اقتباس:
فلم تحتج بأعجاز لا صدور لها ؟ ولم لا تنقل كلام ابن قيم الجوزية كاملا ؟ فليس العلم بالتشهي أو التحكم أو الاستحسان. قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله في "بدائع الفوائد"(3/ 899-900، ط دار الفوائد) « فإن قلت فما تصنع في قول الشاعر: خبير بنو لهب فلا تك ملغيا ** مقالة لهبي إذا الطير مرت وفي قول الآخر: فخير نحن عند الناس منكم ** إذا الداعي المُثَوِّب قال: يالا ويدل على إرادة العموم عجز البيت، وهو قوله: ... فلا تك ملغيا ** مقالة لهبي ... أفلا ترى كيف يعطي هذا الكلام أن كل واحد من بني لهب خبير فلا تلغ مقالة لهبي.وكذلك البيت الثاني فلا متعلق فيه أصلا؛ لأن أفعل التفضيل إذا وقع خبرا عن غيره، وكان مقترنا بمن كان مفردا على كل حال، نحو: الزيدون خير من العَمرين». ثم لعلك لم تقرأ استدراك الدكتور الحربي في صدر هذ الموضوع: « ومن ذلك قول الآخر: خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلا تك ملغيًا مقالة لِهبيٍّ إذا الطّيرُ مَرَّتِ وأما قولك: والنقل الثاني ما نقله عن العيني من قوله: "والجهالة لا تضر بالاحتجاج إذا احتج بها المتقدمون مثل سيبويه وأمثاله" فهذا لفظه كما هو من "المقاصد النحوية في شرح شواهد الألفية"(3/ 1315 – 1316، دار السلام، ط1، 1431ه/2010م): « إن يغنيا عني المستوطنا عدن ** فإنني لست يوما عنهما بغني وفي ط دار الكتب العلمية (2/ 526، ط1، 1426ه/ 2005م): «قائله أيضا مجهول، وكثيرا ما يحتج ابن هشام بالأبيات المجهول قائلها، والجهالة لا تضر في الاحتجاج إذا احتجت بهم المتقدمون مثل سيبويه وأمثاله، فإن في كتابه أبياتا مجهولة وقد احتج بها ». وفي نفسي أن إذا بمعنى إذ، ويقوي هذا الظن، ما قاله الإمام بدر الدين العيني(2/ 678) عند الشاهد: أكثَرْتَ فِي اللومِ ملحّا دائماً ** لَا تُكْثِرَنْ إنَّي عَسَيتُ صَائِما! فلا تفرح يا صالح فإن « أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم» كما قال الإمام وكيع بن الجراح. وقال الإمام ابن قيم الجوزية في "زاد المعاد": « فلو كان كلّ من أخطأ أو غلط تُرك جملة، وأُهدرت محاسنُه؛ لفسدت العلومُ والصناعاتُ والحكم، وتعطلت معالمها ». وههنا أربع مسائل: الأولى: إجماع العلماء على توثيق ابن مالك رحمه الله. الثانية: قبول ما يتفرد به واحد من أهل الثقة والضبط. الثالثة: الاختلاف في الاحتجاج بالشواهد المجهولة القائل. الرابعة: جريان العمل على الاحتجاج بالشواهد المجهولة القائل إذا كان راويها ثقة يعتمد عليه. وهذه المسائل كلها مطروقة لدى العلماء، ولا يزال بعضها مبثوث في بطون الكتب كالمسألة الأولى التي أسال الله أن يعينني على جمع بعض شتاتها. |
ِ
وفقك الله لكل خير.
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
على أني أحسب أن نسبة هذا القول إلى صاحب (الدر المصون) وهم، وأن في الكلام تحريفا يسيرا جدا غيَّر وجهه، قال رحمه الله: "ونقل ابن مالك أن سيبويه أومأ إلى جوازه، واستدل الأخفش بقوله: خبير بنو لهب فلا تك ملغيا * مقالة لهبي إذا الطير مرتِ ... واستدل له أيضا بقول الآخر: فخير نحن عند الناس منكم * إذا الداعي المثوب قال يالا" فأحسب -والله أعلم- أن الأحمر فيه تحريف، وأن صحة الكلام: "واستدل للأخفش بقوله"، أي: واستدل ابنُ مالك للأخفش بقول الشاعر، ألا تراه قال بعد ذلك: "واستدل له أيضا بقول الآخر: فخير نحن عند الناس منكم * إذا الداعي المثوب قال يالا" أي: واستدل ابن مالك للأخفش أيضا بقول الآخر. وذلك أن ابن مالك رجح قول الأخفش واستدل له بالبيتين المذكورين، قال ابن مالك في شرح التسهيل: "وأما أبو الحسن الأخفش فيرى ذلك حسنا، ويدل على صحة استعماله قول الشاعر: خبير بنو لِهب فلا تك ملغيا * مقالة لهبي إذا الطير مرَّتِ ومنه قول الشاعر: فخير نحن عند الناس منكم * إذا الداعي المثوب قال يالا" فترى أن ابن مالك استدل لقول الأخفش بهذا البيت الذي أنشده، ثم استدل له أيضا بالبيت الثاني. فأحسب أن صحة كلام صاحب (الدر المصون) هكذا: "واستدل للأخفش بقوله"، أي: واستدل ابنُ مالك للأخفش بقول الشاعر. ثم إنه ليس معروفا أن الأخفش استشهد بهذا البيت (خبير بنو لهب...)، وهذا الذي ذكره صاحب (الدر المصون) لم يذكره علماء النحو على كثرة ذكرهم لهذا الخلاف وعرضهم لقول الأخفش، بل ذكر بعض العلماء ما يدل على خلافه، ومنه قول ابن القيم في كلامه الذي ذكرناه قبلا: "ويعضد هذا من السماع أنهم لم يحكوا: قائم الزيدان، وذاهب إخوتك عن العرب إلا على الشرط الذي ذكرنا، ولو وجد الأخفش ومن قال بقوله سماعا لاحتجوا به على الخليل وسيبويه، فإذا لم يكن مسموعا وكان بالقياس مدفوعا فأحر به أن يكون باطلا ممنوعا." ثم نص ابن القيم بعد ذلك على أن هذا البيت بعينه لم يحتج به مستقدمو النحويين، والأخفش منهم. وللكلام تتمة إن شاء الله. |
نصوص مهداة لمحمد بن مبخوت
النص الأول 4563 - حدثنا أحمد بن إسحاق السلمي حدثنا يعلى حدثنا عبد العزيز ابن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال : أتيت أبا وائل أسأله . فقال كنا بصفين فقال رجل ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله فقال علي نعم فقال سهل بن حنيف اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه و سلم والمشركين ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر فقال ألسنا على الحق وهم على الباطل أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال ( بلى ) . قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا ؟ فقال ( يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا ) . فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل قال يا ابن الخطاب إنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ولن يضيعه الله أبدا فنزلت سورة الفتح. النص الثاني فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى نزل بدرا فسبق قريشا إليه ، فلما جاء أدنى ماء من بدر نزل عليه ، فقال له الحباب بن المنذر : يا رسول الله ، منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " ، فقال الحباب : يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، ولكن انهض حتى تجعل القلب كلها من وراء ظهرك. النص الثالث 173 - الثالث عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بقوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما أظن يغني ذلك شيئاً فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بذلك فقال إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناًّ فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله تعالى. |
اقتباس:
وهذا أيضا حجة عليك، فجزاك الله خيرا على تقريب هذه الحجج لنا، فإنك لا تزال تنقل النقل بعد النقل فيه الحجة عليك. وهنا بضعة أمور: 1 - ليس في الشعراء والرجاز من يقال له: رؤبة بن الحجاج، وإنما هو العجَّاج بالعين، وهو لقب له، واسمه عبد الله بن رؤبة. 2 - قد رأيتَ أن أبا حيَّان وأبا عبد الواحد قد أسقطا الاحتجاج بهذا البيت لأمر واحد فقط، وهو جهالة قائله، مع أنه قد وقع في كتب متقدمي النحويين، فإذا كان قولهما هكذا في هذا البيت فإن الأبيات التي اجتمعت فيها جهالة القائل وعدم وقوعها في كتب المتقدمين أولى بالإسقاط. فهذا يؤيد ما ذكرناه قبلُ من وجوب إسقاطها وترك الاحتجاج بها، بل قولهما أشد وأنكى، لأنه يدعو إلى إسقاط الاحتجاج بالجهالة وحدها. 3 - أن ردَّ العيني عليهما موافق لما ذكرنا من قبل، وليس حجَّة علينا، بل هو حجة لنا، لأنه قال: "لو كان الأمر كما قالا لسقط الاحتجاج بخمسين بيتا من كتاب سيبويه؛ فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلها، وخمسين بيتا مجهولة القائلين" فأنكر عليهما إسقاط الاحتجاج بالبيت للجهالة وحدها، وأخبر أن ذلك يؤدي إلى إسقاط خمسين بيتا من كتاب سيبويه، فمفهوم كلامه أنَّ الجهالة وحدها لا تُسقط الاحتجاج بالبيت إذا كان ذلك موجودا في كتب المتقدمين كسيبويه وأمثاله، وإلا للزم إسقاط أبيات سيبويه المجهول قائلوها. وهذا المفهوم من كلامه قد صرَّح به تصريحا في ذاك الموضع الأول الذي تكلمنا عنه، وهو قوله: "والجهالة لا تضر للاحتجاج إذا احتج بها المتقدمون مثل سيبويه وأمثاله". فتبيَّن بهذا أن نقلك الأخير الذي ردَّ به العيني على أبي حيان وأبي عبد الواحد عليك لا لك، وأنه يؤيد ما ذكرنا من قبل، من إسقاط الاحتجاج بالأبيات التي يجتمع فيها جهالة القائل وعدم الوجود في كتب المتقدمين، فلذلك أنكر عليهما لأنهما أسقطا البيت للجهالة وحدها وهو موجود في كتب المتقدمين. أقول: وأبيات ابن مالك اجتمع فيها الأمران كلاهما، واجتمع مع هذين الأمرين أمور كثيرة، من تشابه الأبيات في ألفاظها ونظمها بغض النظر عن الأغراض وعن القوة والضعف، ثم تشابه في الأغراض فلست تجد بيتا واحدا في الهجاء أو الوصف، وهذا تكلمنا عنه كثيرا، ثم تشابهها في الضعف وسيماء التوليد، فكلها على وجهه شاهد يلوحُ، وهل سمعتَ في حياتك شاعرا قديما يقول: ها بيِّنا ذا صريح النصح فاصغ له * وطُع فطاعة مُهدٍ نصحه رشدُ وقوله: إن الألى وصفوا قومي لهم فبهم * هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا وقوله: دُريتَ الوفيَّ العهدِ يا عُروَ فاغتبط * فإن اغتباطا بالوفاء حميدُ سبحان الله! أيخفى على أحد ما في هذه من أمارات الوضع، نعوذ بالله من العمى. |
اقتباس:
قال الإمام العيني في "المقاصد النحوية" (3 /1318) في الشاهد: إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ** وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي في "المقاصد الشافية " (1 /2-3): « وأنا أعرف أن الناظر فيه أحد ثلاثة: إما عالم طالب للمزيد في علمه، واقف على أدب العلماء عند مده ورسمه، موقن أن كل البشر سوى الأنبياء غير معصوم، آخذ بالعذر في المنطوق به من الخطأ والمفهوم، فلمثل هذا بثثت فيه ما بثثت، وإليه حثثت من خيل عزمي وركاب فهمي ما حثثت، فهو الأمين على إصلاح ما تبين فساده، حين تخلق بأخلاق العلم والإفادة. وإما متعلم يرغب في فهم ما حصل، ويسعى إلى بيان ما قصد وأشكل، والنفوذ فيما قصد وأمّل، فلأجل هذا حالف عناه الليالي والأيام، واستبدلت التعب بالراحة والسهر بالمنام، رجاء أن أكون ممن أثر بما أسدي إليه، وشكر بما أنعم به عليه. وإما طالب للعثرات، متبع للعورات، يُضَعِّف ويقبِّح، ويحسن ظنه بنفسه ويرجِّح، ويفسد ظانا أنه يصلح، فمثل هذا لا أعتمد عليه، ولا ألتفت في رد وقبول إليه، وإن كان أعرب من الخليل وسيبويه؛ لأنه ناطق عن الهوى، سالك سبيل من ضل وغوى، ولم يتخلق بآداب العلماء، ولا أمَّ طريق الفضلاء، والله هو الرقيب على القلوب، العليم بسرائر الغيوب، ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن غرس جنى ثمرة غرسه، إنما الأعمال بالنيات، وإنما ولكل امريء ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». |
أعتقد أن الدكتور الحربي أبدع، وحسم هذا الموضوع الشائك من وجهة نظري.
|
اقتباس:
تعقيبة على مقالة الدكتور الشمسان http://www.al-jazirah.com/culture/2014/12042014/aguas1.htm |
اقتباس:
الأستاذ الفاضل محمد بن مبخوت، السلام عليكم، قرأت تعقيبة حضرتك على مقالة الأستاذ أبي أوس، وألفيتها عاطفية، وأكثر ما استوقفني فيها قول حضرتك: ((وأولئك هم سلفنا في تبرئة ابن مالك، وقد مضوا كالمجمعين على إمامته وعدالته وصدقه وأمانته، ولم يتهمه أحد منهم بالوضع أو التدليس كما صنع البدري وصاحب التدليس. وإن كانت هذه الأمة من علماء المسلمين قد ضلت أو توهمت فإني معهم على الضلال والتوهم! وهَلْ أَنَا إلاّ مِنْ غَزِيّةِ إنْ غَوَتْ --- غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيّةُ أَرْشُدِ))، ورأيت فيه إسقاطا لإجماع الأمة في المسائل العقدية والدينية على آراء الناس في الأشخاص العاديين مثل ابن مالك الذي هو – على أهمية ألفيته بالنسبة إلى من يألف الدرس على طرائق التلقين في الكتاتيب – ليس آية كريمة، ولا حديثا صحيحا .. والإشارة إلى احتمال اختلاقه بعض الأبيات ليس إنكارا لمعلوم من الدين بالضرورة حتى تستحضر ألفاظ الإمامة والعدالة والصدق والضلال .. بل منهج علمي سنه لنا أوائل علمائنا. ولنا في تهذيب ابن هشام ليسرة ابن إسحاق عبرة بليغة إذا أردنا أن نعتبر ونتعلم ألا نقدس أحدا ونزكيه بالإطلاق لأن في زعمك أن السلف "وقد مضوا كالمجمعين على إمامته وعدالته وصدقه وأمانته" تقديسا وتزكية مطلقة للرجل والعياذ بالله! من جهة أخرى: إن العربية اليوم مستهدفة، ومهددة في كيانها، وتواجه اليوم تحديات يشك من يدرك حجمها في قدرة العربية على التصدي لها، وأبناؤها اليوم بحاجة إلى توجيه طاقاتهم العلمية إلى تحصينها من الداخل بالعلم، وهذا لا يكون إلا بسد جميع الثغرات المعرفية التي تعاني منها بالعلم الرصين للحفاظ على الثابت منها وتطويرها المتحول منها، وليس إلى إهدار طاقاتهم بالمعارك الجانبية من اجل مسائل لا قيمة لها بالمقارنة مع التحديات التي تواجه اللغة العربية اليوم. وتحية طيبة. |
قد قلت من قبل: إن أخانا الكريم محمد بن مبخوت -وفقه الله- لا يفتأ يسعفنا بالنقل بعد النقل فيه الرد عليه والإبطال لقوله.
فمن ذلك أنه نقل في مقاله في جريدة الجزيرة عن الإمام الذهبي -رحمه الله- قوله: "وأنَّ إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافَق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث." ولست أوافقه في تنزيل كلام العلماء عن رواية رواة الحديث على رواية بعض النحويين المتأخرين لشواهد النحو. لكننا نجاريه في هذا فنقول: ينبغي على ما نقلتموه أن يكون ابن مالك متروك الرواية، فإنه أكثر من رواية الأبيات التي لا يوافق عليها لفظا ولا يوافق عليها إسنادا، بل ليس لها إسناد أصلا. فإذا كان المكثر من رواية الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو لا يوافق عليها إسنادا يصيره متروك الحديث، فكيف بالمكثر من رواية الأبيات التي لا يوافَق عليها لفظا ولا يوافَق عليها إسنادا، فكيف بالذي ليس له إسناد أصلا، فكيف بالذي لم ينسب الأبيات إلى أحد أصلا لا بإسناد ولا بغير إسناد؟! أليس هذا أولى بأن يوصف بأنه متروك الرواية؟! فابن مالك أكثَرَ جِدًّا من الشواهد التي تفرَّد بها، وهذه الشواهد كلها لا يوافق عليها لفظا لأنها لا تشبه شعر العرب، واختلافها عنه واقع من وجوه كثيرة لا من وجه واحد، وهذه الشواهد كلها ليس لها إسناد أصلا حتى يوافق فيه أو يخالف، بل لم تنسب إلى أحد رأسا لا بإسناد ولا بغير إسناد! فينبغي على ما نقلتموه عن الإمام الذهبي واحتججتم به -إذا نزَّلناه على رواية النحويين لشواهد النحو- أن يكون ابن مالك متروك الرواية. بل النظر يقتضي أن يوصف بأشدَّ من هذا لأن حاله أسوأ بكثير من حال الذي وصفه الذهبي بأنه متروك الحديث. فهذه حجتكم، أنتم نقلتموها بأيديكم، فهل تعودون الآن وتخالفونها؟ لقد استبان الحق واتضح السبيل لمن عقلْ |
الحمد لله الذي جعل فيصلا المنصور يهدم بنيانه بيده فها هو يستدرك على الدكتور الرافضي نعيم سلمان غالي البدري: " لعلَّ ما ذكرَه البدريُّ مقارِبٌ للصَّوابِ، ولكنَّه لعجَلتِه، وقلَّة تثبُّتِه يتَّهِم ابن مالكٍ بالكذبِ في ما نسبَه إلى أحدٍ بعينه من ما لم يجِده في مصدَر قبلَه... ومِن الأبيات التي غابَ عن البدريِّ موضعُها في الكتبِ التي قبلَ ابن مالكٍ على سبيلِ التمثيلِ، وليس على سبيلِ الحصر: 1-ما أنشدَه ابن مالكٍ عن أبي علي الفارسيِّ: إنَّ ابن أحوصَ معروفٌ، فبلِّغُه في ساعديهِ إذا رامَ العلا قِصَرُ قالَ البدريُّ: (وهذان البيتان [يريد ُهذا البيتَ، وبيتًا ذكَرَه قبلَه] من ما صنعَه هو، ولم يردا في أي مصدر قبله). قلتُ: بل وردَ قبلَه، فقد ذكرَه ابن جني (ت 392 هـ) في (المحتسب)، وغيرُه. وذكرَ ابن عصفور (ت 669 هـ) في (ضرائر الشعر) أن أبا علي الفارسيَّ (ت 377 هـ) أنشدَه. 2-اتَّهم البدريُّ ابن مالكٍ بأنه وضعَ هذا البيت الذي نسبَه إلى ابن طاهر (ت 580 هـ) في تعليقه على كتاب سيبويه: وليس بمعييني وفي الناس مُمتعٌ صديقٌ إذا أعيا عليَّ صديقُ بحجَّة أنه لم يرِد في أي مصدر قبله. وبلَى، قد ذكرَه ابن عصفور في (ضرائر الشِّعر)، و(شرح جمل الزجاجي) كما أفاد محقِّق (التذييل والتكميل) حسن هنداوي. 3-زعمَ أنه وضعَ أيضًا قولَه: لإِن كان حبِّيك لي كاذبًا لقد كان حُبِّيك حقًّا يقينا وقد ذكر حسن هنداويّ أنه في شرح الحماسة للأعلمِ الشنتمري (ت 476 هـ). 4-زعمَ أن ابن مالك وضعَ هذا البيت: من القوم الرسولُ الله منهم لهم دانت رقابُ بني مَعَدِّ وأنه (ليس ثَمّ ما يدل على جواز دخول "أل" على الجملة الاسمية غير هذا الشاهد)، وذكرَ أنه (يجب أن تحذَف هذه المسألة من كتب النحو). وهذه خِفَّة، وتهوُّرٌ، وقَطع قبلَ التحقُّق! فقد روَى هذا البيتَ الزجاجيُّ (ت 340 هـ) في (اللامات)، ورواه أبو البركات الأنباري (ت 577 هـ) في (الإنصاف) مع اختلاف في رواية العجُز. 5-زعمَ أيضًا أنه وضعَ قولَه: إن النجاةَ إذا ما كنتَ ذا بصَرٍ من جانب الغَيِّ إبعادٌ، وإبعادُ وهذا البيت روَاه أبو علي القالي (ت 356 هـ) في (أماليه) برواية: إن النجاء إذا ما كنتَ في نفرٍ من أجَّة الغيِّ إبعادٌ، فإبعادُ وهو للأفوه الأوديِّ. ولعلَّ اعتمَاد البدريِّ علَى أقراصِه خدعَه عن الوقوع على هذا البيت لاختلافِ روايتِه. 6-زعمَ أيضًا أنه وضعَ قولَه: من اللواتي، والتي، واللاتي يزعمن أني كبِرت لداتي وقد روَاه أبو عبيدة (ت 209 هـ) في (مجاز القرآن)، وغيرُه. 7-زعم أيضًا أنَّ ابن مالك وضعَ بيتًا نسبَه إلى أمية بن أبي عائذ الهذلي، وهو: فهل لك أو من والد لك قبلنا يوشِّح أولاد العِشار، ويفضلُ وهذا البيت ثابِتٌ في (شرح أشعار الهذليين) للسكَّريِّ (ت 275 هـ). 8-زعمَ أنَّه وضعَ بيتًا، ونسبَ إلى ثعلب (291 هـ) أنه أنشده، وهو: واهٍ رأبتُ وشيكًا صدْعَ أعظُمِه وربَّه عطبًا أنقذتُ من عطَبِهْ وقد صدَق ابن مالكٍ في هذا، فقد ذكر أبو بكر الأنباري (ت 328 هـ) في (الزاهر في معاني كلام الناس) أنَّ أبا العباس ثعلبًا أنشدَهم هذا البيت. ورواه أيضًا أبو منصور الأزهري (ت 370 هـ) في (التهذيب) عن أبي الهيثم الرازيِّ (ت 276 هـ). 9-نسبَ ابن مالك بيتًا لحُميد بن ثور، وهو: وأمات أطلاء صغار كأنها دمالج يجلوها لتنفق بائعُ وكذَّبَه البدريُّ في هذا بحجَّة أنه لا يوجَد في مصدر قبلَه. وبلَى، هو في (منتهى الطلب) لابن ميمون (ت 597 هـ). 10-قالَ ابن مالك: (... فمن ذلك ما أنشد الفارسي في التذكرة من قول الشاعر: يحايي بها الجلْدُ الذي هو حازِمٌ بضربة كفَّيه الملا نفسَ راكبِ). قالَ البدريُّ معلِّقًا على هذا: (ولم أجد ذكرًا لهذا البيت قبلَ ابن مالكٍ. وكتاب التذكرة لأبي علي الفارسي مفقودٌ. والراجح لديَّ أن البيت من مخترَعات ابن مالك). وإذا كانَ كتاب (التذكرة) مفقودًا الآنَ، فلمْ يكن مفقودًا في عصرِ ابن مالكٍ، ولم يزل العُلَماء يذكُرونَه، وينقُلونَ عنه حتَّى عصرِ عبد القادر البغداديِّ (ت 1093 هـ)، حيث ذكرَه في (خزانة الأدب) من جُملةِ مراجعِه، ونقلَ عنه، فحتَّى لو كانَ ابن مالكٍ كذابًا كما زعمَ البدريُّ، فلن يبلُغ به الحمقُ، والغَباءُ أن ينسب إلى كتابٍ معروفٍ في عصرِه ما ليس فيه، لأنَّ بإمكانِ كلِّ أحدٍ أن يرجِعَ إليه، فيقِف على كذبِه. علَى أنَّ هذا البيتَ قد أنشدَه أبو عليٍّ الحاتمي (ت 388 هـ) في كتابيه (الرسالة الموضحة في ذكر سرقات أبي الطيب)، و(حلية المحاضرة)، ونسبَه إلى ذي الرمة، وذكرَ بيتًا قبلَه، وبيتًا بعدَه". وقوله: "ويستدرَك على ما حكمَ عليه البدريّ من الشواهد بالوضعِ لأنه لم يجده بزعمه في مصدر قبل ابن مالك ما أنشدَه ابن مالك، وهو قول الشاعر: يا ربّ ذي لقحٍ ببابك فاحشٍ هاعٍ إذا ما النّاس جاعُ، وأجدبوا فقد روَى هذا البيت أبو بكر الأنباري (ت 328 هـ) في (شرح القصائد السبع)، وهو فيه بتحقيق هارون (جاعُوا، وأجدبوا). وهو خطأ مَحضٌ"؟! ثم ها هو يرد على نفسه بنفسه قائلا: وقد وجدتُّ بيتًا من الأبيات المنسوبة إلى ابن مالكٍ ليس له، وهو: ألا حبّذا غُنمٌ، وحُسنُ حديثِها = لقد تركتْ قلبي بها هائمًا دنفْ في "شرح الملوكي ص235" لابن يعيش (ت 643هـ). وهذا البيت، والبيت الذي في "الكامل" أوردهما البدريُّ أيضًا في الأبيات المنسوبة إليه، علَى أنّي لم أعتمِد في جمع هذه الأبيات على عملِه قطُّ، وإنَّما جمعتُها بنفسي واحدًا واحدًا من كتبه المطبوعة. ووجدتُّ أيضًا ثلاثةَ أبياتٍ في "شرح ديوان أبي حصينة" لأبي العلاء المعرّي (ت 449هـ)، وهي: كانَ أَبيَّ كرمًا، وسُودا يلُقِي على ذي اللِّبدِ الجديدا بروايةِ (أُبيٌّ.. ذي الكَبِدِ الحديدا) (2/ 219). وهو غيرُ منسوب. وكذلك: ترهَبُ السّوطَ في اليمينِ، وتنجو=كاليمانيِّ طارَ عنه العِفاءُ وهو مرويٌّ هكذا (ترقُبُ السّوطَ في النُّمير (!)..) (2/ 193). وقد نسبَه إلى أبي زُبيدٍ. وهو الطائيُّ النصرانيُّ المعروفُ وَصّافُ الأسَدِ. وله قصيدةٌ على هذا الوزنِ، والرويِّ لعلّه منها. وقد عدَّ البدريّ أيضًا هذه الأبياتَ الثلاثةَ في أبيات ابن مالك. ووجدتّ أيضًا هذا البيتَ: فإن كانَ شيءٌ خالدًا، أو معمّرًا = تأمَّلْ تجِد من فوقِهِ اللهَ غالبا منسوبًا لأميّة بن أبي الصّلت من أبياتٍ يائيّة له برواية: تأمَّلْ تجِد من فوقه الله باقيا في "الزهرة" لابن داوود الأصفهانيّ (2/ 496). وكذلك هذا البيت الذي أشار إليه أخونا الخبرانيّ: إذا أوقدوا نارًا لحربِ عدوِّهم = فقد خابَ من يصلَى بها، وسعيرِها هو في الكتاب المذكور، وقبلَه في "فتح الوصيد" (3/ 819) للسخاويّ (ت 643 هـ). وإذن تكون عِدّة الأبيات التي تفرّد بها ابن مالكٍ بحسب ما انتهينا إليه إلى الآن هي 681 بيتٍ بعد أن كانت 688. فمتى تتوب إلى الله يا تكذِّب نفسك بنفسك، وتجلب حتفك بأنفك؟!! |
غرد المصحح اللغوي : أحفظ لساني فلا أطعن في دين ابن مالك وأمانته، وقد شهد له بذلك المتقدمون والمتأخرون، وكل ما ذكر لا يرقى أن يكون قرينة، بله دليلًا. مؤلف (تدليس ابن مالك)على دين وخلق فيما أحسب، وهو متميز في علمه. ولا يحملنا شنان مخالفته على طعن نيته، ولن أسمح بذلك. كون ابن مالك أتى بأبيات لا تعرف قبله لا يكفي حجة في تكذيبه، فالجهل بالشيء لا يعني العلم بعدمه. اتهام ابن مالك بالكذب لم يقل به عالم من قبل فيما أعلم، بل كان العلماء يعدون ذلك منقبة لابن مالك. لا أحد ينكر فضل ابن مالك على النحو والنحويين. ما نيل من ابن مالك في النحو إلا كما نيل من ابن تيمية في العقيدة! فكلاهما جبل تتساقط دونه التهم. وغرد عبد الرزاق الصاعدي لم يظهر لي أن ابن مالك مدلّس، وأراه ثقة في علمه وروايته، ومن رماه بالتدليس فليتّقِ الله في أعراض الأموات. وهو ليس علم نحو فحسب بل هو عالم لغة، ولعله اطلع على دواوين لشعراء طائيين مما لم يصل إلينا، وقد ضاع كثير من شعر القبائل والشعراء وقلّ ما بإيدي الناس منه، ولم يحمله إلينا النقلة، وقد أشار إلى ذلك ابن قتيبة. وروى ابن قتيبة عن الأصمعي أن ثلاثة إخوة من بني سعد وهم منذر ونذير ومنتذر لم يأتوا الأمصار فضاع شعرهم. وتحدث أبو عمرو بن العلاء وابن سلام الجمحي عما ضاع من شعر العرب فذكروا أن الضائع أكثر مما بأيدي الناس منه ومع ذلك وقف رواه وعلماء متأخرون على روايات نادرة ومخطوطات عزيزة لشعرء قبائل تسللت في غفلة من عوادي الزمن ووصلت إليهم بجدهم وحرصهم على التنقيب في الخزائن المتفرقة، ومن هؤلاء ابن مالك وعبدالقادر البغدادي صاحب الخزانة. فالقول بأن ابن مالك مدلس يفتعل الشعر قول فيه الكثير من التجني والمجازفة العلمية غير المقبولة. |
اقتباس:
ألم يجد هذا البدري في دينه مايستحق الاستدراك ـ وهو كله باطل من الكتاب والسنة ـ واستدرك على ابن مالك في شواهد شعرية بأمور ظنية تحتمل الصواب والخطأ ؟! عجبًا لكم ، مالكم كيف تحكمون !. |
أقترح على سيدي د . عبدالعزيز بن علي الحربي تكليف لجنة عالمية مختصّة لأعادة عزو الشّواهد وانصاف البحث العلمي والإنتصار للغة العربية منهجيا
|
السلام عليكم ورحمة الله
ألف شكر لك على الموضوع المميز جدا والمعلومات الرائعة المفيدة إختيار موفق للطرح وانتقاء طيب منير للعقول بارك الله فيك على ما نثرتـــــــــــــــ هنا وأنرتــــــــــــــــــــــــــــــــ إجازة ادبية قيمة تستحق المتابعة والتمعن لعل يستفيد منها كل زائر للمنتدى الراقي نفع الله بك نتمنى لك كل التوفيق في القادم ان شاء الله |
تعلى بمناسبة وضع "تدليس ابن مالك" على الشبكة. |
بارك الله فيك علي الطرح المفيد المنكامل
|
تحقيق رائع ومقنع وفقكم الله وبارك فيكم
|
مقال محكم في غاية الإحكام، وللحق نور، وتواتر الإجماع على ابن مالك يقطع كل تهمة.
|
جزاكم الله خيرا
|
|
|
في الذب عن عرض الإمام ابن مالك-رحمه الله-.
المنشور الثالث: في هذا المنشور سنرد على شبهة" التفرد"، والتي جعلها فيصل المنصور من الأدلة التي تثبت انتحال ابن مالك لهذه الشواهد على حد زعمه!! يقول فيصل المنصور في كتاب" التدليس...": أدلة الوضع: أدلة السند: الدليل الأول: دليل التفرد: " إن أول ما يستوقف المتصفح لهذه الأبيات أنها من ما تفرد به ابن مالك، إذ لم توجد في كتاب قبله، ولم يعرفها أحد بعده، وقد رأينا العلماء الذين تعاوروا شرحها، وتجشموا أمر نسبتها قد أعياهم معرفة قائليها، وعجزوا أن يقعوا عليها عند أحد من المتقدمين، هذا مع انفساح المدة، وطول المهلة....إلخ، ثم قال: حتى إذا أظل عصر الطباعة، وشرعت المطابع تلقي بالكتب دراكا، تجدد لدى الباحثين والمحققين ما درس من الأمل فيها، فنهدوا إلى تطلب مواردها.....إلخ. ثم خلص الباحث إلى نتيجة وهي بما أن ابن مالك من علماء القرن السابع الهجري، وعصر الرواية قد انتهى؛ فإما أن يكون ابن مالك قد جاء بهذه الشواهد من كتب النحاة السابقين، وإما أن يكون قد استخرجها من دواوين شعرية؛ ثم أخذ يرجح ويضعف؛ فاستبعد الاحتمالين، وحكم بوضع هذه الشواهد، وبأن ابن مالك هو الصانع لها. أقول( سامح ): يا أستاذ فيصل، هل ترضى بمنهج أهل الحديث حكما بيننا في هذه المسألة؟ وكيف لا ترضى، وأنت الذي أكثرت من ذكرهم في كتابيك، وهذا صنيع يحمد لك؛ لأنهم أهل الشأن، وهم المعول عليهم في مثل هذه المسائل؛ فالقول قولهم، والكلمة كلمتهم. وقد قرأت في تقريظ لواحد من أساتذتك -وهو أ.د أبو أوس الشمسان- أنك سرت على خطى المحدثين( أهل الحديث) في كتابك التدليس، وأنقل لك أيها القارئ الكريم شهادة د.أبي الأوس الشمسان في حق الأستاذ فيصل المنصور..يقول أ.د أبو أوس الشمسان مادحا الأستاذ فيصل المنصور: " وليس هذا الكتاب الذي يضعه كاتبه بشجاعة بين أيدينا ثمرة تأمل عابر، بل هو نتيجة بحث وتنقير وإحصاء ومراجعة؛ فهو متصف بمنهج البحث العلمي السليم في إجراءاته وخطواته، عرض لنا في فصله الأول أدلة الوضع على هدي المحققين من علماء الحديث". انتهى. أقول( سامح): هل حقا سار الأستاذ فيصل في كتابه على هدي المحققين من علماء الحديث، كما يصور لنا د.أبو أوس الشمسان؟! وللإجابة عن هذا السؤال: لننظر ماذا قال أهل الحديث في مسألة تفرد الراوي بأحاديث لا توجد إلا عنده. يقول الإمام ابن الصلاح في مقدمته المشهورة:" إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده به خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح". أقول( سامح): انتبه لهذا الكلام جيدا، ابن الصلاح أحد كبار أئمة الحديث، وكتابه" معرفة أنواع علوم الحديث" الذي نقلت لكم منه هذا الكلام هو المعتمد عند أهل الحديث-يقول: الراوي الذي ينفرد بالحديث على ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى: أن ينفرد الراوي بأحاديث يخالف فيها غيره من الثقات الحفاظ الذين هم أحفظ وأضبط منه، فحكم تفرد هذا الراوي أنه شاذ مردود؛ لأنه خالف من هو أرجح منه. المرتبة الثانية: انتبه جيدا لهذه المرتبة هي محل الشاهد، وهي التي أقصدها من الكلام..يقول: إذا روى الراوي أحاديث لم يروها أحد غيره، بمعنى أنه تفرد بها عن الناس، وهذه الأحاديث التي تفرد بها لا تخالف ما رواه غيره من الثقات، ما حكم هذا الراوي عند أهل الحديث؟ يقول ابن الصلاح: يجب أن ننظر لهذا الراوي المنفرد؛ فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبلنا ما انفرد به، ولم يقدح فيه الانفراد، وإن لم يكن عدلا ضابطا موثوقا بحفظه؛ فإننا نرد روايته. أقول(سامح): كلكم تحفظون حديث النبي-صلى الله عليه وسلم-" إنما الأعمال بالنيات.. " هل تعلم أيها القارئ الكريم أن هذا الحديث الجليل قد تفرد به سيدنا عمر بن الخطاب عن النبي-صلى الله عليه وسلم-، أي: لم يروه أحد من جيل الصحابة عن النبي-صلى الله عليه وسلم-غير سيدنا عمر بن الخطاب، ثم تفرد به عن سيدنا عمر علقمة بن وقاص الليثي،أي: لم يروه أحد من طبقة التابعين عن سيدنا عمر بن الخطاب إلا علقمة بن وقاص الليثي، ثم تفرد به عن علقمة بن وقاص الليثي محمد بن إبراهيم التيمي، أي: لم يروه عن علقمة من طبقة أتباع التابعين غير محمد بن إبراهيم التيمي، ثم تفرد به عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيي بن سعيد الأنصاري، أي: لم يروه أحد عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيي بن سعيد الأنصاري، ثم تواتر الحديث بعد ذلك عن يحيي بن سعيد الأنصاري، أي: رواه عنه عدد كبير من الرواة بلغ حد التواتر، قيل مئات من الرواة أخذوه عن يحيي بن سعيد الأنصاري. انظر- بوركت- إلى التفرد كيف وقع في أغلب طبقات الحديث؟ والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا فعل أهل الحديث مع هذا الحديث؟ هل ردوه بحجة أنه لم يروه إلا واحد فقط في أغلب طبقات الحديث؟!! والجواب: قبلوه، واحتجوا به، والإمام البخاري أمير المؤمنين في علم الحديث، وإمام الدنيا، وجبل الحفظ، وإمام هذه الصنعة- قد احتج بهذا الحديث، بل صدر به صحيحه. وهذا الحديث يعتبره العلماء أصل من أصول الإسلام، وشهرته غير خافية على أحد. إذن، لم قبله أهل الحديث، وقد تفرد به أكثر من راوٍ؟ والجواب: المعتبر عند أرباب الصنعة(أهل الحديث) أن الراوي إذا تفرد بحديث لم يروه أحد غيره، وكان هذا الراوي عدلا ضابطا؛ فإنهم يقبلون حديثه، ويحتجون به، وقد نقلت لكم كلام ابن الصلاح في ذلك. إذن، أهل الصنعة( أهل الحديث) لا يعتبرون تفرد الراوي قادحا فيه مطلقا؛ وإنما ينظرون للراوي المتفرد، هل هو ثقة(عدل ضابط)، ويقصدون بكونه عدلا: أن يكون الراوي مسلما، مقيما لحدود الله، لا يرتكب كبائر، ولا يجاهر بالمعاصي، سالما من الفسق، وخوارم المروءة، وكل ما يشين المرء. ويقصدون بكونه ضابطا: أن يكون الراوي حافظا لمروياته حفظا متقنا، لا يخطئ فيها. والأحاديث التي تفرد بها الرواة، وجاءت على هذه الشاكلة كثيرة، وقد خرج البخاري ومسلم في صحيحيهما كثيرا منها. أيها القارئ الكريم، انتبه لهذه الكلمة جيدا، والتي سأعرضها لك الآن، وهي لإمام كبير وجليل، وأحد أقطاب أهل الحديث، إنه الإمام مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، اسمع ما يقول.. يقول الإمام العلم مسلم بن الحجاج: " للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي-صلى الله عليه وسلم- لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد". أقول( سامح): انتبه جيدا! الإمام ابن شهاب الزهري إمام الدنيا، وجبل الحفظ، قد تفرد بتسعين حديثا، لا يعرفها أحد، ولم يروها أحد غيره، يرويها هو( الزهري) عن النبي-صلى الله عليه وسلم- وأسانيدها صحيحة. والسؤال: ماذا فعل أهل الحديث مع هذه الأحاديث الكثيرة التي تفرد بها الزهري، هل ردوها بحجة أنها لم يروها أحد إلا الزهري؟ والجواب: قبلوها، واحتجوا بها، وأودعوها كتب الصحاح، والبخاري ومسلم قد احتجا في صحيحيهما بكثير من هذه الأحاديث التي تفرد بها الزهري. إذن، أهل الحديث احتجوا بالأحاديث التي تفرد بها الزهري، ولم يعرفها أحد غيره،وهي أحاديث كثيرة؛ لأن الزهري إمام كبير، اجتمع فيه من العدالة والضبط ما لم يجتمع في أحد، والزهري معه زيادة علم لا توجد عند أحد، ومن علم حجة على من لم يعلم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لذا قبلوا تفردات الزهري واحتجوا بها. ليس الزهري فحسب، بل كل راوٍ عدل ضابط انفرد بأحاديث لا توجد إلا عنده شريطة ألا تخالف الثقات من الرواة الذين هم أرجح منه، فإنهم يقبلون تفرداته ويحتجون بها. بعد هذا العرض الذي أريتك إياه أيها القارئ الكريم، نعود للسؤال الذي يطرح نفسه: هل حقا سار الأستاذ فيصل المنصور على نهج وخطى أهل الحديث كما صور لنا أ.د أبو أوس الشمسان ؟!!!!!!!!!!!!!! أقول( سامح ): لو أن الأستاذ فيصلا سار على خطى ومنهج المحدثين(أهل الحديث) بحق، لنظر إلى الشواهد الشعرية التي تفرد بها الإمام ابن مالك الأندلسي صاحب الألفية، والتي لا يعرفها أحد غيره، ولحكم بقبول هذه التفردات التي تفرد بها ابن مالك-رحمه الله-؛لأن ابن مالك قد اجتمع فيه من العدالة والضبط ما لم يجتمع في أحد من النحاة، وابن مالك معه زيادة علم لا توجد عند أحد غيره، ومن علم حجة على من لم يعلم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. لكن فيصل المنصور لم يفعل ذلك!! فرأينا فيصل المنصور قد ضرب بشهادات أهل العلم الذين شهدوا للإمام ابن مالك بمتانة الدين، والصدق، والأمانة، وقوة الحفظ، وواسع العلم، وسعة الاطلاع، وأنه اطلع على ما لم يطلع عليه غيره- ضرب فيصل المنصور بكل هذه الشهادات عرض الحائط، وأدار لها ظهره، ولم يعبأ بها، لم يعبأ إلا بظنون حاكها له خياله، وتخرصات أنتجها له فكره، فكان ما كان منه من اتهام إمام من أكابر أئمة العربية، بأنه وضع ما يقارب سبعمئة من الشواهد الشعرية؛ ليحتج بها على القواعد النحوية؟!!!!!!!!!!!!!! أقول( سامح): الإمام ابن مالك عند النحاة كالإمام الزهري عند المحدثين عدالة وضبطا وحفظا وأمانة وصدقا، وقل ما شئت من عبارات الثناء والمدح، ولترجع أيها القارئ الكريم لشهادات العلماء الذين شهدوا له بذلك، والتي طلبت منك أن تكتحل عيناك منها. فكيف لا نقبل ما تفرد به؟!!!!!!!! هذا هو منهج أهل الحديث الذين ذبوا الكذب والباطل عن أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، والذين دافعوا عن حياض الدين، وهم أهل الذكر، وقد قال الله تعالى:" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". فالكلمة كلمتهم، والقول قولهم، والميدان ميدانهم؛ وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان. إذن، لا جرم يا أستاذ فيصل أن بينك وبين منهج المحدثين كما بين السماء والأرض، وكما بين المشرق والمغرب، فكيف إذن يلبس الدكتور أبو أوس الشمسان على الناس بشهادته تلك؟!!!!!!!!!!!!!! هذا هو منهج فيصل المنصور في كتابه منهج شاذ أعور، لم يعرفه جهابذة أهل التحقيق من أهل الحديث، ويريد أن يحاكم ابن مالك-رحمه الله- بمنهجه الشاذ الأعور!!!!!!!!!!!!! لم ينته حديثنا عن شبهة التفرد، في المنشور القادم- بإذن الله- سنتكلم عن بعض الشبهات التي أثارها الباحث في شبهة" التفرد" !!!! هذا، والله أعلم، وصل اللهم على النبي محمد، وآله، وصحبه، وسلم! |
| الساعة الآن 01:45 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by